الصراع على الأقليات في سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21 / 04/ 2012
دار الحياة

ردّت الإدارة الأميركية على قول بشار الأسد بأن المعركة تميل لمصلحته، بأنها لا تعتقد بصحة هـــذا الاستنتاج، وأن ما يجري هو حرب استنزاف. في الـــوقت ذاته تحدّث حسن نصر الله عن أن الأسد باقٍ فــي السلطة، وأن نظامه تخطّى مرحلة خطر سقوطه، وهو ما قاله أيضاً نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، الذي دعا الغرب إلى الحديث مع بشار الأسد.

لم يكن خطاب الأسد موجهاً إلى عامة السوريين، ولا إلى العالم، إنما إلى جمهور مؤيديه بشكل خاص، بعد ثلاث سنوات من الوعود غير المحققة بالنصر، وهو ما لا بد يدركه مَن ردّ عليه من الإدارة الأميركية، والذي يمكن عدُّ ردِّه رسالةً إلى الجهة ذاتها، أي الجمهور الذي خاطبه حسن نصر الله ونعيم قاسم، وبالتوازي رموز في الحكم الإيراني، حينما ركّزوا على شخص بشار الأسد. وبينما من المفهوم اهتمام الأسد والأميركيين بمخاطبة القاعدة الاجتماعية للأول، وهو ما يتناسب مع ما دأب عليه الأميركيون دائماً من تقديم أنفسهم حماة طائفة في ورطة وتبحث عن مخرَج، يحتاج حلفاء الأسد المهتمون بخطابات التركيز على شخصه في هذه الفترة إلى التدقيق لمعرفة أسبابه، تحديداً كونه يجري في وقت يَرْشَح فيه استياء في أوساط من السلطة الحاكمة من سلوك هؤلاء الحلفاء وخطابهم، الذي يعلنون فيه أنهم المسؤولون عن التحوّل الميداني الذي تفاخرَ به.

على الأرض يصعب نفي أن السلطة كادت تسقط لولا التدخل الواسع من قبل حكام إيران عبر إشراك الميليشيا التي تتبع لهم، وعبر الضخ المالي والسلاح والمعونات الاستخباراتية وغيرها، وهو ما كرّسهم حماة السلطة فعلياً، ولكنْ أوصياء عليها بالمقدار ذاته، الأمر الذي يعطّل استقلاليتها، ويربط مصيرها بالتفاوض الإيراني الغربي. ليس غريباً بعدها، مع الاستنزاف الشديد للطائفة العلوية، أن ينقلب شعور العديدين فيها من الامتنان لهذه الحماية إلى شعور بالضيق، وتحديداً لأن لهذه الوصاية حضوراً مادياً مباشراً عبــر الميلشيا الشــيعية، التــي لا تنقصها الغطرسة، ولا يخفي عناصرها نفورهم ممن لا يشتركون معهم في المذهب أو العادات والتقاليد، وهي أولاً وآخراً ميليشيا طائفية متديّنة. وبينما يقبع بشار الأسد في أحد مخابئه بحماية الحرس الثوري الإيراني، يكاد يكون مخفوراً في حقيقة الأمر، وإرادته معطَّلة لمصلحة حُماته، يجول مؤيدوه على حواجز حزب الله والميليشيات الشيعية، ويتفاعل ضباطه وجنوده معها، متعرضين لوطأة احتلالها المكان وغطرستها المتزايدة مع كل نصر تحققه، وتحوُّلِها سلطةً فوق السلطة الأسدية.

يحدث كل هذا في الوقت الذي لا يبدو أن هناك نصراً نهائياً في الأفق، بل مزيد من المخاطر، لم تكن آخرها إزاحة الخط الأحمر في الساحل لتشرف قوات معارِضة على مناطق العلويين، وتفصل بينهم وبين منفذهم البري الوحيد بعيداً من أطراف الصراع، وتقطع الجسر الواصل بينهم وبين علويين آخرين يختلفون عنهم ولكن أقل بكثير مما يختلف عنهم المسلمون بطوائفهم ومذاهبهم، ومنهم الشيعة، في وقت يفهمون جيداً الرسائل الأميركية التي تتضمّن أن الإدارة الأميركية وحدها من يمنع تمدّد القوة العسكرية للإسلام المتطرّف باتجاههم، وتبقي مناطقهم خارج الحرب عملياً، وتحميهم من دفع حساب ورطتهم التي دفعهم إليها الأسد وحلفاؤه كاملاً.

وهكذا يتحول حزب الله يوماً بعد يوم إلى حامٍ لاحتلال، ويؤدي التماسُّ المباشر بين عناصره وبين العلويين إلى فرصة لتعرّف الأخيرين إلى حجم الاختلاف والنفور بينهم وبين هؤلاء، ويدرك المزيد منهم مع الوقت، أن رئيسهم الذي يدافعون عنه، على الرغم من حماس الكثيرين منهم له قبل الثورة لاعتقادهم أنه يمنع المتطرفين الإسلاميين عنهم، قد أصبح رهينة عند إسلاميين آخرين لا يقلّون جلافة وتعالياً وغربة عنهم، الأمر الذي زاد من إحباطهم ومن شعورهم بأنهم عالقون بين فكي كماشة لا مخرج لهم منها، وهو ما يصحّ على مؤيدي الأسد من الأقليات الأخرى في سورية، قلّوا بينها أو كثروا.

وإذ كان مــا مــر ذكــره فرصةً مناسِبة للمعارَضة لمخاطبــة مؤيــدي الأسد ومحاولة كسب بعضهم والتأكيد على الشراكة في الوطن، فإن طبيعة المعارضة وسيطرة مغامرين إسلاميين على مفاصلها يعطّلها ويمنعها مـــن القيام بهــذا الـــدور الوطني، الأمر الذي يؤدي إلى إشاحة العلويين بنظرهم عنها باتجاه الإدارة الأميركية، التي تفعل كل ما يلزم لتكون جاهزة للتعاون معهم.

بعد هذا يمكن الجواب عن السؤال الذي لطالما تردّد، عن الوقت الذي يمكن أن تتدخل فيه الولايات المتحدة الأميركية عسكرياً في سورية، وهو أنها ستتدخل عندما يصبح تدخلها مطلب الأقليات -وتحديداً الطائفة العلوية- المنهَكة من الحرب ومن الإيرانيين وحلفائهم الشيعة في الوقت ذاته، وإن كانت غالباً ستفضل أن يتم ذلك عبر دعم غير محدود لتحالف يضم الأقليات مع جسم معارض قوي مدرب لمواجهة الإسلام الراديكالي. وطالما أن ذلك لا يزال في طور التشكّل، وإن بدأت تتوضح معالمه، فإن حرب الاستنزاف ستستمر في سورية على ما شهدنا للآن.

في هذا الوقت تعجز إيران عن لعب دور سياسي مهما قدمت في حلبة الصراع، كونها أولاً تفتقد القدرة على التفاوض مع الأطراف التي تقاتلها، وتغوص مع الوقت أكثر في مستنقع الحرب كطرف منفرٍ لبعض حلفائها ثانياً، بينما تحاول باستماتة مصادرة قرار التسوية وحصره في قبضتها فقط ووضع شروط له تناسبها وحدها.