العدوان الروسي على المدنيين والمراكز الإغاثية انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/11/2015
السورية نت

من تعز في اليمن إلى الشمال السوري مروراً بالفلوجة وباقي مدن الأنبار العراقية تصاعدت خلال الفترة الأخيرة حدة الانتهاكات ضد المدنيين والمراكز الإغاثية للصليب والهلال الأحمر الدوليين ضمن سياسة ممنهجة بحجة "محاربة الإرهاب" من قبل أطراف تدور في فلك واحد باتت مصالحها وأجنداتها معروفة للجميع من مخلوع اليمن وميليشياته الحوثية إلى قوات "حيدر العبادي" وميليشياته الحشدوية وانتهاء بقوات النظام السوري والطائرات الروسية.

ففي تصعيد غير مسبوق منذ بدء العدوان الروسي على الشعب السوري في 30 أيلول/سبتمبر الماضي شهدت الأيام الماضية اعتداءات مباشرة من قبل الطائرات الروسية على المراكز والمركبات التي تنقل المواد الإغاثية خاصة في ريفي حلب وإدلب بالقرب من الحدود التركية في سياسة انتقامية عقابية على ما يبدو لإسقاط السلطات التركية للطائرة الروسية ( سوخوي 24)، حيث تركزت الغارات الروسية ضد مراكز وقوافل الإغاثة القادمة من الحدود التركية لمساعدة الآلاف من النازحين في المخيمات المنتشرة على طول الحدود السورية، إلى جانب المشافي والمراكز الطبية والأحياء المدنية بشكل عشوائي وممنهج ، ويبدو أن الصفعة القاسية التي تعرض لها "بوتين" بإسقاط طائرته بالقرب من تلك المناطق أفقدت الرجل صوابه وبات يتخبط ويرتكب اعمالاً عدوانية للضغط على أنقرة داخل الأراضي السورية إلى جانب سلسلة الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومته ضد المصالح التركية في روسيا .

وتحاول روسيا من وراء الاستهداف المكثف لمناطق شمال سوريا إرسال رسالة واضحة للأتراك مفادها أنه في حال عدم الاعتذار عن اسقاط الطائرة الروسية والتنسيق مع موسكو بشأن الحل السياسي في سوريا وفق الرؤية الروسية، فإن موسكو ستغيّر أولويات عملياتها العسكرية وستركزها على جانب حدودها والقضاء على أي نوايا تركية بإقامة المنطقة الآمنة شمال سوريا، إلى جانب دعم قيام كيان كردي انفصالي على حدودها الجنوبية وهذا ربما أكثر الأمور التي تؤرق تركيا في الملف السوري، في حين لا ترغب أنقرة بالتصعيد وتريد فصل ملف العلاقات التركية – الروسية عن باقي تعقيدات الأزمة السورية.

بالعودة إلى موضوع حماية المدنيين في القانون الدولي الإنساني فقد أصبح هؤلاء خلال السنوات الماضية ضحايا الحرب الرئيسيين من قبل القوات النظامية في سوريا والعراق والميليشيات التي تحارب إلى جانبها، ورغم أن حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة تشكل حجر الأساس في القانون الدولي الإنساني الذي ينظم العمليات الحربية خلال النزاعات المسلحة إلا أن قواعد هذا القانون لا يتم احترامها ويضرب بها عرض الحائط.

ووفقاً للقانون الدولي الإنساني يتسع نطاق حماية المدنيين الذي نصت عليه اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين ليشمل الممتلكات المدنية العامة والخاصة، وتركز هذه الحماية بشكل كبير على الفئات الأكثر ضعفاً مثل النساء والأطفال والنازحين بسبب الظروف التي يقاسونها خلال النزاعات المسلحة والعبء الأكبر الذي يتحملونه من ويلات هذه النزاعات خاصةً في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد منذ سنوات صراعات دامية أودت بحياة الآلاف من المدنيين جراء العمليات العشوائية وعمليات التهجير والإبعاد والاختفاء القسري على مرأى ومسمع المجتمع الدولي دون أن يحرك ساكناً سوى الاقتصار على الاستنكار والتنديد رغم عشرات التقارير الحقوقية التي أكدت على ارتكاب هذه الانتهاكات بحقهم  من قبل أطراف بعينها.

وتنص قواعد القانون الدولي الإنساني على أن المدنيين يجب أن يعاملوا معاملة إنسانية في جميع الظروف، ودون أي تمييز ضار. كما يجب حمايتهم ضد كل أشكال العنف والمعاملة المهينة بما فيها القتل والتعذيب والحصول على الضمانات القضائية في حال خضوعهم لمحاكمات من قبل أي طرف من الأطراف. ولا تقتصر حماية القانون الدولي الإنساني على الأشخاص المدنيين بل تمتد لتشمل كافة الهيئات والأفراد الذين يحاولون مساعدتهم لاسيما أفراد الوحدات الطبية والمنظمات الإنسانية أو هيئات الإغاثة التي توفر اللوازم الأساسية مثل الغذاء والملبس والإمدادات الطبية والإنسانية، وتطالب جميع الأطراف المتحاربة السماح لهذه المنظمات بالوصول إلى الضحايا.

وتُلزم اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافي الأول بالتحديد الأطراف المتنازعة بتسهيل عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئات الإنسانية الأخرى التي تقوم بذات العمل كمنظمات الهلال الأحمر وغيرها من المنظمات التي تنشط في ذات المجال. كما نصت هذه الاتفاقيات على ضرورة احترام شارتا الصليب الأحمر والهلال الأحمر والشارات المميزة المخصصة للتحقق من هوية الوحدات الطبية ووسائل النقل الطبي وعدم استهدافها تحت أي ظرف من الظروف. لكن الواقع في سوريا عكس ذلك فقد دمرت الطائرات الروسية خلال الشهرين الماضيين عدد من مخازن الهلال الأحمر تحوي مواد إغاثية، والعديد من المشافي والمراكز الطبية من البوكمال شرق سوريا إلى إدلب وريف اللاذقية مروراً بريف حمص والغوطة الشرقية.

وخلال ممارسة مجلس الأمن الدولي لمهامه الخاصة بالمحافظة على السلام والأمن الدوليين وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة، فقد أصدر خلال السنوات الماضية العديد من القرارات بشأن حماية المدنيين في الصراعات المسلحة، كما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان العديد من التقارير والقرارات بهذا الخصوص إلا أنها بقيت حبراً على ورق ولم يتم تنفيذها على أرض الواقع، والسبب الرئيس في ذلك هو ترجيح الدول لمصالحها على القرارات الدولية وغيرها من الاعتبارات الإنسانية الأخرى.

ورغم ذلك تبقى حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة إحدى أهم التحديات الأساسية التي تواجه عالمنا المعاصر وهو ما أكدته الفقرتان 138-139 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005 الذي انعقد بمناسبة مرور نصف قرن على تشكيل الأمم المتحدة، حيث أكدتا على ضرورة تفعيل المسؤولية عن حماية المدنيين، كما أكد رؤساء الدول والحكومات المشاركين في القمة على أن " المسؤولية عن حماية السكان المدنيين من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية تقع عل عاتق كل دولة على حده ". كما اتفقوا على أن المجتمع الدولي ينبغي أن يساعد الدول في الاضطلاع بتلك المسؤولية وبناء قدراتها على توفير الحماية، وفي حال "العجز البيّن" لدولة ما عن حماية سكانها من الجرائم والانتهاكات الأربعة المحددة أعلاه، يتوجب على المجتمع الدولي في هذه الحالة اتخاذ إجراء جماعي في الوقت المناسب وبطريقة حاسمة.

ولعل الجملة الواردة في الفقرة ( 139) من الوثيقة الختامية لعام 2005 التي نصت على (اتخاذ إجراء جماعي في الوقت المناسب وبطريقة حاسمة ) تعتبر الأهم حتى الآن في مجال الحماية الدولية للسكان المدنيين حيث توافق عليها جميع رؤساء الدول والحكومات المشاركين في القمة، كما تشكل إحدى الركائز الأساسية للاضطلاع بالمسؤولية عن حماية المدنيين ، حيث يقع على المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة الالتزام باستخدام ما هو ملائم من الوسائل الدبلوماسية والإنسانية وفقاً للفصلين السادس والثامن من الميثاق، وفي حال تحقق شروط معينة كعجز الدولة عن حماية سكانها المدنيين فأنه يتوجب على المجتمع الدولي اتخاذ إجراء جماعي وبطريقة حاسمة وقد يشمل هذا الإجراء اتخاذ إجراءات عقابية تحت الفصل السابع من الميثاق ويمكن أن تشمل اتخاذ إجراءات عسكرية، وفي حال عجز مجلس الأمن في اتخاذ هذه الإجراءات بسبب حق النقض "الفيتو" فيمكن برأينا للجمعية العامة أن تتصدى لهذا الأمر باعتبارها المحفل الرئيسي السياسي الجامع لكل دول العالم ( على غرار قرار الاتحاد من أجل السلام لعام 1950 الذي نص على أنه في أية حالة يخفق فيها مجلس الأمن، بسبب عدم توفر الإجماع بين أعضائه الخمسة دائمي العضوية، في التصرف كما هو مطلوب للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، يمكن للجمعية العامة أن تبحث المسألة بسرعة وقد تصدر أي توصيات تراها ضرورية من أجل استعادة الأمن والسلم الدوليين. وإذا لم يحدث هذا في وقت انعقاد جلسة الجمعية العامة، يمكن عقد جلسة طارئة وفق آلية الجلسة الخاصة الطارئة.).

وتعتبر الوثيقة الختامية لعام 2005 قانوناً عالمياً كونها صدرت بتوافق جميع رؤساء الدول والحكومات التي شاركت في القمة العالمية، بمعنى أنه يتوجب تنفيذه لحماية السكان المدنيين دون السماح بعرقلته باستعمال "الفيتو" من قبل إحدى الدول الخمسة دائمة العضوية.

بالمحصلة، يجب على جميع الأطراف احترام قواعد القانون الدولي الإنساني الخاصة بحماية المدنيين وأن يعتبر ذلك أولوية قصوى لدى المجتمع الدولي للحفاظ على أروح هؤلاء وتجنيبهم ويلات الصراعات المسلحة ومآسيها، ولابد من التذكير بأن استهداف المدنيين خلال النزاعات المسلحة يعتبر جريمة حرب تقع ضمن الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية وهذه الجرائم لا يمكن أن تسقط بالتقادم مهما مضى عليها من الزمن. 

تعليقات