العجَلة الأميركية والمصلحة السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

7/10/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

ظل الطموح الأكبر للنظام السوري، قبل الثورة وبعدها، يتلخص في أن تقبله الولايات المتحدة "جنديًا مخلصًا" في معركة "مكافحة الإرهاب"، لإدراكه أنها الجهة الوحيدة التي يمكنها، إن أرادت، أن تزعزع استقراره واستمراره، فيما بقية الدول لا يعول عليها في هذا الشأن، وهي للأمانة رؤية سياسية صائبة.

لذلك، اعتمدت بوصلته السياسية، في أثناء الثورة، بشكل رئيسي على التقاط التوجهات الأميركية، ومعرفة سياسة الإدارة الأميركية الحالية ونياتها وخططها، وضمنًا المواقف والسياسات الإسرائيلية، إزاء ما يحدث في المنطقة، ومنها سورية. بقية دول العالم ما تزال تلعب دورها بيادق متفاوتة القدرة، لها وظائف معينة، وحدود لا تستطيع تجاوزها، حتى وإن ظهر أنها تتمتع ببعض القوة، كإيران وروسيا وأوروبا والصين، فهي، في العموم، تلعب في الوقت الضائع، أي عندما تريد السياسة الأميركية لها أن تلعب في غيابها. فقد تغطت أميركا بالفيتو المزدوج، الروسي والصيني، مرات، ضد إدانة النظام السوري. لكنها، في الحقيقة، لم تكن تريد التدخل، وطمحت إلى وصول الوضع في سورية إلى حالةٍ من التفسخ على المستويات كافة.

المهم، هنا، أن حماقة النظام السوري باستجلاب جميع أنواع التدخل، إن كان المليشيات الطائفية الموالية له في لبنان والعراق، أو الجماعات المتطرفة التي جاءت من جميع بقاع الأرض، هي التي أرغمت أميركا غير الراغبة في التدخل على العودة إلى المنطقة، من بوابة مكافحة الإرهاب. 

لم يكن في نية الولايات المتحدة، لا قبل الثورة ولا بعدها، تغيير النظام السوري، فهي أدرى الناس به، وبخدماته الجليلة لها في السر، وبالتفاهمات المباشرة وغير المباشرة معه، خصوصاً ما يتعلق بحفظ أمن إسرائيل وحدودها. كذلك، لم تكن الدول الأخرى راغبة في تغيير النظام. بل على العكس، كانت، مثلًا، العلاقات السورية التركية، والعلاقات السورية القطرية في أوج ازدهارها، إنْ على صعيد التفاهمات السياسية، أو المصالح والشراكات الاقتصادية. وهنا نذكر كيف فشلت المحاولات القطرية والتركية في إقناع النظام بإجراء تغييرات سياسية واستيعاب الاحتجاجات الشعبية. أما السعودية، فإنها لم تعلن عن مواقف حادة تجاه النظام السوري، إلا في منتصف عام 2012.

في حين كانت مواقفها، قبل ذلك، تتلخص في دعوة النظام السوري إلى الإصلاح. أما دولة الإمارات فكانت، ولا تزال، أقرب إلى النظام السوري. على العموم، كانت دول الخليج أحد مقومات استمرار النظام السوري. وثمة الكثير مما يمكن قوله، هنا، في مجال المساعدات المالية التي كانت تصب في جيوب الطبقة الحاكمة في سورية في المآل. هذا يعني أن حماقة النظام السوري، التي فاقت كل تصور، هي التي أجبرت الدول السابقة على السير في طريق لا تريدها، وكانت تأمل غيرها، انسجامًا مع استقرارها ومصالحها. لم تفهم المعارضة السورية المعادلة القائمة بين أميركا والنظام السوري، ولا تزال مصرة على عدم الفهم.

فعندما لا تبدأ العجلة الأميركية بالدوران، لا شيء سيدور أو سيتغير، إلا بنسب طفيفة، لا تغير من المعادلات القائمة في الواقع، بما يبقي حصيلتها العامة صفرية. وسواء التي كانت تصرخ مطالبةً بالتدخل العسكري، أو التي رفعت صوتها بالوقوف ضد هذا التدخل، فإنهما معًا، كانتا تقرّان، ضمنيًا على الأقل، بأن التدخل العسكري الأميركي ضد النظام السوري أمر وارد. كما لم تدرك تلك المعارضة المطالبة بالتدخل أن أميركا عندما تريد التدخل، فإنها تتدخل لأسباب أميركية، لا سورية. في ما بعد، ظهر نفاق سياسي كبير عند جميع الجهات المعارضة فيما يتعلق بمسألة التدخل الخارجي، فكل جهةٍ كانت تريد تدخلًا محددًا دون غيره، لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو مذهبية. كان يمكن، ببساطة، قراءة محددات السياسة الأميركية في عهد إدارة أوباما، منذ بدايات الثورة السورية. بشكل عام: هناك إدارة أميركية جديدة، يقوم برنامجها على الاهتمام بالاقتصاد الأميركي، وسحب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان، والكف عن إرسال الجيش الأميركي إلى مناطق مختلفة في العالم. وبشكل خاص: تكاد تكون سورية خالية من أي تأثير اقتصادي على المصالح الأميركية، وهي بلد شبيه بالعراق، من حيث التركيبة السكانية والتكسرات المجتمعية والدينية والمذهبية، بما يمكن أن يسمح بتكرار الكارثة العراقية، وهناك بجانبه دولة هشة، اسمها لبنان، يمكن أن تنهار في لحظات، ودولة أخرى مصنّعة ضعيفة هي الأردن، وهناك العراق الذي دخل في دوامة العنف، بما يعني أن حدوث فوضى في المنطقة عند التدخل أمر محتمل بشكل كبير. فضلًا عن أن سورية ورقة جيدة لمساومة إيران على برنامجها النووي وسياساتها الأخرى. وأخيرًا، هناك المصلحة الإسرائيلية الدافعة باتجاه ترك سورية تسير باتجاه الاهتراء والتفسخ. بعد ستة أشهر على انطلاق الثورة السورية، بدأت الأمور تخرج عن دائرة فعل السوريين، لتدخل في إطار إقليمي دولي.

والسبب الرئيسي في ذلك هو النظام السوري. وهنا، في ظل هشاشة المعارضة السياسية، فكريًا وسياسيًا وتنظيميًا، من جهة، وفي ظل تحليل سياسي صائب يقوم على عدم توقع موقف أميركي جوهري للأسباب السابقة، كان من الطبيعي توقع أن أداء المعارضة، برمته، سيكون هامشيًا في الثورة وفي مسار الحوادث، وأنها سائرة لا محالة في اتجاه التفسخ والتشظي، وهذا كان أمرًا معلومًا ومؤكدًا لدى النظام السوري. اليوم، بدأت العجلة الأميركية في الدوران بحذر، لأجل مصلحة أميركية محددة، هي مكافحة الإرهاب، فعلى الرغم من تحول مكافحة الإرهاب إلى ذريعة أميركية تبتز بها الدول، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة الخوف الأميركي من ظاهرة الإرهاب، الأمر الذي يفسر وضع مكافحته أحد مرتكزات السياسة الخارجية الأميركية. 

لكن، لا أحد يستطيع بعد التكهن بالمدى الذي ستصل إليه السياسة الأميركية في معركتها الحالية، وإلى أي حد ومتى ستتقاطع المصلحة الأميركية مع مصلحة السوريين في بناء دولة وطنية موحدة، فالطريق ما تزال طويلة وملبدة بأنواع مختلفة من الحفر. بالطبع، ليست أميركا كلية القدرة، وهناك ما يمكن أن يحد من دورها وسياساتها. لكن، في الحقيقة ما يمكن أن يفرض نفسه عليها بشكل أساسي هو إرادة الشعوب، وطالما لا يوجد اليوم إرادة سورية شعبية عامة وواضحة، فإن الحلول المطروحة كافة ستكون إما لا قيمة لها، أو ليست في مصلحة الشعب السوري.

بالنسبة للسوريين، يمكن اختصار الطريق فعلًا، والشرط الأساسي هنا هو الوعي، وخصوصاً وعي النخب والقوى السياسية والثقافية: إدراك السوريين وقواهم السياسية والمدنية أن أبواب تقسيم سورية مقفلة في النهاية، وأن أي دولة عقائدية أو أيديولوجية أو دينية لن يكتب لها النجاح، وأن التطرف الديني والمذهبي وصفة سحرية لانهيار الدولة والمجتمع في آن معًا، وأنه من غير الممكن أخذ سورية بعيدًا من أدوارها المقرة تاريخيًا وجغرافيًا وسياسيًا، فضلًا عن اجتماع إرادة السوريين على أن رحيل الطغمة الحاكمة شرط أساسي للحل الذي يمكن أن يصب في مصلحتهم جميعًا، بالتلازم مع ذهابهم نحو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، الدولة الوحيدة الممكنة في سورية اليوم. جميع القناعات والممارسات التي تصب خارج ما سبق، تعني أننا سنظل نسير بخطى ثابتة باتجاه تفسخ الدولة والنظام والمجتمع والإنسان، وستفرض أميركا وبيادقها آنذاك الحل الذي يرونه في مصلحتهم، ويكون حصيلة مساوماتٍ لا حصر لها مع دول وجهاتٍ، لا تكترث، لحظةً، بمصلحة سورية والسوريين.