العالم ونحن

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/2/2016
العرب القطرية

يجري الحديث مؤخرا عن معالم انتقال القوّة والثروة في العالم من الغرب إلى الشرق، ورغم أن الظاهرة تبدو صحيحة إلى حد كبير، فإن الاعتماد عليها للقول بأنّ هناك نظاما عالميا جديدا ينبثق من النظام العالمي القديم الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية هو أمر غير دقيق في أحسن الأحوال.
ما نشهده الآن ليس مرحلة انتقالية بين نظام وآخر، نحن نشهد انهيار معالم النظام القديم دون أن يكون هناك أفق أو مسار باتجاه نظام جديد ودون أن يكون هناك قوّة تقود مثل هذا التحول إن كان يجري، وهو ما يقودنا للحديث عن الفوضى في حقيقة الأمر أكثر من الحديث عن النظام.
الأمم المتحدة منظمة مهترئة الآن وغير قادرة على مواكبة التحديات العالمية وتستنجد بالاشتراكات والتبرعات المالية لتبقي مؤسساتها على قيد الحياة، وقد تحوّل أمينها العام إلى رمز لمهزلة «القلق» المستمر دون القدرة على فعل أي شيء باستثناء المراقبة وإبداء القلق. أمّا مجلس الأمن الذي يمنح لنفسه سلطة التدخل في مناطق مختلفة من العالم فهو مشلول تماما في وقت من المفترض فيه أن يكون في أوج فعاليته، وأعضاؤه يستخدمونه أداة لتحقيق مآربهم الخاصة كلّ حسب مصلحته.
أميركا التي يقودها رئيس مهووس بالمثاليّة ويختبئ تحت عباءة الواقعيّة ليغطي سلوكه الضعيف يعتقد أن التقرّب من الأعداء أو المنافسين سيمنحهم الطمأنينة ويحفّزهم على المشاركة في تحمّل المسؤوليات العالمية ويدفعهم إلى التعاون من أجل حل المشاكل الإقليمية والدولية، وهو يرى أن التقرب منهم لا يتم عبر كسر الهوة بتنازلات من الطرفين وإنما بالتنازل لهم عمّا يريدون وبتجاهل هواجس ومصالح الحلفاء التاريخيين. هذا الوضع أدى ويؤدي إلى حالات ارتباك وتضارب بين أميركا وحلفائها التقليديين في مناطق مختلفة من العالم لاسيَّما في الشرق الأوسط وشرق آسيا وإفريقيا.
الاتحاد الأوروبي عمليا ليس قوة عسكريّة، وبعد أن فقد جزءا كبيرا من قوّته الاقتصادية نتيجة تدهور وضع عدد من البلدان المنضوية تحت مشروعه، أصبح مجرّد صدى على المستوى السياسي. الأوروبيون يعتقدون بسذاجة بالغة أن المشاكل في محيطهم في الشرق الأوسط أو شمال إفريقيا لن تصلهم، وأقصى ما يريدون فعله هو محاولة إطلاق بعض البرامج الإنسانية.

الصين ليست معنيّة -على الأقل الآن- بالتحول إلى قوة عالمية على الصعيد السياسي، فهي ترى في مثل هذا التحوّل خطرا عليها لأنه سيحمّلها تكاليف مسؤوليات دولية هي بغنى عنها، جل همّها زيادة حجم اقتصادها وتطوير قدراتها العسكرية وفرض هيبتها عبر التوسع في محيطها الإقليمي في شرق آسيا؛ ولذلك فالصين لا تبحث عن ملء لفراغ سياسي أو عسكري تتركه الولايات المتّحدة الأميركية في مناطق مختلفة من العالم، لكنها بالطبع تبحث عن ملء فراغ اقتصادي إن وُجد.
الروس لاعبو روليت، لا يملكون المؤهلات ولا القدرات التي تخوّلهم أن يقودوا مناطق واسعة من العالم لكنهم للأسف يمتلكون قنابل نووية وهو ما يعطيهم وزنا يفوق وزنهم الحقيقي بأضعاف. دورهم الأساسي يقتصر على تخريب المشاريع الإقليمية أو الدولية التي تتجاوزهم وعرقلتها لفرض أنفسهم كعنصر أساسي في معادلتها.
هذه القوى لا تمتلك حقيقة رؤى صحيحة للمشاكل التي يعاني منها العالم، وحتى وإن فعلت فإن طريقة معالجتها لها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والدمار، منطقة الشرق الأوسط دليل حي على ما أدّعيه. لقد تحوّلنا إلى حقل تجارب للآخرين ليس أكثر.
ما نحصل عليه هو مزيد من الفوضى، مزيد من حركات التطرّف المسلّح، مزيد من ظاهرة الدول الفاشلة، مزيد من جيوش الميليشيات الطائفية العابرة للدول والحدود، مزيد من التراجع الاقتصادي وتراجع الحريات وتراجع الأمن والاستقرار.

تعليقات