العرب.. سياسات الاحتواء والرتق الفاشلة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/10/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

صنعاء، بغداد، دمشق وحلب، تلك ليست أسماء آلهة من التاريخ الغابر، ولا هي مصفوفة أرقام بلا معنى، تلك بنى ونسج حياة جرى تفكيكها، والعبث في مكوناتها، لأن حظها العاثر أوقعها على سكة قطار المشروع الإيراني، فيما التفكير الاستراتيجي العربي (هل تنطبق هذه التسمية على الواقع؟) لم يزل منصباً على احتواء وإعادة تعمير ما دمرته الحروب، الهياكل والأبنية، فيما لا يستطيع أحد الإجابة عن كيف يمكن عودة الروح إلى تلك المدن، بعد اغتيالها بالشكل الخبيث، أو ما إذا كان في مقدور العرب، وبعد اتساع رقعة الدمار بهذا الشكل المرعب، أن يعيدوا إعمار ما سوف تدمره آلة الحرب النشطة.

لم تعد ثمة أهمية للمدن السابقة المنكوبة، بالأصل لم يبق فيها الكثير مما يستحق الدفاع عنه. فعلت إيران كل ما تشتهيه وتريده، وما قتلته في تلك الدول، لن تستطيع ثروات العرب، مهما عظمت، إعادة الروح إليه. لكن، سيكون صعباً على النفس أن ينتقل هذا المصير إلى الرياض والدوحة ودبي وعمّان والقاهرة، ربما الأهمية الوحيدة الباقية لتلك المدن، المكتواة بالنار الإيرانية، أن سقوطها جعل الطرق مفتوحة باتجاه شقيقاتها الأحياء، أو بالأصح، التي تصطف على الدور.

صنعت إيران سيولة في الجغرافية العربية، سيصعب كثيراً لمّها، وأوجدت ثقوباً عديدة في الجسد العربي، سيكون صعباً رتقها، حتى لو نجح عرب المرحلة المقبلة في فعله، ستبقى التشوهات واضحة، فالعلامة التي وضعتها على الوجه العربي عميقة، ولا يمكن إصلاحها بعمليات تجميلية، مهما بلغت حرفيتها، والخوف، كما قلنا، على الباقي من العرب. وفي سبيل الهرب من هذه المصائر، صار مطلوباً استراتيجية مواجهة مضبوطة ورؤية شاملة، وهذا يتطلب صناعة سياق متكامل للمواجهة مع طهران، له سياسات تنفيذية وخطط ميدانية، وثمة إجراءات كثيرة، يمكن القيام بها في مدار هذا الصراع: - تخفيض أسعار البترول. قد يبدو هذا الإجراء غير عقلاني للوهلة الأولى، لما ينطوي عليه من آثار مباشرة على عمليات التنمية في دول الخليج، لكن مقارنته بأسعار صفقات الأسلحة المهولة التي تدفعها دول الخليج لحماية أمنها القومي يجعل إجراءً من هذا النوع مساوياً في الكلفة المادية، لكنه أكثر جدوى مع بلدٍ مثل إيران، يقوم اقتصادها على النفط، حيث تمول مشاريع الخراب في العالم العربي.

وفي الوقت الذي لم تنفع فيه صفقات السلاح، وربما حصل العكس، حيث تدفع مجمعات الصناعة العسكرية في الغرب الضغط على حكوماتها، من أجل عدم الضغط على إيران، لضمان استمرار الطلب العربي على السلاح. "إن عملية التطويق التي تقوم بها إيران تنجح، والحزام الذي صنعته حول خواصر الجغرافية العربية يكتمل، وهي تشده" - العمل بمنطق إيران نفسه، بدعم القوى العربية والسنية في الأحواز وبلوشستان، وهذه القوى تمتلك هياكل وأطراً عسكرية جاهزة فقط، يلزمها بعض الدعم، وهي لا تختلف عن منظومة إيران الإلهية التي تنشرها في الديار العربية، وتتباهى بدعمها، وتتذرع بمظلوميتها. - ذلك من شأنه إطلاق ديناميات ثورية جديدة في الداخل الإيراني، وإعادة صياغة الثورة المجهضة، برفدها بعناصر قوة جديدة تتمثل بالبعد المطلبي، ما يشكل عامل ضغط على صانع السياسة، ويدفعه إلى إعادة حساباته، وقد يساعد على تظهير قوى جديدة، تكون لها رؤية مختلفة للعلاقات مع العالم الخارجي. لم يعد كافياً اعتماد العرب، في مواجهة إيران، على الوعود الخارجية بحماية استقرارهم، فهل ينتظر عرب الخليج اختبار ما إذا كانوا خطاً أحمر عند القوى الكبرى؟ لا بد من تكتيكاتٍ، تضع إيران في موقف العاجز، وطالما ظلّت طهران تتعاطى مع الأوضاع العربية، بوصفها فرصة تاريخية، لمد نفوذها، وتحسين مواقعها الدولية، لن تكف عن هذا المسار، ما لم يجر تحويل تلك الفرص إلى مخاطر قاتلة بالنسبة لها. لكن، ما العمل، ونحن نعيش مرحلة ضلال استراتيجي موصوفة، حيث يجري التعامل مع قضية الأمن القومي العربي باستسهالٍ، يستفز ربما الأعداء أنفسهم، فأن تتعامى مصر السيسي عن أمنها القومي الذي صار مثقوباً من جهة باب المندب، وتتلهى بمناكفة بدو سيناء، وترفع المواجهة معهم إلى درجة الخطر الأكبر الذي تنشغل فيه دوائر صنع القرار ومراكز التفكير، فذاك أمر مقلق! وأن تعتبر دول الخليج أن مصادر تهديدها تنحصر في داعش، وتتكفل تمويل الحملة الدولية ضدها، في حين تمارس إيران عمليات حفر خنادق ستصل، قريباً، إلى قصور الحكام، فذاك مستغرب.

 ولم يبق سوى رفع رايات الاستسلام فوق السواري، وإنزال الأعلام الوطنية. فهل ثمة قناعة عربية بأن إيران المتوسعة في نفوذها آيلة إلى الإنهاك، وبالتالي، لا ضرورة لمواجهتها على قاعدة "دع المقادير تجري حسب أعنتها". لم تعد الأخطار القادمة من إيران، والتي تطوق العالم العربي، تحتمل المضي بقواعد اشتباك مستهلكة وفاقدة الجدوى. الأكيد أننا نقع على خط استراتيجيتها التخريبية. نعرف، حتى اللحظة، الجزء الذي جرى تظهيره. لكن، ما الذي نعرفه عن الجزء النائم؟ وهل ننتظر حتى تباغتنا إيران به!. الخوف أن نصل إلى لحظةٍ، لا تعود معها مفيدة أي إجراءات قد تتخذها الدول العربية، حتى لو كانت إيران نفسها تعبت، أو ذهبت، في طريق مجهول، بواسطة تناقضاتها الخاصة.