الطاعون والمنصور في العالم العربي: اجتماع الاستبداد والإرهاب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

القدس العربي

في إطار ما سمي «الحرب على الإرهاب» طرحت إدارة الرئيس السابق جورج بوش فكرة الترويج للديمقراطية في المنطقة كترياق ضد الإرهاب، أو على الأقل تصحيحاً لخطأ يعتقد أنه تسبب فيه. فبحسب مستشارة بوش للأمن كوندوليزا رايس، فإن الولايات المتحدة قدمت الأمن على الديمقراطية فخسرت الاثنين. والإشارة بالطبع إلى الزواج الكاثوليكي بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة وأنظمة الاستبداد العربية.

وكنا قد طرحنا في المحافل الأكاديمية قبل أحداث سبتمبر/ايلول تساؤلات حول العلاقة بين الاستبداد والإرهاب في المنطقة العربية، حيث تكاد تكون هذه المنطقة الوحيدة التي يتلازم فيها الوباءان. فالمعروف أن الإرهاب ظاهرة تعتري المجتمعات الديمقراطية، أو على الأقل التي تتمتع بانفتاح معقول. بل إن العديد من الباحثين يحصر تعريف الإرهاب في استهداف الأنظمة الديمقراطية. ويعزى هذا إلى أنه من الصعب دمغ من يقاوم أجهزة الطغيان بالإرهاب، لأن تلك الأنظمة هي بدورها إرهابية.

ومن الناحية العملية، يصعب قيام منظمات إرهابية في بلدان تمارس القمع المتعسف، وذلك لعدة أسباب، أولها أن الإرهاب (وهو تعريفاً استهداف غير المحاربين بغرض إرسال رسالة سياسية)، هو في الأساس محاولة للضغط على نظام سياسي عبر الرأي العام. وهذا يفترض أولاً وجود رأي عام يعتد به، وإعلام حر ينقل الرسائل، وحاكم يهتم بالرأي العام ويحرص على حياة الأبرياء. كذلك يفترض الإرهابي في الجهة المستهدفة قدراً من ضبط النفس، بحيث لا تضاهي تكتيكات الإرهابيين باستهداف النقاط الرخوة (مثل الأسر والأطفال، إلخ).

ولكن الثابت هو أن الأنظمة الاستبدادية لا تبالي بالرأي العام، ولا يهمها مصير الأبرياء، إلا إذا كانوا أقارب الحاكم، وأحياناً حتى لو كانوا. على سبيل المثال، نجد بوتين في روسيا كان هو المبادر لقتل مئات الأبرياء، سواء في مدرسة بيسان أو مسرح موسكو، بالاقتحام أو بالغاز السام. وقد سخر ديكتاتور اثيوبيا السابق منغستو من معارضين له اختطفوا زوجته وأطفاله وهددوا بقتلهم، طالباً منهم ألا ينسوا عمل حساء من الجثث وإرسال نصيبه منه. وعند الأنظمة الدكتاتورية، يتم التعامل حتى مع المقاومة المشروعة برد فعل إرهابي، كما فعل النازيون حين كانوا يبيدون قرى بكاملها إذا قتل منهم جندي.

وفي عراق صدام وسوريا الأسد كانت الإبادة الجماعية بالغاز وغيره، والتهجير الجماعي وتهديم المدن على رؤوس أهلها، وقتل واعتقال واغتصاب الأقارب، كلها أسلحة معتادة عند هذه الأنظمة. وعليه لم تكن هناك جدوى من ممارسة الإرهاب ضد هذه الأنظمة، لأنها تحتكر سلاح الإرهاب كما تحتكر غيره.
وهذا يطرح السؤال المحوري عن أسباب تكاثر الحركات الإرهابية بمختلف أنواعها وأشكالها في كافة أرجاء الوطن العربي، في نفس الوقت الذي تجثم فيه على صدر الأمة أنظمة إرهابية يخجل من شرها عتاة الإرهابيين؟

 هل يدفعنا هذا إلى مراجعة تفاؤل ذلك الرجل من السلف الذي استبعد أن تبتلى الأمة بجائحتين مثل الطاعون وحكم المنصور في نفس الوقت (في رد على افتخار الخليفة بأن الطاعون اختفى في عهده)؟ فقد ابتليت سوريا بالأسد وداعش والنصرة وحالش والفضل وغيرها من الكوارث في نفس الوقت.
أما العراق، فحدث ولا حرج: مالكي وسليماني وغبان وداعشيون وصدريون وبدريون وحشديون وحزبلاهيون، وما خفي أعظم. وقد كان الحال كذلك في مصر مبارك وخلفائه، والجزائر واليمن وليبيا وغيرها.

فهل أصبح العالم العربي مرتعاً للإرهاب من كل ملة وطائفة وصنف، بحيث ابتلي إما بإرهابي يحكم أو إرهابي يعارض؟
الواقع يؤكد ذلك كما بينا، مهما لوينا عنق الاصطلاحات وتساهلنا فيها. فالإرهاب باعتباره استهداف الأبرياء لتحقيق أهداف سياسية، مهما كانت نبيلة أو وضيعة، تكتيك تستخدمه أطراف كثيرة في الحكم والمعارضة، وإن كان الحكام هم الأكثر ولوغاً في الإرهاب.
فأجهزة المخابرات تخطف وتغتال وتبتز وتهدد وتعذب، بل وتقوم في كثير من الأحيان بتدبير عمليات «إرهابية» ضد أنصارها ومؤسساتها حتى تبرر مزيداً من الإرهاب. ولكن في نفس الوقت، نشاهد إقبالاً مدهشاً على صفوف التنظيمات الإرهابية من سنية وشيعية وحتى علمانية ويسارية وقومية. فالوقائع ثابته، ولكن نقطة التساؤل هي عن التفسير. لماذا يجد الإرهاب مرتعه ومأواه عندنا؟
هذا هو السؤال، كما يقول شكسبير!

لا يمكن في هذه العجالة تقديم إجابة كاملة وشافية. ولكن يمكن أن نلخص المسألة في أن المنطقة تعج بالانتحاريين لأن الجميع يعتقدون أنهم يواجهون خطر هلاك محقق. فالروايات المتداولة عند كل فئة وطائفة وجماعة تتلخص في أن الجميع أعداء، وأن الطائفة والجماعة تواجه خطر هلاك محقق ما لم تتخذ إجراءات استثنائية لا تلتزم بحدود. فعندما تكون المسألة مسألة بقاء، فإن كل شيء يصبح جائزاً ومشروعاً، مهما بلغت بشاعته.

الفئات المختلفة في المنطقة تعيش كلها في إسار شبكات لا ساحل لها من الأوهام وروايات التخويف والشيطنة المتبادلة. فمن جهة نجد أن إيران والشيعة يتآمرون لابتلاع المنطقة، وربما سراً مع إسرائيل وأمريكا، بحسب بعض الروايات. وفي روايات مناقضة، نجد السعودية ودول الخليج تتآمر (أيضاً مع أمريكا وإسرائيل، بالطبع) من أجل إخضاع المنطقة بكاملها للمستعمر وضرب المقاومة.
أما في بعض الروايات الأمريكية وبعض الحلفاء، فإن منطقة الشرق الأوسط تنتج الإرهابيين على نطاق صناعي، ولن تلبث أن تستولي على أسلحة دمار شامل أو تصنعها فتهدد العالم بأسره.
وحتى عند إسرائيل فإن الإرهاب والتطرف يهدد باقتلاعها من جذورها لو غفلت طرفة عين عن استعداداتها وتجهيزاتها. ولا نريد أن نخوض هنا في مؤامرة الأسد الكونية ولا حديث شيعة السيسي عن «الأخونة» في مصر، ومزاعم كل فئة عن الإرهاب.

المنطقة إذن مصابة بنوبة من الهلوسة والجنون الجماعي، حيث الكل في حالة هوس بخطر ماحق يهدده، وجيش من الأشرار يحاصره، بينما هو وشيعته آخر حراس الخير والفضيلة. ويمكن مقارنة هذا الهرج بكثير من أفلام الخيال العلمي مثل «الحرب العالمية زاي»، و «يوم الاستقلال»، و «ترانسفورمرز» وغيرها من الروايات التي تصور العالم بأكمله تحت تهديد كائنات شريرة ذات قوة تدميرية لا قبل للبشر به، مما يفرض إجراءات لا سقف لها لدرء الخطر.

ولعل ما يضاعف خطر هذا الجنون هو ارتباطه بهوس ديني، حيث تعتقد كل فئة من هؤلاء أنها حزب الله المختار، وعباده المخلصين. يستوي في ذلك غلاة الصهاينة المدعون لصك سماوي بملكية فلسطين وما حولها، والحزبلاهيون الذي يرون أنفسهم طلائع جيش المهدي، أو الداعشيون ممن يدعون أن المصطفى استخلفهم على أمته. ومن كانت هذه أوهامه فهو لا يبالي من قتل من «أعداء الله»، ويتمتع بثقة كاملة بأن الله ناصره ولو تكالبت عليه الأمم. ولهذا فإنه يورد نفسه ومن معه مورد التهلكة وهو لا يبالي.

ولا يقتصر الجنون على دعاة اختيار العناية الإلهية، لأنه كما نرى من تقرير الكونغرس الأخير عن التعذيب، واستمرار المدافعين عنه، هوس معدٍ مثل فيروس الإيبولا، وقتّال مثله.
وهناك «عقلاء» بالمعنى المكيافيلي للعقل، مثل بشار الأسد ونتنياهو وقيادات سياسية في العراق وإيران، لا تشارك المجانين هوسهم، ولكنها تستغل الجنون لتحقيق أهداف قريبة. وفي هذا الإطار، يمكن مقارنة دور أمثال نتنياهو والأسد والمالكي بدور المخرج، في مقابل «الممثلين» من عصائب الحق وداعش وكتائب الفضل وغيرهم. سوى أن هؤلاء لا يرون أنفسهم ممثلين، بل معايشين لواقع الروايات الخيالية التي يتقمصونها.
وبالنسبة للمتفرجين، فلن يكون الحل مغادرة القاعة أو تغيير القناة، لأن هناك ضحايا وجدوا أنفسهم ممثلين في أفلام الرعب هذه رغماً عنهم. ما نأمله هو أن يسيتقظ المخدرون قبل أن يحترق الاستديو أيضاً!