الغارات الأمركية تقتل المدنين في سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/2/2015
McClatchy DC

(ترجمة السورية)

محمد كان شخصاً محترماً للغاية في الباب، كان الشخص الذي يحفر القبور ويغسل أجساد الموتى قبل دفنها، وكان شخصاً تقياً يدرس القرآن وهو الذي كان يؤذن لصلاة المغرب في البلدة السورية القريبة على الحدود التركية، وخلال العام الفائت، كان بائعاً للخبز في حيه.

لكن في الثامن والعشرين من شهر كانون الأول، تأخر إيصال الخبز وفوت صلاته عند المغرب. اعتقلت الشرطة الدينية محمداً، الوالد لخمسة أطفال والذي بلغ عقده السادس من العمر، وأمرته بقضاء ليلة واحدة في السجن.

وقد كانت ليلته الأخيرة.

في السابعة وعشرين دقيقة مساءاً قامت غارة أمريكية بتدمير مركز السرايا الحكومي في الباب. قال أهالي البلدة إن العشرات من الأشخاص ومن ضمنهم محمد، قتلوا في الغارة، بينما أنكر المسؤولون الأمريكيون وقوع أي ضحايا مدنيين مع اعترافهم بالغارة.

"في تلك الليلة كان بإمكانك سماع صراخ ونحيب النساء في البلدة عندما سمعن أن مبنى السرايا قد قصف، " قال هذا أبو حسين، الذي قطن قرب المركز الحكومي من يمر من أمامه يوميا وذلك حين ذهابه لإداء الصلاة في مسجد البلدة ، "لقد علمن أن أبناءهن وأقاربهن كانوا في المبنى"، قال المتحدث البالغ من العمر 55 عاماً هذا خلال مقابلته في أنطاكيا، ولم يذكر اسمه خوفاً من انتقام "الدولة الإسلامية" في حال عاد إلى الباب.

نشرت McClatchy تقريراً عن الأمر في الحادي عشر من شهر كانون الثاني وأفادت بمقتل 50 مدنياً على الأقل في السجن الذي قصفته الغارة الأمريكية. بعد ثلاثة أيام على نشر التقرير، قالت القيادة المركزية الأمريكية إن مراجعتها للغارة حددت أن الادعاءات التي أفادت بوقوع خسائر مدنية "لم تكن موثوقة".

لكن McClatchy وجدت براهين أكثر على تقريرها الأولي من اللاجئين الذين فروا من الباب والذين يقطنون الآن في بلدات جنوب تركيا. بمساعدة الأقارب والجيران والأصدقاء، جمعت McClatchy قائمة تحوي الأسماء الكاملة لعشر مدنيين قتلوا في الغارة وكنيات أربعة عشر شخصاً آخرين.

قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي هي جماعة رصد متحالفة مع معارضي الرئيس السوري بشار الأسد، إن لديها لائحة مؤكدة لأربعة وعشرين مدنياً قتلوا، وقالت المتحدثة باسم الشبكة هدى العلي إن التقديرات لديهم تفيد بمقتل 55 مدنياً على الأقل.

قالت جماعة رصدٍ معارضة أخرى، مركز توثيق الانتهاكات، إن أكثر من 60 معتقلاً، بينهم أطفال، قضوا في الهجمة وإن 20 مدنياً مصاباً تم نبشهم أحياء من الركام.

تقريباً كل شخص من أهالي البلدة ، والذين قابلتهم McClatchy قالوا إن عدد الموتى تخطى ذلك بكثير.

إن التعارض بين المعلومات الجديدة وإصرار الجيش الأمريكي على عدم وجود أدلة تدعم التقارير التي تفيد بمقتل المدنيين يأخذ أهمية مضافة في أعقاب مقتل كايلا ميلر، عاملة الإغاثة البالغة من العمر 26 عاماً من ولاية أريزونا التي قتلت الأسبوع الفائت في سورية.

ادعت "الدولة الإسلامية" أن ميلر قتلت في السادس من شهر شباط عندما قامت الطائرات الأردنية بقصف بناء خارج الرقة في سورية، حيث كانت مسجونة. اعترف المسؤولون الأمريكيون في بداية هذا الأسبوع بأن طائرة أردنية "مع مساندة من الطواقم التابعة للجيش الأمريكي"، قصفت البناء في ذلك التاريخ، ولكنهم أنكروا أن يكون هناك أي دليل على وجود أي مدنيين أو مقاتلين "للدولة الإسلامية" في المكان.

قضية الباب على أي حال تطرح التساؤلات حول مدى المعلومات التي تملكها الطواقم الجوية الأمريكية حيال الأهداف التي تقوم بقصفها.

لحماية الأقارب الذين قد يواجهون الاعتقال أو التعذيب أو حتى الموت من قبل "الدولة الإسلامية" بسبب التحدث للمراسلين، لن تنشر McClatchy لائحة الضحايا من الباب، ولن تقوم بذلك الشبكة السورية ولا مركز توثيق الانتهاكات، وقد راجعت الشبكة لائحة McClatchy التي تحوي الأسماء الكاملة لعشرة أشخاص، وأكدت تقاطع ثلاثة أسماء مع لائحتها أيضاً، حسبما قالت العلي.

شرحت القيادة المركزية الأمريكية كيفية توصلها لعدم مصداقية التقارير التي تقول بسقوط الخسائر المدنية على مصادر متنوعة بقولها: "لقد حللنا معلومات وأخباراً متعلقة بغارة التحالف وأفعال أخرى في المنطقة (على سبيل المثال كاحتمالية حدوث غارة جوية سورية)، وشمل تحليلنا التقارير الصحفية والمعلومات التي أتت من أطراف ثالثة"، حسبما قال العقيد باتريك رايدر من القوة الجوية، مدير العلاقات العامة للقيادة المركزية، في رسالة إلكترونية.

قال رايدر إن الشهود المحليين كانوا يخلطون بين الغارات الأمريكية وهجمات الحكومة السورية التي حدثت قبل يومين، وإن توقيت الغارتين "ربما ساهم في صدور تقارير خاطئة من موقع الحدث وبالتالي الخلط في قضية مكان وزمان مقتل المدنيين"، حسبما قال.

لكن أهالي البلدة أخبروا McClatchy أنهم لم يخلطوا بين اعتداءات الحكومة السورية والغارة الأمريكية، التي اعترف رايدر بأنها حصلت في الثامن والعشرين من شهر كانون الأول.

إن مدى مراقبة الولايات المتحدة لهجمات الحكومة السورية ليس واضحاً. قال رايدر إنه لا يستطيع أن يقدم "تعداداً لغارات الحكومة السورية الجوية"، وقال إن الصور الجوية للموقع قبل وبعد تفجير الثامن والعشرين من شهر كانون الأول سرية ويتطلب تقديمها ونشرها عملية مطولة. لكنه قال إن القيادة المركزية مستعدة لإعادة فتح التحقيق بالقضية في حال توفر معلومات جديدة.

وفقاً لأبو حسين وأهالٍ آخرين من البلدة، قام حرس "الدولة الإسلامية" بقطع الشوارع المحيطة بالموقع بعد أربعة أيام من الغارة الجوية الأمريكية وجلبوا الجرافات لإزالة ركام المبنى الذي كان يتألف من طابقين، وأعادوا العديد من الجثث إلى عائلات الضحايا ولكنهم منعوا أي إعلان عن الموتى أو أي إجراءات عزائية، حسبما قال أهالي البلدة.

حسبما وصف هو وشهود آخرون الحياة في الباب، فالبلدة التي تحوي 150,000 شخص وتقع على الحدود التركية، مليئة بالرعب في ظل "الدولة الإسلامية". إن الجماعة المتطرفة التي سيطرت على البلدة من الثوار المعتدلين في بداية عام 2014، كانت تسجن مئات الأشخاص في أي من سجونها الثلاثة في كل الأوقات، حسبما قال. وهنالك إعدامات منتظمة في ساحة البلدة، وتترك جثث الذين يتم إعدامهم معلقة ليومين، وغالباً ما كانت توضع علامات على صدورهم معلنة جرائمهم المزعومة.

كان أهالي البلدة يتعرضون للاعتقال بسبب الملابس التي يرتدونها، أو لقصة شعرهم أو لطرحهم العديد من الأسئلة، حسبما قال. قال أبو حسين أنه سجن في مركز مختلف في الباب لمدة 30 يوماً لأنه كان يدخن.

"قد يتم اعتقالك لسماحك لزوجتك بالخروج دون ارتداء النقاب"، حسبما قال. "قد يتم اعتقال شخص لتحدثه مع قريبته، وإن ارتدى أحدهم بنطالاً ضيقاً، فهم يقومون بتمزيقه ويزجون بالشخص في السجن".

إن مقاتلي "الدولة الإسلامية" يوقفون الأطفال في الشوارع ويسألونهم إن كان آباؤهم يحضرون الصلوات أو إن كانوا يدخنون، حسبما قال أهالي البلدة. لكن العديد من الأطفال كانوا يسخرون من مقاتلي "الدولة الإسلامية"، ويقومون بملاحقة سياراتهم وهم يصيحون "داعش"، وهو اللقب العربي الذي يزدري الجماعة المتطرفة نوعاً ما.

قال أبو حسين إنه شهد اقتياد أهالي البلدة إلى مبنى السرايا ليتم سجنهم، وقد وصلوا في موكب يتألف من سيارة هامفي أمريكية الصنع وسيارة سادان ذات أربعة أبواب، يحرسهم رجال يرتدون بزات مموهة ويضعون الأقنعة، ويحملون بنادق الكلاشينكوف، حسبما قال.

"لا يسمح لك بالوقوف والمشاهدة"، حسبما قال. وفي المسجد، حيث يحضر الصلاة بانتظام، لا يتحدث أحد بما رآه. "بالطبع لا، ليس بإمكانك فتح فمك، فسيقومون باعتقالك".

إن أكثر المخالفات المتكررة التي تقود للاعتقال والحجز هي التدخين، أو حتى حيازة السجائر.

عبد الله نجار ذو 18 عاماً لم يكن يدخن حتى، وفقاً للأقارب والأصدقاء، ولكنه خرج لشراء علبة من السجائر لعمه، وتم اعتقاله وبحوزته السجائر في يده وتم إرساله إلى السرايا، حيث قتل في الغارة الأمريكية، حسبما قيل.

لقد كانت السجائر مضرة أيضاً بثلاثة أخوة من بلدة بزاعة القريبة، حسبما قال الأقارب، فمحمد وأحمد ومحمود كرديه تم اعتقالهم أيضاً من قبل "الدولة الإسلامية" وهم يبيعون السجائر، وتم حجزهم في مبنى السرايا، حسبما قالوا، وقد حدد القاضي كفالتهم بمبلغ مليون ليرة سورية، أي حوالي 5000$، وفي عشية يوم الثامن والعشرين من شهر كانون الأول، توجه ثلاثة أقارب للأخوة إلى الموقع لدفع الغرامة، حيث قتل الستة.