العراق.. انتصاران وثلاث معارك جارية!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/6/2015
بوابة الشرق
المؤلف: 

وسط دوامة التعتيم والإرباك والتشويش الجارية حول ما جرى ويجري في العراق، فالأصل أن العراق حقق انتصارين كبيرين هما بالضبط ما حققهما الشعب الفيتنامي ليتحرر، لكنه يخوض الآن ثلاث معارك كبرى في وقت واحد. وتلك الحالة هي ما تتيح لأجهزة الدعاية والحرب النفسية أن تنتج حالة التشويش على الانتصارات التي تحققت من قبل، وأن تربك مشهد المعارك الجارية. 
لقد حقق العراق انتصارا كبيرا على قوات الاحتلال الأمريكية، وهو انتصار لم ينتج عنه جلاء القوات الأمريكية من الأراضي العراقية فقط، بل الأهم أن تلك القوات قد تعرضت لهزيمة وإنهاك وإجهاد، جعلت الولايات المتحدة تعيد التفكير في قدرتها التي كانت متصورة على خوض حرب ضد المقاومة خلال الاحتلال العسكري المباشر على الأرض. ولذا هي تقف الآن غير قادرة على ممارسة الحرب البرية، فيما هو جاري اليوم على أرض العراق، حتى يمكن القول بأن عقدة العراق التي جاءت تالية لعقدة فيتنام –وفي نفس اتجاه عدم القدرة على ممارسة الاحتلال المباشر -قد غيرت الفكر الاستراتيجي العسكري الأمريكي، خاصة وقد تكرر الأمر في أفغانستان، إذ تعرضت تلك القوات لهزيمة قاسية أدت لرحيل القسم الأكبر منها، فيما طالبان لا تزال تواصل قتالها بخطوات ثابتة على أرض بلادها.

وحقق العراق انتصارا ثانيا، حين وجه الضربة القاضية لسلطة وحكم المالكي وجيشه. لم يكن نظام المالكي وجيشه إلا نظاما سياسيا شكله الاحتلال وجيش دربته وسلحته القوات الأمريكية، إذ لم يترك الجيش الأمريكي العراق لأهله ليقرروا مصيرهم بعد الانسحاب، بل شكل نظام حكم –وفق نفس خطة الجلاء عن فيتنام – ليتواصل الصراع بعد الانسحاب.
لقد حقق أهل العراق نفس ما حققته المقاومة الفيتنامية، حين أنهت وأسقطت السلطة التي تركها الاحتلال بعد انسحابه، ولولا دخول إيران على خط الحرب والاحتلال بكل قوتها، لكان العراق قد تحرر من الاحتلال ومن السلطة التي تركها بعد سحب قواته، فما رأينا ظواهر مثل داعش أو الحشد الطائفي..إلخ.

حقق العراق انتصارين كبيرين –هما بالدقة ما حققهما الشعب الأفغاني-غير أنه يخوض اليوم ثلاث معارك دفعة واحدة. أولاها، معركة في مواجهة الاحتلال الإيراني، الذي صار بديلا للاحتلال الأمريكي، وتلك هي حقيقة المعركة الجارية الآن على الأرض العراقية.هي حرب تحرير وطنية في مواجهة الاحتلال الإيراني.

وثانيها معركة في مواجهة مخطط التقسيم، إذ إن أخطر ما تركه الاحتلال الأمريكي ليس الاحتلال الإيراني فحسب، بل فعل التلاقي بين خطتي الاحتلال الأمريكي والإيراني، على تقسيم العراق. لقد شكل الاحتلال الأمريكي خلال وجوده العسكري نمط الحكم في العراق قام على أساس المحاصصة الطائفية والجهوية، والانقسام والتفتيت الداخلي عبر زرع مقولات المناطق المتنازع عليها، ثم جاءت إيران –بحكم طبيعة خطتها الطائفية- لتشعل نيران الحرب الطائفية بما فعل أعمال التقسيم والتفكك ووسع أعمال هدم الأطر المجتمعية.

وثالثها حرب ضد الإرهاب، فالعراق لاشك في ذلك، واقع في مستنقع من الإرهاب الميلشياوي الطائفي على تعدد مصادره وأسماء تنظيماته في مختلف مناطق العراق.
تلك المعارك الثلاث هي ما يشكل الحالة العراقية الآن، وهي ما يشوش المشهد أيضا، إذ المعارك تجري في ثلاثة اتجاهات في وقت واحد، بما يربك المشهد أمام المتابع، خاصة وهي، كلها، معارك ذات طبيعة إستراتيجية تتخطى العراق حدودا وشعبا وترتبط وتتفاعل مع ما يجري في الإقليم.

وتحت ضغط تشويش المشهد وتداخل الوقائع والأحداث، قد يبدو لبعض المتابعين أن العراق ماض إلى معارك لا نهاية لها، وأن العراق ضاع وسط هذا التطاول الزمني للمعارك، وذاك التداخل المعقد بين الأطراف المشتبكة في الخارج والداخل، لكن من يتابع المعارك الجارية في العراق وفي الإقليم يدرك أن العكس هو الصحيح وأن العراق يسير الآن نحو تغيير التوازنات القائمة بما يفتح الطريق لتحقيق انتصارات في معاركه الثلاث.

فرغم تعدد المعارك، وما تثيره من اضطراب وقسوة وما تحدثه من ضغوط جد قاسية ومروعة على المجتمع العراقي، فقد تحقق للعراق الآن أهم أسباب النصر، إذ انكشفت إيران كدولة محتلة وصار الصراع العسكري يجري مع ميلشياتها بشكل مباشر في عموم الإقليم-تحت غطاء مواجهة النفوذ الإيراني-كما تعرضت وتتعرض قوتها المليشياوية على أرض العراق لوضع إنهاك خطير –ولا تزال- فضلا عن ضياع هيبة نظام حكم الاحتلال القائم وتفكك عوامل التواصل بين مكوناته. وفي مثل هذا الوضوح لطبيعة الصراع، فإن الظواهر الإرهابية لن تبقى طويلا، فالحرب مع إيران ستعيد ترميم الحالة الوطنية العراقية اليوم أو غدا.

الأمر ليس سهلا بطبيعة الحال،غير أن توحد المعارك في فكرة المواجهة مع الاحتلال الإيراني تغير أوضاع المعركة، وتجعل الانتصار ممكنا في ظل الهزائم التي يمنى بها حلفاء إيران على الأرض العربية.

تعليقات