الفصائل الجهادية بين "عقلية الثورة" و"عقلية الدعوة"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/4/2015
السورية نت

من أهمّ أسباب الضعف السياسي الذي تعاني منه كبرى الفصائل في الثورة السورية أنها ما تزال تشارك في الثورة بعقلية الجماعة، أو ما أسمّيه "عقلية الدعوة"، وهي عقلية مناسبة لما قبلَ الثورة ولما بعدَها، ولكنها في زمن الثورات أقربُ إلى الضرر والإعاقة وتأخير الانتصار. أرجو أن ينتبه إخواننا في الجماعات الجهادية إلى ما بين الدعوات والثورات من فروق لعلهم يعملون على تداركها، وأهمها ثلاثة.

 

الأول أن الدعوات لا تترخّص ولا تتنازل ولا تَلين، فهي تدعو إلى الحق الكامل وتتشبث به وتدافع عنه ولو كان الثمنُ الموتَ والاعتقال والتنكيل. هذه التضحية الثقيلة التي تُطلَب من الدعوات لا تُطلَب من الثورات، لأن الثورة تقود الأمةَ بكبيرها وصغيرها وقويّها وضعيفها وعالِمها وعاميّها، فلا يسعها ولا يحق لها أن تَحمل الناس جميعاً على الشدة وتحمّلهم ما لا يطيقون. لذلك رأينا من النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية مرونةً لم نَرَ مثلها في حصار الشِّعْب، رغم أن حالة المسلمين في تلك الأيام كانت أكثرَ حرجاً ومشقةً من حالتهم يوم الحديبية بما لا يُقاس. إنه الفرق بين قرار "الدعوة" التي انضمّ إليها أوائلُ المسلمين مختارين، وقرار "الدولة" التي صارت مظلة عامة لسكان البلد جميعاً، والثورةُ مثل الدولة بهذا المقياس.

 

الفرق الثاني بين الدعوة والثورة هو أن الثورة تهدم والدعوة تبني؛ الثورة تنقض بنيان الظلم والاستبداد والفساد فتقيم الدعوةُ محلَّه بنيانَ الحق والعدل والصلاح. الثورة هدفها عام أما الدعوة فلها هدف خاص، فكل أعداء الاستبداد يشتركون في عدائه واستهدافه ويتعاونون على نقضه وإسقاطه، وبعد ذلك يختلفون في تصوّرهم للبديل الجديد، فيدعو كلٌّ منهم إلى مشروعه وتصوره بالكلمة والحكمة والموعظة الحسنة، وكلما أحسن استثمارَ هذه الأدوات كان أقربَ إلى التأثير والنجاح.

 

الثالث هو أن جماعات الدعوة اصطفائيةٌ انتقائية في عضويتها، فهي لا تضم إلا مَن وافقها على فكرتها واستعدّ لاحتمال ضريبة الثبات على المبدأ والصبر على تكاليفه العالية. أما فصائل الثورة فإن عملها هو الجهاد لتحرير البلاد من الاستعباد والاستبداد، ومن خصائص الجهاد أنه رابطة عامة تجمع المتديّنين وغيرَ المتدينين، بل إن شيخ الإسلام ابن تيميّة اعتبر ذلك أصلاً عاماً، فقال في الفتاوى: "من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بَرّ وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم".

*   *   *

إننا بحاجة لاستحضار هذه المعاني في الثورة السورية اليوم، فقد أعاق الحرصُ على المناهج والأفكار والتحزبُ للفصائل والجماعات كلَّ جهود الوحدة والائتلاف حتى الآن، وتسبب في عجز بعض الجماعات عن استيعاب المتطوعين للجهاد لاختلاف المستوى وقلّة التديّن، فلم يخسر الجهادُ جنوداً فحسب، بل خسرت الدعوة فرصة تاريخية لنشرها بين الناس، لأن الحاضنة الجهادية تربّي كما تربي الحواضنُ العلمية والدعوية.

 

المشكلتان السابقتان نشأتا بسبب العجز عن إدراك ما بين الدعوات والثورات من فروق، والثالثة الأكبر والأخطر هي تحميل الثورة حملاً ثقيلاً لا طاقة لها بحمله، ممّا أعجزها عن الحركة والمناورة اللازمة للبقاء.

 

إن كثيرين في الجماعات الجهادية يرهقون الثورة عندما يطالبونها بما صنعه الإسلام في أول أمره، حينما تحدى العالمَ وحارب قُوى الكفر جميعاً لتثبيت أساسه ورفع بنيانه. وهذا صحيح، لأنه دين فإنه لا يستطيع أن يصنع غير ذلك، فإما أن يظهر وينتصر ويبقى، وهو ما كان، أو يُهزَم وينحسر ويموت كما حصل في دعوات أكثر الانبياء السابقين. أما الدول الإسلامية التي حملت هذا الدينَ من بعد فقد ناورت وحالفت وحاربت وصالحت، ومرّت بقوةٍ أعانتها على تحقيق الأفضل وبضعفٍ ألجأها إلى التنازل والرضا بالمفضول.

 

إن الدول جزء من واقع دولي معقد لا تملك إلا أن تخضع له جزئياً وتعيش معه ثم تحاول -إذا امتلكت القوةَ الكافية- أن تغيّر قواعده من داخله، أما التغيير من الخارج فلا يكون إلا بحروب هائلة بحجم الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وليس هذا في طاقة أقوى الدول وكُبراها فضلاً عن أضعفها وصُغراها.

 

إن أي ثورة -مهما بلغت من القوة- تبقى أضعفَ من أضعف الدول وأقلها شأناً، فلا قدرةَ لها على تحدّي النظام الدولي الراسخ ولا مصادمته بالقوة الخشنة، بل هي مضطرة إلى استعمال "القوة الناعمة" لتحقيق مصالحها وبلوغ غاياتها بالذكاء والدهاء والمرونة والحكمة والحنكة السياسية، ومن ذلك توسيع مساحة المصالح المشترَكة مع القُوى الحليفة والمحايدة، واستغلال التناقضات بين القوى المتنافسة، وتحييد من يمكن تحييده من الخصوم، والتعامل مع القوى الدولية بحكمة ومرونة تتيح تحقيق أكبر قدر من المصالح ودفع أكبر قدر من المضارّ.

*   *   *

إن القوى الإقليمية والدولية المعنية بملف الثورة السورية لا تهمها كثيراً (ولا قليلاً) معاناةُ أهل سوريا طالما حفظ النظامُ الذي يحكمها مصالحَ تلك القوى ولم يشكل لها أي إزعاج. وحيث إن نظام الأسد حقق هذه الشروط فقد عاش آمناً في كنف تلك القوى منذ أربعة وأربعين عاماً، ولم يضطر النظام الدولي للتدخل إلا مرة واحدة خرج فيها نظام الأسد الابن عن النص (لقلّة خبرته في أول عهده) فأدّبوه بالمحكمة الدولية حتى عاد ذليلاً مستسلماً إلى بيت الطاعة.

 

لقد برهن نظام الأسد على الدوام أنه قادر على تحقيق مصالح القوى الدولية وأنه لا يشكل أي تهديد حقيقي لها، وحينما نسعى لإسقاط هذا النظام ووراثته فإننا نواجه خيارين علينا أن نختار أحدَهما: إما أن نحارب النظام الدولي الذي توافقت عليه القُوى الكبرى في العالم واستقرّ بصورته الحالية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فإذا حاربناه وغلبناه استطعنا أن نفرض عليه الواقعَ الجديد الذي نريد، أو نعترف بأننا نعيش في زمن الاستضعاف الذي يَحلّ لنا فيه ما لا يحل في زمن القوة. اسمحوا لي هنا أن أعيد التذكير بفتوى أبي حفص الموريتاني مفتي القاعدة السابق: "إذا كان الإسلام يجيز للفرد أن يأكل ميتة اللحم ليحافظ على حياته عند الاضطرار فإنه يجيز للجماعة أن تأكل الميتة السياسية عند الاضطرار لتحافظ على نفسها".

 

إذا كان الخيار الثاني هو الأكثر واقعيةً فإنه يعني أن على الثورة التي تريد إسقاط النظام أن تُقنع دولَ الإقليم بأنها بديل مناسب، وأن تقنع المجتمع الدولي بأنها خيار آمن قادر على توفير الحد الأدنى من مصالحه في سوريا. ما هذا الحد الأدنى؟ إنه القَدْر الذي ليست فيه خيانة للأمة ولا تضييع للدين ولا تجاوز لخط الثورة الأحمر، ولكي نحقق تلك المهمةَ الصعبةَ فإننا بحاجة إلى كثير من المرونة وكثير من "البراغماتية" المنضبطة بالضوابط الشرعية (في أوسع اختياراتها وليس في أضيقها).

 

أعترفُ مقدماً بأن تحقيق هذه المعادلة المعقدة أمر عسير، ولكني لا أراه مستحيلاً، وقد لا يقدر عليه كثيرون (وأنا منهم)، ولكنْ لا بد أن يوجد في أحرار سوريا ومجاهديها من يَجمع بين التقوى والأمانة والنباهة والعلم الشرعي والواقعية السياسية والحرص على البلاد والعباد، فعسى أن يوكَل إليهم تنفيذ هذه المهمة العسيرة. إنها المهمة الصعبة التي ستكلل بالنجاح -إن شاء الله- ثورةً قدّمت تضحيات لن ينساها التاريخ.

تعليقات