العقل والسلاح

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/12/2014
السورية نت
المؤلف: 

في عام ١٩٨١ كنت أسير مع المفكر الكبير المرحوم الياس مرقص وآخرين في منطقة الكولا، في بيروت الغربية، عندما مرّ "بيك آب" رباعي الدفع، يحمل على ظهره مدفعاً مضاداً للطائرات، يقف وراءه شاب فلسطيني عشريني، وعندما وصل إلى قربنا وجه مدفعه نحو السماء وضغط على الزناد فخرجت عدة طلقات في الهواء، وتضاحك شباب المقاومة الذين كانوا يعتلون  "ظهر"  البيك آب، أما نحن فآذاننا كانت قد اعتادت على صوت الرصاص الذي أصبح جزءاً من حياة بيروت اليومية، الغربية والشرقية على حد سواء. لذلك لم نهتم بالحادثة، وهي واحدة من عشرات نراها كل يوم على أرض "الثورة" في بيروت الغربية، وعلى أرض "الثورة المضادة" في بيروت الشرقية، إلا أن صديقنا الكبير (أبا زياد) توقف بعد إطلاق النار عن السير، فتحلقنا حوله لنسمع ما سيقول، وكنا قد اعتدنا على طريقته عندما كان يريد أن يقول شيئاً جديداً، قال: هل رأيتم وسمعتم كيف يلعب الشباب بالسلاح دون سبب، هذا بالضبط ما تريده إسرائيل منا كعرب، أن يتحكم السلاح بعقولنا، أي أن تحل البندقية مكان العقل، فتضمن بذلك انتصارها علينا، رغم أننا أصحاب قضية محقة.
 
كان ما قاله "الياس مرقص" جزءاً من نقده للمقاومة الفلسطينية وأساليب عملها وحرصه عليها، وقد برهنت السنوات على صحة نظرته، ولكن للأسف بقي ذلك النقد دون صدى في أوساط الفاعلين في المقاومة الفلسطينية، إلى أن تم اختزال المفاوضات بينهم وبين الإسرائيليين على السلاح وليس على قضية شعب تم الاستيلاء على أرضه وطرده منها. فهل سيحدث الآن، على الساحة السورية، ما حدث على الساحة الفلسطينية؟
 
لست هنا بصدد إدانة هيمنة الطابع العسكري على الثورة السورية، ولا بصدد الترويج للثورة "السلمية"، فقد مضى ذلك الزمن، منذ أن قرر نظام الأسد استخدام كل أنواع العنف ضد الشعب السوري، حتى قبل أن تبدأ المظاهرات. فقد كان خير من يعرف خطورة المظاهرات السلمية عليه واستمراريتها، فلجأ إلى دفع السوريين دفعاً اتجاه العسكرة لمعرفته الأكيدة بأن البندقية عندما تصبح بين الأيدي تلغي العقل وتصبح هي من يقرر سير الأحداث، فالسلاح هو ميدان النظام الأساسي، وبه سيتفوق على ثورة الشعب، وإنما الهدف الأساسي في مقالي هذا هو القول أن الانهماك في التسلح والبحث عنه دفع بالثورة إلى الانكماش الجزئي، ثم شيه الكلي عن الحواضن الشعبية، والغرق في بحور البحث عن "المال" الذي يحتاجه اقتناء السلاح، وهذا ما كان يبحث عنه نظام الأسد ويعمل عليه بالتحديد، وجاء ليتوافق بشكل ضمني مع حكومات دول الجوار وأغلبية دول العالم ذات المصالح في منطقتنا.
 
لم يكن يخفى على أحد أن ثورة حرية وكرامة لشعب من الشعوب، وخاصة الشعب السوري، ستنتهي إلى قيام دولة ديمقراطية، بعد ما يقارب الخمسين عاماً من الاستبداد، وأن هذه الثورة "الخطيرة" لا بد من السيطرة عليها وتدجينها قبل أن تنتقل شرارتها إلى دول الجوار، وليس هنالك أفضل من السلاح والمال للسيطرة عليها، ولكن كي يفعل السلاح والمال فعلهما كان لا بد من توفير بعض الشروط ومنها مثلاً بث الفرقة بين مكونات الشعب السوري، والعمل على زيادة الأحقاد الطائفية، والدعوة إلى استخدام السلاح رداً على عنف النظام غير الإنساني، وصمت المجتمع الدولي عن قتل السوريين بكل الأساليب والأسلحة المحرمة دولياً، كل ذلك ساهم في تحضير المناخ المناسب والحواضن الشعبية لهيمنة السلاح والمسلحين والمال السياسي الذي يتحكم بكل شيء. وفي المقابل تراجع الحراك الشعبي وبروز معارضة سياسية سعت إلى تحقيق مصالح شخصية على حساب الشعب السوري ودماء أبنائه.  

بذلك، تكون الصورة قد اكتملت لغياب العقل؛ سلاح ومال ومعارضة فاسدة، ونظام يستمر في قتل السوريين منذ أربع سنوات تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، وبموافقته، وبدأ الكلام عن مفاوضات على السلاح ومناطق لنفوذ المجموعات المسلحة ونظام القتل، وكأن الثورة لم تقم بالأصل من أجل حرية وكرامة الشعب السوري، وإنما من أجل تنظيم السلاح وشرعنته على الأرض السورية.

رحم الله المفكر الياس مرقص الذي رأى أن السلاح عندما يكون بين أيدي الناس يلغي العقل وقد يلغي الوطن كله، فهل من بقية عقلاء في هذه الثورة والمعارضة ينقذون ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، ويعيدون الاعتبار لسيادة العقل على السلاح ؟؟