العراق والخوف الإيراني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي الجديد
المؤلف: 

 

يمكن القول إن الارتباك الإيراني تجاه الاحتجاجات القائمة حالياً في العراق أكبر من ذلك الذي يعتري السلطات في بغداد، على الرغم من أنها المعنية مباشرة بالانتفاضة الشعبية ومطالب المواطنين، إضافة إلى تصعيد أساليب القمع في محاولةٍ لوأد التحرّكات قبل أن تتوسع أكثر وتخرج عن السيطرة. غير أنه لا يبدو أن السلطات العراقية وحدها التي تحاول إخماد التظاهرات، إذ دخلت على الخط المليشيات الموالية لإيران، سواء عبر إطلاق النار على المتظاهرين، بالمشاركة مع قوات الأمن، أو بعمليات التصفية التي بدأت تحدُث للناشطين في الحراك الشعبي، وهو ما شهدته محافظاتٌ عديدة، ولا سيما الجنوبية منها، حيث الثقل المليشيوي التابع لإيران. 

القلق الإيراني عبّر عنه خطيب جمعة طهران، محمد إمامي كاشاني، الذي اتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء تظاهرات العراق، لعرقلة إحياء مراسم أربعينية الحسين المقرّرة في أكتوبر/ تشرين الأول الحالي. ولم يجد كاشاني مبرّراً آخر للاحتجاجات في العراق، حتى أنه تراجع عن التهم التي ساقها مسؤولون إيرانيون وعراقيون في الأيام الأولى للاحتجاجات، والذين ربطوا الاحتجاجات بحزب البعث المنحل وتنظيم داعش المهزوم. ولعل السبب الأساس لهذا التراجع أن غالبية المشاركين في التظاهرات ينتمون إلى الطائفة الشيعية، وتم رفع العدد من الشعارات التي تربط الحراك بمظلومية الحسين، الأمر الذي دفع مرجعية النجف إلى الوقوف في صف الانتفاضة في مواجهة بغداد وطهران على حد سواء.
مدعاة القلق الإيراني متعدّد الأوجه، في جزء منها، وربما ليس أساسياً، الخوف من فقدان النفوذ في العراق، والذي تأمّن عبر تياراتٍ سياسيةٍ ومليشيات عسكرية، والذي يمكن أن يتغير في حال حدوث أي تطورات دراماتيكية، تؤدي إلى تغيير تركيبة السلطات، أو حتى دخول العسكر في العراق على خط الاحتجاجات، على غرار سيناريوهاتٍ عربيةٍ سابقة، وبالتالي إعادة تشكّل عراق آخر، ليس بالضرورة أن يكون أفضل، لكنه بالتأكيد سيكون مختلفاً عن الذي تريده إيران.
غير أن الخوف الأكبر بالنسبة إلى إيران حالياً هو انتقال عدوى الاحتجاجات إلى داخل الجمهورية الإسلامية، ولا سيما أن النظام في طهران يرى أن هناك تقاطعاتٍ كثيرة بين القائمين على الاحتجاجات في العراق، وبين المجتمع الإيراني الذي يئن تحت وطأة أوضاع اقتصادية واجتماعية أصعب بكثير من التي يعيشها العراقيون، تضاف إليها تداعيات التدخلات الإيرانية في عدد من دول المنطقة، والتي تستنزف خزينة الدولة، المستنزفة أصلاً بفعل العقوبات الأميركية المتصاعدة في الآونة الأخيرة. كذلك فإن الطبيعة الطائفية للمتظاهرين، وغلبة أبناء الطائفة الشيعية عليهم، أمر مقلق بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية التي ترفع لواء حماية الطائفة، وهو الأمر الذي لم يعد قائماً حين تبدأ أصوات شيعية كثيرة، وبمستوى مرجعيات دينية، المطالبة بكبح التدخل الإيراني في العراق، وهو ما رفعه أيضاً متظاهرون كثيرون في ساحات المحافظات العراقية.
على هذا الأساس، يرى النظام في إيران أن التظاهرات العراقية قد تشكل أساساً لاندلاع موجة احتجاجات في إيران أوسع من تلك التي حدثت قبل عام، أو التي تلت الانتخابات الرئاسية 2009، أو ما عرف حينها بالثورة الخضراء، والتي اندلعت احتجاجاً على خسارة مير حسين موسوي الانتخابات الرئاسية. وإذا كان القمع الذي حدث في 2009 كان سبباً لإجهاض الحراك الشعبي، فإن الوضع اليوم سيكون مختلفاً، سواء بالنسبة إلى توسع دائرة التململ بين أبناء المجتمع الإيراني، ووصولها إلى مقرّبين من النظام، أو دخول مواقع التواصل الاجتماعي عاملاً حاسماً في كسر الحظر الإعلامي، وهو ما قد يزيد الضغط على إيران.
لذا تبدو طهران حريصةً على وأد الانتفاضة العراقية بأسرع وقت ممكن، وبأي ثمن، قبل أن تتمدّد، وتنتقل شرارتها إلى الثوب الإيراني.