الصراع على موسم القمح..خبراء ومزارعون لـ"السورية.نت": الإدارة الذاتية خيّبت الآمال.. هل يستحوذ النظام على المحصول؟

صراعٌ على المخزون الاستراتيجي قد يُحسم لصالح النظام.. الصورة في ريف الحسكة: السورية.نت
الخميس 23 مايو / أيار 2019

تراجعت حدة المنافسة على استجرار محصول القمح الطري، بالدرجة الأولى، والقمح القاسي والشعير بدرجة أقل، بين حكومة النظام، و"الإدارة الذاتية" شمال شرق سورية، مع إعلان "الإدارة" أسعار شراء محاصيل الحبوب، بفارق يقل خمسة وثلاثين ليرة سورية، لكل كيلو، عن أسعار النظام في كل صنف.

مخصصات وأسعار

وخيبت "الإدارة الذاتية" توقعات المزارعين في المناطق التي تُديرها مع قوات "قسد"، إذ كان المزارعون يتأملون أسعاراً منافسة لما طرحه النظام، ما أثار الإستياء، في الأوساط المقربة من "الإدارة"، بين مَن فسره بعدم قدرتها على توفير قيمة المحاصيل، ودفعها في الوقت ذاته لبيع المحصول للنظام، وبين مَن وجه النقد للإدارة والنظام معاً بالتقصير تجاه المزارعين.

و قرار الإدارة استقبل في أوساط المزارعين خاصة، بكثير من التساؤل ومحاولة تفسير هذه الخطوة بعد إن كانت المنافسة على أشدها بين الطرفين.

الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، بدر ملا رشيد، تطرق في حديث لـ"السورية.نت"، عن "المخزون الاستراتيجي"، الذي" كان من المتوقع أن تحدث مواجهة بين الطرفين حوله"، وأشار إلى أن "قمح الجزيرة هو من النوع الطري المستخدم في انتاج الخبز، والمنطقة الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية توفر ما يقارب 65% من القمح السوري، أي إن هذا المحصول يشكل سلاحاً سياسياً أيضاً بيد من يمتلكه".

وأعتبر الباحث أن التفسير الأولي لهذا القرار "إن تم"، هو "انسحابٌ لصالح النظام، نتيجة ضغوطات سياسية من قبل النظام على الادارة، أو أحد بنود الاتفاقات الغير المعلنة بين الطرفين، على كيفية إدارة ثروات المنطقة من مزروعات ونفط".

وذهب الباحث إلى أن هذه الخطوة إن تم فرضها على السكان "ستؤدي إلى بلبلة كبيرة في المنطقة، كون الأهالي سيحاولون تسليم معظم منتوجهم لمكاتب ومراكز تخزين الحبوب التابعة للنظام، هرباً من السعر المنخفض لدى الإدارة، والذي يحمل جانباً اقتصادياً يتجلى بفرض ضريبة عالية على القمح، ولكن دون أن يتم تسميتها ضريبة، بل شراءً قانونياً، وعبرها ستعيد الإدارة الذاتية بيع القمح للنظام مع فرض الفائدة".

 

خزان المادة الإستراتيجية

محافظة الحسكة تعتبر خزان المادة الاستراتيجية بالنسبة لسورية، إذ كانت تسهم وحدها بنحو 36% من إنتاج القمح في سورية، بحسب الخارطة الاستثمارية الزراعية في وزارة الزراعة بحكومة النظام.

في هذا العام أصدرت حكومة النظام قراراً بإحداث المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب بالحسكة، وتم استحداث المؤسسة الجديدة، التي أطلق عليها اسم "السورية للحبوب"، بعد دمج ثلاث مؤسسات، هي المؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب والشركة العامة للمطاحن والشركة العامة لصوامع الحبوب.

فيما بيّن رئيس الاتحاد العام للفلاحين لـصحيفة "الوطن" الموالية للنظام، أن الإنتاج هذا الموسم من محصول القمح يقدر بنحو 2.7 ملايين طن، متوقعاً أن يكون "الإنتاج وفيراً هذا الموسم، والتسويق جيداً ولا يوجد أي معوقات"، فيما يشير خبراء إلى أن هذا الرقم الإنتاجي ربما "يضع حدّاً لاستيراد الطحين من روسيا"، ولا سيما أن مجمل محصول الموسم الماضي بلغ ١.٢ مليون طن فقط، وذلك وفقاً لتقرير أصدرته منظمة الأغذية والزراعة العالمية "فاو".

إلا أن بعض المراقبين الزراعيين أشاروا لـ"السورية.نت"، إلى أن "موسم العام الحالي، ليس متناسباً تماماً مع الهطولات المطرية في الحسكة، فقد تأثرت آلاف الهكتارات بالرطوبة العالية الناتجة طول فترة المطر وباتت حبات القمح مثقلة بشيء من المياه، ما يقلل من قيمتها الشرائية، لكنه يتحسن كلما اتجهت جنوباً خاصة في دير الزور وريفها".

 

مخاوف

الباحث السوري، في الشأن الاقتصادي، أنس حمو، قال لـ"السورية.نت": "لا شك أن النظام سيترجم هذه الزيادة0في المحصول) إلى ارتفاع بالأسعار، فهو غير قادر فعلياً على تخصيص ما يزيد 460 مليار ليرة لموسم القمح مهما كان الأمر استراتيجياً له، إذ أنه سليتهم مع استهلاكات حكومية أساسية معظم ميزانية العام الجاري، ولن يتبقى حينها لدى النظام، أموال كافية لتغطية قطاعات أخرى خاصة مع حجم الإنفاق العسكري غير المعلوم بالضبط، ما سيدفعه إلى البحث عن طرق بديلة لاستيفاء هذا المبلغ، كما سيؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية أكثر ".

فيما قال مهيار الخلف، وهو تاجر قمح في الحسكة، "كل من النظام والإدارة الذاتية نشروا سماسرتهم في المنطقة، وبدأوا بعرض التسهيلات والتضارب في الأسعار، ليعود السمسار، ويبيعه للمواطن بفارق أغلى ولو بعد حين، عبر رفع الدعم عن الخبز أو المحروقات، ويبقى أبناء المنطقة التي تنتج أكثر من ثلثي إنتاج سورية من القمح، هم الحلقة الأضعف في هذه العملية".

 

ضرائب إضافية

الإتاوات التي تفرضها "الإدارة الذاتية" تحت مسميات مختلفة، تأتي على شكل مبالغ مستقطعة من المزارعين أو أصحاب الحصادات، رغم أنها ليست مرتفعة جداً بالعموم، لكن لا يمكن التهرب منها.

فمثلاً، وعلى غرار الموسم السابق، استقطعت "الإدارة"، مبلغاً قدره 25 ألف ليرة سورية من أصحاب الحصادات القديمة، وضعف هذا الرقم من أصحاب الحصادات الحديثة، وذلك تحت مسمى "التبرع" فيما تكون الغاية المعلنة "دعم المجهود الحربي" أو ما يسمى "دعم المقاومة"، فيما لم يُعرف بعد المبالغ التي قد تستوفى من المزارعين هذا الموسم، وتحت أي مسمى ستأتي.

المزارع يحيى رمضان من مدينة عامودا قال لـ"السورية.نت"، إن "هذه الإدارة تبدع في الضرائب والإتاوات وتطالبنا بدفع مبالغ ثابتة عند استلامنا أثمان المحصول، وتحاول اقناعنا أنها تساهم في حمايتنا وتحقيق الأمن في المنطقة، إلا أن لا أحد منا يعرف إلى أين تذهب هذه الأموال، ولا أوجه صرفها، الملف المالي لدى الإدارة الذاتية غامض أكثر حتى من الملف الأمني"، مضيفاً، رغم ذلك يبقى الإشارة إلى أنّ هذه الأسعار لا تزال "أقل من توقعات الفلاحين كونها لا تقدم سوى هامش ربح بسيط لا توازي حاجته".

ويعتقد مُطلعون في منطقة الجزيرة السورية، أن حظوظ الجانبين من النظام و"الإدارة الذاتية" في نيل الحصة الأكبر من الإنتاج، ربما ستتساوى في الختام، إذا ما شهدنا "التعاون المعهود بينهما وتقاسم الإنتاج سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء".

و يوم أمس الأربعاء، أعلن الرئيس المشترك لـ"هيئة الاقتصاد والزراعة"، في "الإدارة الذاتية" سليمان بارودو، حسبما نقلت وكالة "سمارت"، إن "الإدارة"، لا تُمانع، أن يبيع المزراعون محاصليهم للنظام "لكننا سنمنع خروج المحصول من شمالي شرقي سورية".

وحسب ذات الوكالة، فقد تلقت "الإدارة الذاتية" انتقادات كبيرة من المزارعين، بعد تحديدها أسعار شراء المحصولين بـ 150 ليرة سورية لكيلو القمح و 100 ليرة للشعير، إذ اعتبر المنتقدون تلك الأسعار، منخفضة جداً، ولا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، بينما حدد النظام سعر شراءه لتلك المحاصيل بـ 185 ليرة للقمح و130 للشعير.

المصدر: 
السورية.نت