الطلاق السوري الإيراني الوشيك

صورة برينت ناغتيغال - Watch Jerusalem

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-11-22
ترجمة السورية نت

في تموز عام 2015 اتخذت إيران قراراً خطيراً فيما يتعلق بسوريا. كانت إلى ذلك الحين، بعد مضي أربعة أعوام على الحرب الأهلية، قد حافظت على نظام حليفها بشار الأسد لوحدها إلى حد كبير.

فقد أمرت آلاف من مقاتلي حزب الله التابعين لها في جنوبي لبنان بعبور الجبال إلى سوريا. وأرسلت المرتزقة الشيعة من أفغانستان وباكستان بعشرات الآلاف. كما ساهم المال الإيراني بتمويل التجنيد الواسع للرجال السوريين. بدا أن الأسد يدين بنظامه وحياته وولائه لإيران.

ولكن وعلى الرغم من أفضل الجهود الإيرانية إلا أن الأسد استمر بفقدان الأراضي والسيطرة. صعود الدولة الإسلامية في الجنوب الشرقي، وهيمنة الأكراد المدعومين من قبل أمريكا في المناطق المأهولة في الشمال والغرب، عنى أن سيطرة الأسد لا تتعدى 25 بالمئة فقط من أراضي سوريا.

وسط هذا الموقف الحرج تم رصد قائد فيلق قوة القدس من الحرس الثوري الإسلامي قاسم سليماني، وهو يزور سوريا لتقييم الأمور، توصل إلى أن إيران تحتاج للمزيد من المساعدة لتتمكن من الحفاظ على نظام الأسد.

مباشرة بعد ذلك، قابل سليماني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو. أفادت التقارير أنه وضع خريطة سوريا على الطاولة وشرح الحاجة للقوة الجوية الروسية للحفاظ لا على المصالح الإيرانية في سوريا فحسب ولكن الروسية أيضاً. سوريا حليفة لروسيا منذ زمن بعيد، وتضم القاعدة الروسية البحرية الوحيدة في البحر الأبيض المتوسط.

لم يحتج بوتين للكثير من الإقناع. كونه تواق لتستعيد روسيا مجد حقبتها السوفيتية، استلذ فكرة العودة إلى الشرق الأوسط. وفي أيلول من عام 2015، تم رصد القوات الروسية في سوريا، ولم يمض وقت طويل قبل بدء الطائرات الروسية بقطع المجال الجوي السوري طولاً وعرضاً.

وكانت دعوة روسيا إلى سوريا حركة خطيرة لطهران، واليوم يتضح السبب. مع احتجاز الثوار في أجزاء من محافظة إدلب وتلاشي الدولة الإسلامية إلى حد كبير، يعد مستقبل نظام الأسد "آمناً إلى الآن"، وحان الوقت ليدفع الأسد لمحسنيه على خدمتهم. هذا يعني الدفع لإيران وروسيا. والقيام بذلك بطريقة مرضية لكلا الدولتين يبدو أمراً غير واقعي بشكل متزايد، بما أن لروسيا وإيران أهدافاً متباعدة لما بعد الحرب.

من حلفاء إلى متنافسين

بعد مرور حوالي ثمانية أعوام على الحرب تقبع سوريا في الركام. مدن مثل حلب والرقة وحمص التي كانت تؤوي سابقاً مئات الآلاف أو ملايين الناس تحولت إلى قشرة لما كانت عنه قبلاً، مع مسح أحياء كاملة بسبب القتال. وحاجة البنية التحتية الوطنية الماسة مثل الجسور والطرق وشبكة الطاقة للإصلاح.

وكلفة إصلاح سوريا هائلة. ففي آب، قدرت الأمم المتحدة أن التكلفة ستبلغ 400 مليار دولار لإعادة سوريا إلى الوضع الذي يسمح لملايين السوريين النازحين من العودة، والمشكلة هي أن سوريا تفتقد للقدرة على إنجاز ذلك وحدها وستحتاج للمساعدة الخارجية. وهنا تأتي إيران وروسيا مجدداً. مع المليارات التي تنتظر من يجنيها، كل من روسيا وإيران تريدان لشركاتهما تلقي مال إعادة الإعمار الذي ستنفقه الحكومة السورية. إن كانت عقود التنقيب عن حقول النفط السورية، أو التحكم بمناجم الفوسفات الضخمة، أو بناء محطة كهربائية، أو السيطرة على مستقبل صناعة الاتصالات الخاصة بسوريا، تقدم روسيا وإيران العروض لنظام الأسد للمشاركة بهذا الشلال الاقتصادي.

كما يوجد هناك مسألة من سيعطي لسوريا مال إعادة الإعمار. أي الدول سترتاح لملء جيوب أنظمة طهران أو موسكو العدائية؟ ليس العديد. ويبدو أن الكرملين بدأ يدرك اليوم أن أياً من المليارات الأمريكية الـ400 لن تأتي طالما أنه يتحالف مع الإيرانيين.

لم تهتم إيران بسوريا؟

لعشرين عاماً، تابعنا صعود إيران في الشرق الأوسط. طموح إيران الواضح هو حكم المنطقة. يجب أن ننظر لسياستها في سوريا ودعمها لنظام الأسد من هذه الزاوية.

استراتيجية إيران تتمثل بحكم الهلال الشيعي، وهو المناطق الواسعة التي تمتد من إيران إلى العراق في الشرق وعبر سوريا ولبنان إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتتضمن هذه المنطقة شريحة كبيرة من السكان الذين يتبعون المذهب الشيعي للإسلام، وهو طائفة دينية تهيمن عليها إيران. استراتيجياً تحتاج إيران للسيطرة على هذه المنطقة لتمد قوتها إلى البحر الأبيض المتوسط ولتهدد إسرائيل.

وتسيطر إيران بالفعل على أغلب لبنان من خلال حزب الله الوكيل عنها. وفي العراق، تمتلك عدة ميزات: قيام الميليشيات الشيعية الموالية لإيران بالقضاء على الدولة الإسلامية، وجود عناصر موالية لإيران ضمن الحكومة العراقية، ووجود المنافذ الحدودية الغربية العراقية المتعددة التي تسيطر عليها العناصر الشيعية ضمن الجيش العراقي. بإمكان إيران أن تنشط بحرية تقريباً ضمن العراق.

ولكن بين العراق ولبنان تقبع سوريا. لإتمام الهلال الشيعي، تحتاج إيران للحفاظ على نفوذها على نظام الأسد، الذي يتبع الإيمان العلوي الذي يتفرع عن الإسلام الشيعي.

لهذا حينما تعرض مركز الأسد للتهديد من قبل الأغلبية السنية خلال الحرب الأهلية السورية كرست إيران موارد هائلة لحمايته والحفاظ عليه. أرسلت عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة للحفاظ على الأسد – وهي تنوي كلياً البقاء هناك والتحكم بالسياسة في سوريا ما أن تنتهي الحرب.

إن تمكنت إيران من تحقيق ذلك دون مساعدة من روسيا، لكان الشرق الأوسط أكثر خطورة اليوم حتى. كانت طهران ستسيطر فعلياً على كل الأراضي من باكستان وحتى البحر الأبيض المتوسط.

عوضاً عن ذلك، على إيران الآن إفساح المجال لروسيا، مما يعقد خططها الخاصة. كان من الممكن لروسيا أن تتحمل الهيمنة الإيرانية على سوريا ما بعد الحرب في حال تلقى الطرفان حصة وفيرة من عقود إعادة الإعمار المربحة، ولكن الروس يرون أن تحقيق السلام في سوريا وبالتالي فرصة الربح من إعادة الإعمار تنسل من أيديهم: بدأت إيران باستخدام وجودها ضمن الدولة في حربها الدائرة ضد إسرائيل.

دور إسرائيل

منذ بداية عام 2016، أطلقت إسرائيل أكثر من 800 صاروخ وطلقات مدفعية إلى سوريا وقصفت أكثر من 200 هدف عسكري. كانت الأهداف غالباً مستودعات للأسلحة وقوافل سلاح تستخدمها إيران للدفاع عن نظام الأسد ولدعم الميليشيات الشيعية في المنطقة، بما في ذلك حزب الله.

ونقلت التقارير تصريح إسرائيل أنها لن تسمح لإيران بإنشاء تواجد يبعث على التهديد داخل سوريا، ولا بنقل الصواريخ المتطورة إلى حزب الله. ضرباتها العسكرية على الممتلكات الإيرانية تبدي أنها مستعدة لدعم كلامها بالأفعال.

وإن استمرت إيران بمعاداة إسرائيل من خلال سوريا، ستستمر إسرائيل بالرد. وهذا يهدد بمزيد من الزعزعة لسوريا، وبإطالة الحرب. ترفض الولايات المتحدة ودول أخرى تمويل إعادة الإعمار ما لم تنسحب إيران. كانت روسيا لتقبل على الأرجح بالوجود الإيراني بعد الحرب في سوريا في حال أتت أموال إعادة الإعمار، ولكن احتمالية ذلك تتضاءل يومياً.

وفي 10 تشرين الأول، قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، "إن لم تضمن سوريا الإنسحاب الكامل للقوات المدعومة إيرانياً، فلن تتلقى دولاراً واحداً من الولايات المتحدة لإعادة الإعمار".

وقال الصحفي الإيراني ومراقب الشرق الأوسط حبيب حسيني فرد لمحطة دوتش ويلي في وقت سابق هذا العام، "بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، انسحاب إيران من سوريا هو الشرط الأساسي للمساعدة المالية، مع استعادة البلاد لسيادتها". وتابع، "بالنسبة لاستعداد الغرب لدعم سوريا وتمكين عودة اللاجئين، سيكون على سوريا أولاً تغيير سياستها تجاه إيران" (6 أيلول).

وفي محاورات حديثة مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، شدد الرئيس بوتين على أن طريقة تخفيف أزمة اللاجئين في أوروبا تكون عبر تمويل إعادة إعمار سوريا.

وكتب فيصل اليافعي في "الناشونال" في 21 آب. "هذه هي الحجة الرئيسية لاستراتيجية السيد بوتين الجديدة: أنه دون المال لإعادة إعمار سوريا، لن يتمكن ملايين اللاجئين من العودة للوطن. إنها رسالة يعلم أنها ستسمع بانتباه في الدول الأوروبية والشرق أوسطية التي كانت عرضة لوطأة أزمة اللاجئين". ولكن، لا تبدو أوروبا مهتمة، على الأقل حتى يكون هناك حل سياسي في سوريا.

ومع عدم رغبة أوروبا والولايات المتحدة بتمويل إعادة الإعمار، ومع استمرار إيران بإثارة الزعزعة والصراع في سوريا، هناك إشارات إلى أن روسيا وسوريا قد تحاولان تحييد إيران.

وتشكلت بالفعل صدوع في العلاقة الإيرانية السورية، نقلت وسائل الإعلام المحلية عن صراع مباشر بين القوات السورية والميليشيات الشيعية المؤيدة لإيران في شرقي سوريا. ونقل حصول إصابات متعددة في كلا الجانبين مع قتالهم للسيطرة على بلدة هامة قرب الحدود العراقية – تعد معبراً حدودياً ضرورياً لإيران للسيطرة على الطرق البرية إلى لبنان. كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها قتال هؤلاء "الحلفاء" لبعضهم البعض.

ويخشى بعض المشرعون الإيرانيون من أن الأسد وروسيا تسعيان لتحييد إيران. "بشار الأسد، وبصفاقة تامة، تقرب لبوتين"، حسبما قال النائب الإيراني بهروز بونيادي لراديو فاردا في حزيران. "لن تكون روسيا صديقة موثوقة لنا".

ولدى الأسد خيار ليتخذه. بإمكانه أن يكون عميلاً إيرانياً ويعتبر منبوذاً من بقية الدول. أو بإمكانه أن يقف إلى حد ما مع بقية العالم.. على عكس العديد من الجماعات الخاضعة لتأثير إيران الديني، لا يتبع علويو سوريا الأفكار العصبية ذاتها ويمكن أن ينجم عن ذلك تغير بالتحالفات.

ومع صعوبة تخيل كيفية رحيل الإيرانيين، نظراً لمدى ترسخهم في سوريا، إلا أن ذلك يبدو أكثر رجاحة الآن من أي وقت مضى.