العبث المصري في الملف السوري لمصلحة من؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/1/2015
السورية نت

ينشط الجانب المصري منذ فترة في الملف السوري محاولاً جمع المعارضين السوريين في القاهرة في إطار ما يقول أنّها جهود لحل المسألة السورية. لا أحد يعرف بالضبط دوافع "هذه النخوة المصرية لنظام السيسي" للمساهمة في إيجاد حل للمسألة السورية، والأهم من ذلك أن لا أحد لديه فكرة واضحة بالضبط عن ماهيّة الجهد المصري والهدف النهائي منه، وهو ما يطرح علامات استفهام كبيرة على الموضوع بمجمله.

وتزداد علامات التعجب إذا ما علمنا حجم ما جرى عملياً بعد الإطاحة بمرسي من إهانة للاجئين السوريين في مصر، بالإضافة إلى الإجراءات الحكوميّة التعسفيّة والعنصرية المفرطة التي عبرت عنها وسائل إعلام السيسي ضدهم، والتصريحات المعادية لفصائل الجيش الحر، وكلها مؤشرات على موقف رسمي مصري  معادٍ للثورة السورية  وداعم للأسد.

على كل حال، هناك اجتهادان في تفسير الحراك المصري الحالي في الملف السوري:

الاجتهاد الأول يقول إنّ الجهد الدبلوماسي المصري مدفوع برغبة إحدى الدول الخليجية، وذلك لسحب الملف برمته من الجانب التركي على اعتبار أنّه يعطي أنقرة حجماً أكبر ، على أن يكون الهدف النهائي من ذلك حصر الملف في بعده العربي وتقويض موقع أنقرة الإقليمي في المعادلة.

أما الاجتهاد الثاني، فيقول إنّ الجهد المصري هو اجتهاد ذاتي مدفوع برغبة للبحث على دور جديد، ولكنه يستهدف أيضا أنقرة في نفس الوقت. فقيمة النظام المصري الأساسية هي محاربة الإخوان، أمّا وأنّ الموضوع لم يعد أولوية بالنسبة لداعميه الإقليميين وحل محله أولويات أخرى (محاربة القاعدة وداعش والنفوذ الإيراني)، فإن النظام المصري يحاول البحث لنفسه عن أدوار أخرى موازية أيضاً (مكافحة الإرهاب، التطرف، الملف السوري، الليبي...الخ).

المشترك في الطرحين، هو استهداف تركيا، ويعزز البعض ذلك بالقول أيضاً إنّ النظام المصري يقوم بالاعتراض دوماً على جميع الجهود الدبلوماسية والمقترحات التركية التي تطرح بخصوص الملف السوري في الاجتماعات الدولية المغلقة، متذرعاً بأنّها قد تؤدي إلى تقسيم سوريا وتفتيتها، وهو أمر مثير للاستغراب حقيقة على اعتبار أنّه إذا كان حريصاً إلى هذه الدرجة، فكان الأجدر به أن يحرص على عدم تقسيم السودان (حديقته الخلفية)، وعلى تحصين الوضع الفلسطيني في وجه إسرائيل.

على أية حال، إذا صح الاجتهاد الأوّل في التفسير فسيكون خطأ كبيراً من قبل من يراهن عليه. فسبق وشرحنا بأنّ النظام المصري لا يمكن الاعتماد عليه جيوبوليتيكياً في أي شيء، فهو أضعف من أن يكون قادراً على لعب أي دور إقليمي. وضعه الداخلي المهزوز إلى أبعد حدٍ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى أمنياً لا يسمح له.

الدولة المصرية هشّة جداً، وهي تحتل وفق مؤشر الدول الفاشلة والهشّة لعام 2014 المرتبة 31 عالمياً مقارنة مثلاً بالمرتبة 44 لإيران و93 لتركيا و96 للسعودية. اقتصادياً، الاقتصاد المصري هو الأضعف بين القوى التي تماثله في الحجم وفي عدد السكان وفي القدرات. أليس من العار أن يكون حجم الاقتصاد التركي يساوي تقريباً ثلاثة أضعاف حجم نظيره المصري؟! الاقتصاد الإيراني رغم العقوبات ورغم الوضع السيء يساوي ضعف حجم الاقتصاد المصري. دخل الفرد في إسرائيل، الدولة التي من المفترض أنها تهديد للأمن القومي المصري يساوي حوالي أربعة أضعاف نظيره المصري.

عسكرياً، قبل عدة أشهر، نشرت "آي إتش إس- جايز " المتخصصة في الشؤون العسكرية ترتيباً آخر عن أقوى 15 جيشاً في الشرق الأوسط، وقد جاء ترتيب مصر في المرتبة الخامسة مع تقدم كل اللاعبين الإقليميين ذوي الوزن الثقيل عليها (إسرائيل وتركيا والسعودية وإيران). وفي وقت تسعى جيوش هذه الدول إلى امتلاك أحدث الأنظمة، وبعضها يطبق أعقد الاستراتيجيات، ينهمك الجيش المصري في تصنيع المعكرونة و"أصابع الكفتة" التي أصبحتم تعرفون قصّتها.

المشكلة في الدور المصري الإقليمي ليست مستجدّة أو طارئة، نظام مبارك كان في وضع أفضل بكثير مما هو عليه وضع نظام السيسي اليوم، ومع ذلك فقد بدا واضحاً للجميع إقليمياً ودولياً أن لا دور لمصر، خاصة مع وجود لاعبين إقليميين من الوزن الثقيل دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً.

وحتى لو افترضنا جدلاً أن السيسي تجاوز كل ذلك، فالجانب المصري لا يمتلك أي نفوذ أو تأثير على أي طرف من الأطراف في أي من الملفات التي يريد التدخل فيها، والأجدر  به أن يلعب دوراً في قضايا تقع في المجال الحيوي للقاهرة كالقضية الفلسطينية، والسودان، ومياه النيل مع أثيوبيا، إذ لا يوجد مبرر أو مسوغ لأي دور مصري في الملف السوري، خاصّة إذا كان هذا الدور مناقضاً لمصالح الشعب السوري ولمصالح الدول التي تريد الإطاحة بالأسد ومنها السعودية.

في 12/1/2015 نشرت صحيفة الأهرام المصرية (لسان النظام طبعاً)، تقريراً تقول فيه إنّ "اتفاقاً مصرياً عراقياً جرى التوافق عليه لحل الأزمة السورية، ويتضمن تعايش النظام مع المعارضة السلمية"، ونقلت الصحيفة على لسان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي خلال تواجده في القاهرة  قوله "هناك اتفاق مصري عراقي في وجهات النظر في هذا الشأن". وحول موقف السعودية من هذه الأفكار، قال العبادي بحسب الصحيفة "هناك مشاورات مستمرة مع المملكة في هذا الشأن لضمان دعم عربي"، مشيراً إلى أن "التحالف الدولي لم يعد ضد النظام السوري، حيث تطور الموقف منه". وحول الموقف التركي، أوضح العبادي أن "نظرية تركيا في سورية قد سقطت، ومشكلة تركيا الآن هي أنها تشددت فى موقفها ضد النظام السوري، ويصعب عليها إعلان التراجع تجنباً للاعتراف بالفشل". انتهى الاقتباس.

ماذا نستطيع أن نفهم من ذلك؟ النظام المصري يريد على ما يبدو أن يمرر خدمة لأحد الأطراف الإقليمية تتضمن الإبقاء على الأسد مع "المعارضة السلمية". وجميعنا يعلم جيداً أنّ الأسد لا يعترف أصلاً بأي معارضة إلا إذا كان هو من صنعها (يعني كومبارس). الأمر الثاني الذي يثير علامات تعجب أيضاً هو الموقف العراقي. وهل العبادي خرج من ورطته وحل الأزمة العراقية حتى يتفرغ للموضوع السوري ويمارس جهوداً مع الجانب المصري في الملف السوري؟!

تقديري الشخصي وآمل أن أكون صائباً أنّ ما يجري هو جهد ذاتي من نظام السيسي، فهو يسعى إلى دور إقليمي لتسويق نفسه وحجمه على أن ينعكس ذلك شرعية داخلية أولاً، وثانياً لإبعاد تركيا عن الواجهة خاصة في الملف السوري. لكن الخطير في الأمر أنّي لا أستطيع إلا أن أرى إيران في هذه الجهود. فالمستهدف إبقاؤه بالجهد المصري أي الأسد هو دمية إيران، والعبادي الغارق حتى أذنيه في مشاكل العراق التي تحتاج إلى سنين طويلة لحلها، لا أستطيع أن أرى فيه إلا مبعوثاً إيرانياً للنظام المصري المستعد للتقرب من أي طرف قادر على إسناده مالياً. باختصار، يبدو أن النظام المصري يحاول النجاح فيما فشلت به موسكو، وتمرير ما تريد إيران تمريره ولكن ببصمة عربية، كما أنه يراهن من خلال هذا الجهد على التقريب ربما بشكل غير مباشر بين الخليج وإيران بما يخدم هدفه، وهي لعبة خطيرة على الجانب الخليجي أن ينتبه لها جيداً.