العملية التفاوضية في ضوء نظامٍ متداعٍ وتسلطٍ روسيٍّ بائن

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

أجبرت الإدارة الدولية للملف السوري مسار السياسة والتفاوض المتعثر منذ جنيف على الانتعاش الوهمي خلافاً لعناصر المشهد السوري عسكرياً وسياسياً، وذلك لضروراتٍ ينبع جلها خارج سياق القضية السورية، وهيأت من خلال قاعدة التوافق الأدنى بين الفواعل عدة مرتكزاتٍ هشة يرتجى أن تساهم في إتمام الظرف السياسي لعملية تفاوضية، ومصدرين أو ملتفين على الإشكالات الرئيسة التي لاتزال عالقة ولها أثر بالغ في سير العملية السياسية واتجاهاتها.

كما أُريد للخطوة القادمة أن تكون تفاوضية وفق محدداتٍ رسمَ بيان فيينا إطارها العام، وحدد مداخلها وتصوراتها وعناصرها القرار الأممي 2254، وثبت مواضيع التفاوض والجدول الزمني وهوية الدولة، وذلك بشكل يخدم الرؤية الروسية بالدرجة الأولى ويعزز شروطها في ملفٍ تبحث من خلاله لعودة فاعلية "سوفيتية" ترتجي إعادة تعريف النظام الدولي من جديد.

وفي هذا السياق تتكون وتنمو مناخات العملية التفاوضية بعد عدة ترتيبات دولية، لعل أخرها هي الحالات التي تهدف لإعلان المعارضة قبولها بهذا الفرض السياسي لأطر عملية انتقالية شكلية رسمت موسكو كافة خطوطها بغية شرعنة نظام الأسد، وذلك عبر تكريس قاعدة التعامل مع الملف السوري وفق نتائج الصراع لا أسبابه، هذا النظام الذي  لم يخضع لأية ضغوضات دولية حقيقية إلى الآن،  ناهيك  عن عدم قدرته على تنفيذ قرارات يكون له فيها السيادة المطلقة ، وكل وذلك يبرز هشاشة العملية التفاوضية وفق المرتكزات والمحددات المرسومة، والتي سيجهد النظام فيها لكسب الوقت ريثما ينضج مساره الموازي الذي يعمل عليه بالتعاضد مع حلفائه الروس والإيرانيين، والقائم على تنحية القوى الثورية ورموزها من كافة التفاعلات والفعاليات القادمة وتهيئة الواقع الاجتماعي لهدن توكله بالوظائف السياسية وتثبت سلطته في المجال الجيوسياسي لسورية المفيدة، الامر الذي يتطلب جملة إجراءات ما قبل التفاوض لن تستقم العملية التفاوضية من دونها.

تركز الأسطر أدناه على جزيئتين تخرجا العملية السياسية والتفاوضية عن الجدوى المأمولة المنسجمة مع مطالب الاستقرار الاجتماعي، وهما: أولاً: عدم الجدوى من التفاوض مع نظامٍ يمتهن العبث في مسار التفاوض ولا يمتلك قراراته "السيادية"، وثانياً الدور الروسي وتسلطاته الفجة التي تستهدف أيُّ نماءٍ موضوعي لمسار يفكك أسباب الإشكال لا نتائجه.

مفاوضات ولا أهلية للنظام!!

إن أولى العناصر التي تضمن سير العملية السياسية هي القدرة على ضبط المشهد العسكري والتحكم بآلياته ومساراته، وهذا يتطلب معرفة مدى سيطرة النظام العسكرية ومقدار تحكمه بالعمليات المسلحة الدائرة في محوره بالإضافة إلى قدرته وتحكمه بالمجالات الجوية التي يستبيحها طائرات كل من التحالف الجوي والروسي والإسرائيلي وأخيراً الإيراني، والمعابر الحدودية التي خرج أكثر من 80% منها عن إدارته، وطرق المواصلات التي بات معظمها خارج سيطرته بشكل عام عدا الطرق التي تربط دمشق ببيروت السورية، هذا من جهته، أما من جهة القوى غير المنتمية للعملية السياسية والتي تسيطر على النسبة الأكبر من الأراضي السورية حوالي (70%) ستكون معرقلة لأي مسار سياسي محلي ناشئ  كتنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات الكردية والكثير من القوى العسكرية والتي تم استثنائها من مؤتمر الرياض، وبالتالي فأن النظام يملك من الناحية الشكلية قراره العسكري فقط في نسبة لا تتجاوز 18% وفق أغلب الإحصاءات الدولية أما من الناحية العملية فهذا القرار موزع على قوى غير منضبطة كمليشيا الدفاع الوطني والمرتزقة العراقية ومليشيات شيعية لبنانية.

إن نمط وطبيعة المعارك الدائرة في الجغرافية السورية ومستوياتها المختلفة، بالإضافة إلى قدرة وتحكم نظام الأسد المتقهقرة في هذه التفاعلات يجعل منه منقوص السيادة من الناحية العسكرية وهذا ما يجعل العملية التفاوضية عملية عقيمة، فالقفز غير الموضوعي في تجاوز الوضع الحقيقي لنظام الأسد سيحد من فعالية وجدوى التفاوض

كما أن التحكم الروسي والإيراني الواضح في سير العمليات والقرارات العسكرية سواء على الصعيد البري أو على الصعيد الجوي يُفقد النظام سيادته العسكرية، بعد أن فقدها على المستوى السياسي لصالح طهران وموسكو اللتان يديرون ملفاته السياسية وفق ظروفهم الإقليمية والدولية بالدرجة الأولى، لذا فإن نمط وطبيعة المعارك الدائرة في الجغرافية السورية ومستوياتها المختلفة، بالإضافة إلى قدرة وتحكم نظام الأسد المتقهقرة في هذه التفاعلات يجعل منه منقوص السيادة من الناحية العسكرية وهذا ما يجعل العملية التفاوضية عملية عقيمة، فالقفز غير الموضوعي في تجاوز الوضع الحقيقي لنظام الأسد سيحد من فعالية وجدوى التفاوض ومن الناحية الاقتصادية تعتري سيادة هذا النظام الاقتصادية الكثير من العوامل التي تجعلها تكاد تكون معدومة، فبحكم إفرازات الصراع العسكرية، وخروج أكثر من ثلثي البلاد من سيطرته، فإنه لم يعد مؤهلاً ليكون فاعلاً لضبط تحولات المشهد الاقتصادي بدءاً من إدارة موارد الطاقة ومروراً بالتحكم في موارد المياه، وليس انتهاءً بالموارد الزراعية، وهذا ما يجعل ملفات التفاوض ذات الآثار الاقتصادية مرتبطة بفواعل محلية ليست ممثلة في المشهد التفاوضي. إذ أن أبرز مداخيل نظام الأسد وركائزه الاقتصادية الأساسية قد تضررت بشكل كبير نتيجة تراجع سيطرته على معظم الأراضي السورية وانعدام وتلاشي موارده الأساسية مما تسبب بمستويات عجز غير مسبوقة وانهيار كبير في حجم الإنتاج وتراجع هائل في معظم المؤشرات الاقتصادية وعجزه الواضح عن الحفاظ على قيمة الليرة السورية، وارتفاع التضخم إلى مستويات مخيفة، مما أدى إلى حدوث انكماش اقتصادي كبير يترافق الآن مع حالة من الركود التضخمي الواسع تترك آثارها الخطيرة على المستوى المعيشي لحياة المواطنين في مناطق سيطرته.

والسؤال الأعمق المنبثق من هذه اللأهلية هو: مدى قدرة نظام الأسد على إعادة انتاج الدولة وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتوحيد البلاد التي مزقتها آلياته العسكرية بالتعاضد مع طائرات وميلشيات حلفائه؟ وهل سيكون المعادل الأمني الأفضل في المنطقة؟ وهل سيكون الضامن السياسي لجميع طبقات وفئات المجتمع ... إلخ وغيرها من الأسئلة التي يصر المجتمع الدولي على تلافي سماعها، متبعاً استراتيجية التعاطي مع النتائج لا الأسباب.

مفاوضات وعبثٌ روسي !!!

بالإضافة إلى اللأهلية العسكرية والاقتصادية فإن نظام الأسد الذي تسببت قواته العسكرية وأجهزته الأمنية في مقتل أكثر من ثلاثمئة ألف سوري وتدمير أكثر 2500 دار عبادة (مسجد وكنيسة) وتسبب في هجرة خارجية لأكثر من خمسة ملايين ونزوح داخلي لأكثر من سبعة مليون، لم يعد مقبولاً اجتماعياً أن يفاوض على ملفات اجتماعية تسبب في تدمير بنيتها من جهة ولايزال يراها حواضن اجتماعية لقوى إرهابية يرفض التعاطي والتعامل معها من جهة أخرى، كما أنه لا يملك القدرة على حل اشكالياتها التي بات المجتمع الدولي ودول الجوار جزءً أساسياً في حلها.

وهذه اللأهلية تنسف المناخ الناشئ للعملية التفاوضية المزمع إجرائها في نهاية الشهر الأول/2016 وما يزيد عدم جدوها هو تلهث وتعجل الفاعل الروسي لتكرار التجربة الشيشانية في الحل السياسي من خلال العمل على تطويع التهديد الأمني والمقاربات الدولية المشتركة في إتمام تفاهم يعيد المشهد السوري إلى ما قبل آذار/2015، وعبر الإمعان في ضرب بنية المعارضة السياسية والعسكرية وإعادة تعريفها وفق قاعدة المشتركات مع نظام الأسد. مستغلاً بذلك دلالات تواجده العسكري وأثرها على الخارطة الإقليمية، وقدرته المتزايدة على وضع العصي في عجلة العملية السياسية.

من المؤكد وفق السلوك السياسي والزخم العسكري الروسي بأن موسكو لن تطمئن حتى تثبت مسلماتٍ جهدت لتكريسها في بيان فيينا وتضغط لتحقيقها في الأدوار الدولية المنبثقة سواء في مخرجات مؤتمر الرياض أو عبر قوائم التصنيف التي توكلت عمان بتنسيق الجهود لاتمامها، ومن أهم هذه المسلمات هو إعادة تصدير وظائف النظام الأمنية والسياسية عبر شعارات المحافظة على أجهزة الدولة. والشروع فوراً بمحاربة الارهاب. ومشاركة الأطراف المقبولة دولياً إلى جانب جيش النظام في محاربة التنظيمات الإرهابية. وعدم وصول قوى إسلامية وثورية للحكم عبر ضرب بنيتها واستهداف رموزها والعمل على تعطيل فعاليتها في أية محاولة لتقديمها في العملية التفاوضية، بالإضافة إلى تأجيل الإشكالات كفعل تمهيدي لتجاوزها عبر التسكين والمماطلة وفرض نظام الأسد " كضرورة واقعية".

سبل تقويم العملية

من ثابت الأمر أن المناخ الناشئ يطوع عناصر المسألة السورية لتدخل فرضاً سياسياً يتجاهل الظروف الموضوعية، وهو تطويع مرشحٌ للاصطدام بعدة عوائق تزيد من ارتكاسات هذه المسألة، لعل أهمها العبث العسكري الروسي وعدم وضع ضوابط لاستباحاته للفضاء والمجال الثوري، لذا وحتى يتم تدعيم العملية السياسية بمرتكزات تفضي لتغيير حقيقي ويعيد السيادة للجمهورية الجديدة لا بد من:

أولاَ: توفير تفاهمات دولية قبل البدء بعملية التفاوض سيكون لها الأثر الواضح في تصحيح إشكالية السيادة المنقوصة، فيما يتصل بالشؤون الأمنية – الشرطة – البنى التحتية -الموارد والثروات، وفيما يتعلق بإدارة المناطق التي لا تخضع لسلطة النظام لاسيما المعابر – الحدود-المواصلات – إيصال المساعدات الإنسانية، بالإضافة إلى تأمين السوريين من عمليات القصف الجوي والتعدي الدولي في مختلف المحافظات. 

ثانياً: مطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالعمل على خروج كافة الجهات التي تقاتل رسمياً في صف النظام كإيران وروسيا والميلشيات المساندة له، بالإضافة إلى توضيح آليات وقف إطلاق النار وأسس التعامل مع القوى المستثناة، والمناقشة معها فيما يخص سبل إجراء المراقبة وآليات المحاسبة. بالإضافة إلى مطالبة ديمستورا بالحياد والتزامه بقواعد الوساطة وعدم فرض أجندة روسيا واحترام استقلالية قرار المعارضة السورية التي أجتمعت في الرياض وأقرت ثوابتها ومعاييرها تجاه الحل السياسي من جهة وحددت هيئتها العليا التفاوضية من جهة أخرى.

ثالثاً: وجود ضمانات حقيقية تكون بمثابة ثوابت العملية التفاوضية كضرورة التغيير نظام الحاكم المتورط بجرائم إرهاب ضد المجتمع السوري قبل الشروع في العملية الانتقالية، والعدالة الانتقالية، وخروج كافة الميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية لاسيما العراقية واللبنانية والايرانية واعتبار وجوها جريمة دولية وفعل إرهابي ينبغي مجابهته ضمن أطر مكافحة الإرهاب الدولية.

إن تجاهل المجتمع الدولي المقصود - الذي اتفق على أطر الحل والملامح التنفيذية العامة  في فيينا-  لمسؤولياته الموضوعية لن يساهم إيجاباً في تدعيم مسار السياسة الذي لايزال قلقاً ومهدداً بالانحسار، وبالتالي على هذا المجتمع أن يقدم للمجتمع السوري قبل البدء في التفاوض جملة تفاهمات على الأقل فيما يتعلق حول الإشكالات الرئيسية التي صدرها قرار 2254  والذي صيغ بعبارات فضفاضة تقبل التأويل والتفسير المتعدد الأوجه، خاصة فيما يتعلق بوضوح هدف ووظيفة وصلاحية هيئة الحكم الانتقالي الجامعة وتبيان آليات تخويلها لهذه الصلاحية، بالإضافة إلى إجلاء الغموض المقصود لدور بشار الأسد في كافة بنود القرار، حيث فشل المجتمع الدولي في تحديد دوره أثناء وبعد المرحلة الانتقالية (وهذا عائد للاختلاف الدولي حول هذه الإشكالية)، وتعمد أرجاء البت فيها لسير العلمية السياسية وهذا بحد ذاته إشكال مركب يهدد العملية السياسية برمتها.

تعليقات