العمليات العسكرية التركية هل هي الانطلاق الفعلي لعملية الحزم التركية المنتظرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/7/2015
السورية نت

العملية العسكرية التركية في سوريا لم تكن مفاجئة لمن يتابع الشأن التركي، ففي نهايات عام 2013م بعد حادثة إسقاط الطائرة الحربية التركية من قبل النظام السوري قبالة المياه الإقليمية لسوريا، فوض البرلمان التركي بالأغلبية المطلقة القوات المسلحة، بإمكانية شن هجمات عسكرية وتخطي الحدود في حال تعرض هذه القوات أو الأراضي التركية للاعتداء، ولكن لم تكن الظروف الدولية تسمح لتركيا في ذلك الوقت استثمار هذا التفويض بالشكل الذي يحمي أمنها القومي، و حاولت مراراً تركيا الضغط على القوى الإقليمية والدولية من أجل إنشاء قوة عسكرية تكون هدفها إسقاط النظام ومحاربة تنظيم الدولة معاً، على اعتبار أن استمرار النظام بما وصلت إليه من الوحشية والهمجية من استهدافها للمدنيين والمدن السورية، يجعل بشكل أو بآخر الأرض السورية خصبة لنمو و استقطاب الجماعات المتطرفة التي تتغذى إيديولوجياً على المظلومية والاقتتال الطائفي والمذهبي الذي تشجعها النظام بكافه الوسائل الممكنة التي لديه.

بعد عملية الحزم التي بدأتها السعودية تجاه الحوثيين في اليمن دون الموافقة الأميركية، كان هناك إحساس في تركيا بإمكانية إطلاق عملية حزم مماثلة في سوريا بالتعاون مع دول الخليج العربي والأردن لإسقاط النظام السوري ومحاربة التنظيمات التي تشكل خطراً عليها. لأن استمرار الحرب في سوريا وسقوط هذا العدد الهائل من الضحايا نتيجة القصف الهمجي من قبل النظام، ونشوء تنظيمات متطرفة يهدد أمن كل دول المنطقة وليست تركيا وحدها.

لماذا قرر الاتراك دخول الحرب في سوريا لوحدهم وفي هذا الوقت بالذات؟

هنالك ثلاث اسباب رئيسية لاتخاذ الأتراك قرار الحرب والدخول في مواجهة تنظيم الدولة وتنظيم البي كي كي في سوريا

السبب الأول تأخر دول الخليج في الاستجابة في الموضوع السوري بسبب إطالة أمد الحرب في اليمن، فالأولوية الخليجية كانت منصبة على نزع الورقة اليمنية من يد إيران وبالتالي حماية الحدود الجنوبية للخليج التي تحتل بالنسبة لها أهمية استراتيجية تفوق بأهميتها أي موضوع آخر. في الوقت الذي بدأت تركيا تعاني من قسوة الآثار السلبية للحرب في سوريا، ووصلت لمرحلة لم تستطع فيها من تحمل المزيد من اللاجئين الذين يتدفقون إلى أراضيها تحت وطأة القصف المدمر من قبل النظام السوري وسياسة التهجير التي تتبعها تنظيمي داعش ووحدات حماية الشعب الكردية PYD .

السبب الثاني هو فشل عملية السلام مع الأكراد بعد أن وصلت المباحثات إلى المرحلة النهائية وهروب حزب ديمقراطية الشعوب الكردية وقيادات تنظيم البي كي كي من تحمل المسؤولية والإيفاء بوعودهم التي قطعوها للحكومة وللشعب التركي، بنزع أسلحة الجناح العسكري للتنظيمات الكردية ، والانخراط في العملية السياسية في تركيا، وكان السبب الرئيسي لفشل عملية السلام وتردد التنظيمات الكردية بنزع السلاح هو نجاح الفرع السوري لها، حزب الاتحاد الديمقراطي PYD بالسيطرة على المناطق الشمالية من سوريا، بدعم من قوات التحالف ومن أميركا بالتحديد، وهذه التطورات في الشمال السوري أنعشت آمال التنظيمات الكردية بإمكانية تأسيس دولة كردية، وأن هناك دعم دولي يمكنهم من تحقيق هذا الحلم، وهذا ما أدى لرفع سقف المطالب الكردية في الداخل التركي، وشن عمليات عسكرية تجاه الجيش والشرطة والمشاريع العامة التي تنفذها الحكومة التركية في مدن جنوب شرق تركيا ذات الأغلبية الكردية، بقصد منع نشوء تيار سياسي أو شعبي مضاد لتنظيم البي كي كي الذي يتغذى إيديولوجياً على مبدأ المظلومية التاريخية الذي وقع بحق الكرد من قبل الأتراك والعرب في المنطقة، وأن أي عملية سياسية أو رفاه اقتصادي في هذه المدن  يعيد للكرد حقوقهم الوطنية والقومية والاقتصادية يسحب ورقة المشروعية لنضال تنظيم البي كي كي في تركيا، وهذا من نجح في تحقيقه حكومة حزب العدالة والتنمية، و هذا ما لم يرده التنظيم.

يقف الإيرانيين بقوة ضد تحول تركيا إلى بلد تتحكم بخطوط الطاقة، ولا بل أن طارق الهاشمي الذي كان الحليف الأول لتركيا، أبعد من المشهد السياسي العراقي عن طريق المالكي باتهامه بعدد من التهم الباطلة بإيعاد من إيران

السبب الثالث هو توقيع اتفاقية البرنامج النووي الإيراني، ونجاح الإيرانيين بشكل أو بآخر في تمرير البرنامج النووي والتخلص من العقوبات الدولية، وعملياً إيران هي الدولة الإقليمية الوحيدة التي تنافس تركيا في المنطقة، وقد خَبِر الأتراك الإيرانيين في العراق ، قبل انطلاق الثورة السورية وتدخلهم السافر إلى جانب النظام في سبيل وأد الثورة السورية، فالإيرانيين كانوا دائماً يعرقلون تقارب الحكومة العراقية مع تركيا، في الوقت الذي تحولت فيه تركيا إلى بوابة إقليمية لتصدير النفط والغاز المنتج في المنطقة عبر أراضيها، يقف الإيرانيين بقوة ضد تحول تركيا إلى بلد تتحكم بخطوط الطاقة، ولا بل أن طارق الهاشمي الذي كان الحليف الأول لتركيا، أبعد من المشهد السياسي العراقي عن طريق المالكي باتهامه بعدد من التهم الباطلة بإيعاد من إيران، و لعل الملفت للنظر أن من أهم المعارضين لإقامة المنطقة الآمنة في الشمال السوري هم الإيرانيين وإسرائيل، لأن هذه المنطقة في حال تحققها سيقطع الطريق أمام مخططات إقامة الدولة الكردية الذي تسعى إيران في المستقبل بتصدير النفط والغاز عن طريق هذه الدولة وإضعاف الدور التركي بالتعاون مع القوى المتضررة من تحول تركيا إلى قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مهمة في المنطقة وعلى رأسها الولايات المتحدة وألمانيا وإسرائيل.

وان التطورات الأخيرة في الشمال السوري تندرج ضمن هذا السياق فمن جهة تستميت داعش للسيطرة على المناطق التي تحت سيطرة الثوار، في منطقة مارع وإعزاز، ومن جهة ثانية النظام وبدعم من الحرس الثوري الإيراني تحاولان السيطرة على جبل التركمان في اللاذقية، لأن اية دولة كردية لا تصل إلى البحر يولد ميتاً كما قال مسعود البرزاني. فالعملية العسكرية يهدف إلى إعادة تموضع تركيا في الملف السوري كقوة لا يمكن تجاهلها في اتفاقيات تحديد مصير سوريا في المستقبل بين القوى العظمى والإقليمية.

ماهي حدود التدخل العسكري التركي وآليات هذا التدخل وشركائه ؟؟؟

اعلنت تركيا أنها لن تتوغل في سوريا عن طريق القوات البرية، ولكنها حشدت قواتها البرية بالشكل الذي يمكنها من الاستجابة السريعة لدرء مخاطر اي طارئ غير محسوب، وهناك وحدة عسكرية خاصة من نخبة الكوماندوس موزعة على حدود منطقتي جرابلس والراعي، مهمتها تنفيذ عمليات عسكرية خاطفة داخل الحدود السورية في حال فشل القوات الجوية أو المدفعية من تنفيذ المهام الموكلة لها، وقد نفذت هذه الوحدة أولى عملياتها في قرية عياشة عندما لاحقت مجموعة مسلحة من داعش دخلت القرية هرباً من الاشتباك الذي حصل على الحدود السورية التركية في تلك المنطقة بعد حادثة مقتل رقيب تركي وقتل جميع الدواعش على يد هذه الوحدة الخاصة.

المنطقة المستهدفة من التدخل العسكري تبدأ من حدود مدينة جرابلس ( غرب نهر الفرات ) وحتى حدود إعزاز بطول 110 كم وبعمق 45 كم بالشكل الذي يضم كل المناطق التركمانية والعربية المعرضة لخطر التهجير والقصف.

بعد بدء العمليات العسكرية التركية في سوريا، نشأت الظروف التي سرعت عملية الاتفاق الأميركي التركي وبالتالي فتح القواعد الجوية التركية أمام طيران التحالف التي تقصف مواقع داعش في سوريا، وحسب هذا الاتفاق ستسمح تركيا لأمريكيا باستخدام قاعدة إنجرليك في أضنة وقواعد آخرى عند الضرورة منها قاعدة ملاطية وديار بكر العسكريتين، في المقابل تتعهد أميركا لتركيا بالعمل على حماية مصالح الأمن القومي لتركيا في سوريا وعدم الضرر بها، أثناء تنفيذ العمليات العسكرية ضد داعش أي ألا يكون التعاون مع وحدات الحماية الشعبية الكردية على حساب المصالح التركية. وإدراكاً من تركيا بأنها بحاجة إلى قوة عسكرية على الأرض في سوريا تكون رديفاً لها لتحقيق أهدافها التي هي لصالح الثورة السورية، طالبت الولايات المتحدة بتسريع برنامج تدريب وتسليح المعارضة السورية المعتدلة، وكذلك دعم وتشجيع تشكيل جيش تركماني موحد في الشمال السوري.

 قد لا تستهدف تركيا جيش النظام السوري بشكل مباشر ولكن انعكاسات التدخل العسكري التركي في سوريا بالتأكيد سوف تنعكس سلباً على قوات النظام والقوى المتحالفة معها، وتسرع من عملية إسقاط النظام السوري وإلحاق الهزيمة العسكرية بها.

ولكي تعطي التدخل العسكري التركي نتائجها بسرعة على الأرض بدأت الطائرات التركية بتقديم الدعم الجوي لقوات المعارضة السورية ، تلك التي تقاتل داعش في الشمال، حيث إستهدفت الغارات الجوية خلال اليوميين الماضيين المواقع الأمامية المتقدمة لتنظيم داعش في قرى حوار كلس والصوران وطقلي ويني يابان ، مفسحة المجال أمام الثوار لإحراز تقدم ميداني ودحر تنظيم داعش من المناطق التي تسيطر عليها بقوة عسكرية أقل من تلك التي حشدتها، وبالتالي إعطاء فرصة مثالية للثوار لسحب مقاتليهم من تلك الجبهة وزجهم في معارك تحرير حلب وسهل الغاب والساحل، قد لا تستهدف تركيا جيش النظام السوري بشكل مباشر ولكن انعكاسات التدخل العسكري التركي في سوريا بالتأكيد سوف تنعكس سلباً على قوات النظام والقوى المتحالفة معها، وتسرع من عملية إسقاط النظام السوري وإلحاق الهزيمة العسكرية بها.

فإذاً تركيا ومعها سوريا والمنطقة تدخل في مرحلة جديدة، أصبح فيها للثوار السوريين قوة عسكرية داعمة تملك سلاح الجو، مما يمكنها من تحقيق مكاسب سريعة على الأرض وتشكيل منطقة آمنة محمية من طيران وصواريخ النظام، ولتكون هذه المنطقة بمثابة قاعدة للانطلاق لتحقيق مزيداً من المكاسب في معركة تحرير سوريا من النظام المجرم وأعوانه.

تعليقات