العرب وإيران حين تستثمر الحرب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/9/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

تفيد عملية رصد توجهات الرأي والسياسة في الغرب عموماً، والولايات المتحدة الأميركية تحديداً، في ما خصّ الموقف من التعاون مع إيران في الحرب على داعش، بوجود انقسام واضح بين تيارين عريضيْن، لكل منهما عدّته التبريرية وجمهوره الخاص، ما يعني أن المسألة لا زالت قيد الفحص والترجيح، وبما أن الحرب ستأخذ مدى زمنياً طويلاً، فإن الأمر سيكون خاضعاً لأوزان التغيّرات التي ستؤيد وجهة نظر أي من الطرفين، والقدرة على توظيفها في سياق أنساقها التبريرية.

يرى التيار الأول أن إيران، وأدواتها في المنطقة، جزء من المشكلة، وأنها، بنظامها الثيوقراطي، ومحاولاتها الدائبة لقلب النظام الإقليمي تشكل التحدي الأهم الذي تواجهه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على المدى البعيد. ويرى أنصار هذا التيار أن التعامل السياسي مع إيران لا ينفع انطلاقاً من حقيقة أنها ليست أمة عادية، تسعى وراء مصالحها المشروعة، بل هي كيان أيديولوجي غارق في المؤامرات، والأفضل عزلها وتقويض حلفها من عشوائيات بغداد إلى قلب المعارك في سورية.

وينظر التيار الثاني لإيران كإحدى ديناميات التغيير في المنطقة، وبالتالي، فإن المسارات المختلفة للصراع في الشرق الأوسط تجعل من المستحيل على القوى الغربية تجاهلها، وأنها يمكن أن تقدم مساهمة مهمة في هذا الجهد الدولي، بما لها من نفوذ كبير، وإذا أراد الغرب النجاح في مهمته في المنطقة فيجب عليه أن يبني شراكات دولية وإقليمية حقيقية، ويصبر عليها مع مرور الوقت.

وتراقب إيران هذا السجال الغربي بشأنها، ويعكس سلوكها السياسي مقداراً من الراحة، لتأكدها من عدم وجود خطر ملح وداهم يتهددها، فلا شيء، حتى اللحظة، يهدد أمنها، أو يطال البنية التي صنعتها، صحيح أن ثمة مؤشرات على إمكانية استهداف أجزاء من نفوذها، لكنها تملك الوقت للتفكير، والعمل من أجل تغيير الوقائع، بما يسمح لها بتجيير المعطيات لمصلحتها، وتبني استراتيجيتها في هذا المجال، على جملة من الركائز:

-لا إستراتيجية العرب: وهو معطى إدراكي متأت من قناعة سياسية راسخة لدى صناع القرار في إيران أن العرب لا استراتيجيون، منفعلون ولا يتقنون السياسة والدهاء، متعجلون لا يتقنون الصبر الاستراتيجي، ولا يستطيعون إقناع أميركا بقدرتهم، لا تلبث أميركا، في كل مرة، أن تهدي إيران نتائج نصرها، لأنها تتوصل إلى نتيجة مفادها بأنها الطرف الأكثر فهماً للسياسة، ولديه الأطر المناسبة لتسييل التفاهمات مع أميركا، فيما الآخرون لا يستطيعون غير فتح خزائنهم التي قد تكون مفيدة، لكنها ليست كافية لتحقيق معادلات إقليمية فاعلة.

-تعقيد الواقع: من خلال عدم إنجاح أي عملية، من شأنها تعديل الأوضاع لغير مصلحتها في المنطقة، مثل وضع تعقيدات في العملية السياسية العراقية، بحيث تجعل من المستحيل إمكانية انخراط السنة في المشهد السياسي، أو من خلال إحداث تعقيدات في الواقع السوري، عبر تشكيلها ميليشيات عديدة، تحت مسمى جيش الدفاع الوطني، باتت تشكّل نظاماً رديفاً إلى حد أنه يصلح بديلا لبشار الأسد في سورية، ولا شك أنه يزيد من تعقيدات المسألة السورية.

-التصرف على قاعدة من يملك الجغرافيا يتفوق على من يملك القوة والسياسة. لذا، تسعى طهران إلى ترسيخ سيطرتها الأرضية من صنعاء إلى بيروت، وعبر بحار الأبيض والمتوسط والأحمر وبحر العرب، باستخدام منهجية التطويق والقضم. تستند هذه الاستراتيجية إلى ثلاثة منافذ، أو ثقوب في الاستراتيجية المقابلة لها، وتراهن إيران على قدرتها التكتيكية للعبور من تلك الثقوب.

-هشاشة الموقف العربي، لعدم استناده إلى جذر استراتيجي واضح، بل قيامه على قاعدة درء المخاطر التي تشكلها داعش على أنظمة حكم معينة، أو التوصل إلى صيغة توقف فيها التهديد الإيراني لعواصمها، وخصوصاً بعد الفيلم اليمني المرعب.

- عدم إغلاق الأبواب أمام الحراك التخريبي الإيراني، وترك طهران تشكل مجالها التفاوضي بأريحية تامة، بحيث ترسم خطوط نفوذها عميقاً في جسد المنطقة.

-سياسة النفس الطويل غير المفهومة، وخصوصاً في الميدان السوري، فمن غير المفهوم إصرار واشنطن على صناعة بديل كامل من خارج أطر الثورة للاعتماد عليه، الحجة الأميركية بعجز البنية الموجودة، أصلاً، غير منطقية، هي تسيطر على أكثر من نصف البلاد، وقاتلت ضد داعش والأسد وكتائب إيران مجتمعة، وحققت انتصارات عديدة، ينقصها فقط التنظيم والتنسيق والقيادة الموحدة والدعم السلاحي.

الحرب قد تغيّر أهدافها، تلك احتمالية تشتغل عليها طهران. بناءً على ذلك، تقوم بمحاولة تكييف الواقع والمتغيرات وإعادة ترتيب حركة  تلك المتغيرات، بما يقود الى الوصول إلى الهدف المطلوب، وهو إعادة تحقيق مشهد مستقبلي مرغوب، وهذا يتطلب من الطرف العربي صناعة سياق متكاملٍ، يعمل في اتجاهين متوازيين: إقناع الغرب بأن الفاعلية العربية أساسية وضرورية في المعادلات الإقليمية والترتيبات الجيوبوليتيكية، ونقل المواجهة مع إيران، من نطاق التنظير إلى حيز التطبيق، بإيجاد قوة موازنة لها على الأرض، فقد لوحظ، من ردود الفعل الإيرانية، أن الأمر الذي شكّل إرباكاً لها، أكثر من غيره، هو الحديث عن صناعة بنية "سنّية" عربية، في مقابل منظومتها القتالية، لإدراكها أن هذا الفعل الاستراتيجي وحده القادر على ردعها على المدى الطويل، وبشكل مستدام أكثر من أي إجراء آخر، قد لا تدوم فاعليته أكثر من أيام أو أشهر معدودة، فهل يشغّل العرب عقلهم الاستراتيجي، حتى لا يكونوا ضحايا لعبة الأمم.