الفن أداة للهيمنة... نماذج سورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21يونيو/حزيران 2019
العربي الجديد

تهيمن الدول الشمولية والدكتاتورية على كامل الفضاء السياسي ـ الاقتصادي ـ القانوني ـ الاجتماعي، ولكن الأخير، أي الفضاء الاجتماعي، لا يخضع، كما تخضع الفضاءات الأخرى، لسلسلة هيمنة تراتبية هرمية واضحة المعالم، فالتعامل مع المنظومة الاجتماعية يتطلب أدوات هيمنة وسيطرة غير مباشرة، كما هو الحال مع الفضاءات الأخرى. هنا في الفضاء الاجتماعي تلعب خطابات السلطة، بحسب فوكو، والبنى الفوقية، بحسب غرامشي، أدوارا مهمة للغاية. وعادة ما تكون اللغة المستخدمة هي لغة السيمياء. ولذلك لا تظهر السلطة في هذا المقام فعل هيمنة بقدر ما تظهر واحدةً من سمات التفاعلات الإنسانية، خصوصا لدى الجمهور العادي.

ولا تكون أدوات الهيمنة عادة محصورة في مؤسسات الأنظمة الحاكمة بشكل مباشر، وإنما يتم التعبير عنها بأدواتٍ غير مباشرة، مثل المسرح والدراما والأغاني، والقصص، ووسائل الإعلام.

ومع أن هذه الأدوات معمولٌ بها في الدول الديمقراطية ـ الليبرالية، على اعتبارها من مقتضيات السلطة، أي سلطة، إلا أن الفرق يبقى مهماً للغاية بين الفضاءين، الديمقراطي ـ الليبرالي والشمولي ـ الاستبدادي. في الحالة الأولى، لا تمنع السلطة احتكار أدوات الهيمنة غير المباشرة، فهي متاحة لجميع القوى، ولكن في الحالة الثانية، يتم احتكار هذه الأدوات، أو احتكار الخطاب. وعليه، تتحول لغة السيمياء المتبعة إلى نوع من أنواع العنف.

يؤكد ميشيل فوكو أن التفكير بالسلطة يتطلب تحليل عملها في تفاصيل الممارسة الاجتماعية، حيث تنتج آثارا كـ "مايكروفيزياء" سلطة مائعة، لكنها منتجة تعمل على إنتاج أنواع خاصة من العقول في ممارسة تظل غير مرئية.

هكذا وجدنا الممثل المصري الشهير، عادل إمام، يدافع بشكل فج عن نظام عبد الفتاح السيسي، في عمل درامي مبتذل يفتقد للمهارة الفنية (أستاذ ورئيس قسم)، وعمد فيه إلى تزوير الحقائق التاريخية لثورة يناير، وإظهار الإخوان المسلمين بطريقة انتهازية غير أخلاقية. وفي سورية، كثرة من أمثال عادل إمام، معظمهم أقل مقدرة منه، وإن لم يكونوا أقل ابتذالا، فتم إنتاج أعمال درامية خلال السنوات الماضية هي تماه تام مع خطاب السلطة.

ومن سخرية القدر، أو ربما من طبيعة الأشياء، أن يتحول النجوم إلى أدوات رخيصة بيد الأنظمة الاستبدادية، كما الحال مع إمام في مصر وما حصل سابقا في سورية مع دريد لحام، وما يحصل الآن مع باسم ياخور، هذا الذي يمتلك مقدرات عالية في التمثيل، ونجح دائما في إضفاء بصمته على شخصياته في أعماله، فعلى غرار أعمال دريد في سبعينيات القرن الماضي، لجأ ياخور، عبر عمله الفني "ببساطة"، إلى تكرار التجربة نفسها: أسلوب التنفيس والتخدير وتشويه الحاجات الإنسانية السياسية. ولكن ما أغفله أن الزمن الآن يختلف عن زمن "كاسك يا وطن" و"غربة" و"ضيعة تشرين"، فالتاريخ كما يقول ماركس "يعيد نفسه مرتين، مرة على شكل مأساة، ومرة على شكل ملهاة".

في ذلك الزمن، كان النظام في سورية يحتاج إلى عملية تنفيس اجتماعية، في لحظة تاريخية يقوم من خلالها بتوطيد هيمنته الأمنية المباشرة على مفاصل الدولة والمجتمع، بطريقة تدريجية غير منظورة نسبيا. أما محاولة إعادة هذا النوع من الكوميديا في الزمن الحاضر، زمن الدم السوري، فهي نوع المأساة، وإن ظهر بلباس كوميدي، وقد جانب الكاتب الأميركي، جيمس ثيربر، الصواب، حين قال إن أقرب شيء إلى الفكاهة هو المأساة.

تركيز هذه الأعمال الفنية على الأزمات المعيشية الضيقة لا يمكن وصفه إلا أنه نوع الشيزوفرانيا التاريخية، فالمرحلة التي تعيشها البلاد تجاوز فيها وعي ناس كثيرين الحاجات المادية، بحثا عن الحاجات المعنوية التي تجد تشكلها في المجال السياسي.

ليس الفقر هو الذي يصنع ثورة، وإنما وعي الفقر، أو تسييس الحاجات هو الذي يصنع ثورة، أو ينقل الوعي الإنساني إلى مرحلة التثوير. ولذلك، هدف مثل هذه الأعمال الفنية منع الوعي الإنساني من إدراك الفقر حالة سياسية، والاكتفاء بما تقدمه هذه الكوميديا من شحناتٍ نفسية، باعتبارها وسيلة لتفريغ الطاقة العصبية المكبوتة.

هنا يحاول النظام السوري، بمهارة، أن يمارس نوعا من القلب الأيديولوجي للمعرفة، فطالما يستحيل القبول بخطابٍ معارضٍ يهدّد الحكم، فلا مانع من القبول بخطاب كوميدي يكشف قصور النظام وعيوبه الاقتصادية والاجتماعية، فالسخرية السياسية، يقول غسان كنفاني، هي نوع من التحليل العميق، أهميته في أنه يضع السلطة كوجبة دسمة للسخرية والاستهزاء.

وما يدعو إلى الاستغراب أن باسم ياخور لم يكتف بذلك، بل أقدم على تقديم برنامج (وكأنه باسم قد وظف لهذه المهمة) "أكلناها" على قناة "لنا"، حيث يحاول تقديم ترفيه سطحي وسخيف للمشاهد السوري، عبر طرح مواضيع شخصية، تكشف مدى الانحدار الخلقي للقائمين على البرنامج، في وقت يبحث السوريون عن كينونتهم السياسية.