الكرد والعرب .......خصام ووئام

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/11/2014
السورية نت
المؤلف: 

ما دفعني لكتابة هذا المقال هو ما جرى من تلاسن كلامي في محفلين شارك فيهما الكرد والعرب، الأول كان في مدينة أورفا حيث استضافني مشكوراً منتدى الخابور المدني لإقامة ندوة تحت عنوان (الحوار الكردي/العربي) بتاريخ 27\10\2014 وفاجئني أحد الأخوة العرب بالقول إنه يكره الكرد عامة وبعد الاستفسار منه وتوضيح موقفه أشار إلى ممارسات حزب الإتحاد الديمقراطي ب ي د العسكرية في تل براك وتل حميس وغويران واتهم ب ي د بالوقوف إلى جانب النظام ضد الثورة السورية، والثانية ما حصل في الندوة التي أقامها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في مدينة عنتاب لفعاليات المعارضة في الداخل يومي 29،30\10\2014م وحصل مماحكة قريبة من هذه لكن بنبرة أعلى بين الطرفين وعلى نفس الموضوع ونفس الموقف لكن من قبل أشخاص آخرين.

وهذا يعني أن ظاهرة خطيرة تنمو تدريجياً بين المكونين العربي والكردي تهدف إلى تسعير حالة العداء المجتمعي لتتخطى التباين أو الخلاف السياسي، خاصة في المناطق المتداخلة جغرافياً وتحديداً منطقة الجزيرة أو (محافظة الحسكة) والرقة.

وهذه الظواهر الفردية والتي يمكن تسميتها حتى الآن، فيما لو تعممت وأخذت بعداً مجتمعياً لدى المكونين الجارين المتداخلين جغرافياً وتخطت التباين والخلافات السياسية سوف تكون مدمرة على كلا الشعبين وسوف تتخطى بتداعياتها دائرة الجزيرة وتنتقل إلى أماكن أخرى وخاصة المدن الرئيسية كدمشق وحلب نظراً للتواجد الكردي الكبير في هذه المدن وستتحول إلى حالة عنصرية مقيتة لن يخرج أحد منها سالماً وسينعكس سلباً على استقرار وأمن واقتصاد البلد برمته، وتصبح المحاسبة على هوية الشخص الأثنية بغض النظر عن رؤيته وتصوره السياسي وسيحصل ما لا يحمد عقباه ولا يستطيع أحد التكهن بمداه ومدته.

لذلك يتطلب منا جميعاً الوقوف عندها وعليها والبحث عن أسس لوأد هذه الظاهرة والحد منها وعدم السماح بتعميمها على المجتمع وإبقائها في دائرة الخلاف السياسي مع فئة معينة بعينها لا أكثر، خاصة إذا علمنا أن نمو الفكر العنصري لدى بعض الأخوة العرب حديث العهد وترافق مع بروز حزب البعث العربي ذي الفكر العنصري والمقتبس من سياسة وفكر الفاشي موسيليني والمؤسس لحزب البعث الإيطالي ومن ثم اقتبس أو سرق منه ميشيل عفلق نفس الاسم والأفكار بغية إدخاله إلى المجتمع العربي في سورية والعراق أولاً ومن ثم محاولة تعميمه على كل الجغرافية العربية وذلك عبر تأسيس منظمات رديفة له في كل البلدان العربية خاصة بعد استلام البعث السلطة في هذين البلدين في ستينيات القرن المنصرم، ومورست أقسى السياسات العنصرية بحق الكرد والتيارات السياسية المخالفة لهم في البلدين، توجت باستخدام بعث العراق للغاز الكيميائي في إقليم كردستان العراق في حلبجة والريف الكردي ذهب ضحيتها ما يقارب من ربع مليون كردي خلال أعوام 1987/1988 واستخدمها بشار الاسد أيضاً بحق الشعب السوري منذ سنتين وحتى الآن.

ولم يتورع أصحاب هذا الفكر التدميري سحق كل من يقف عائقاً أمام توجهاتهم السياسية، فقد حاربوا الإخوان المسلمين في سورية وارتكبوا مجازر بشعة في حماة وحلب في ثمانينيات القرن المنصرم تحت ذريعة محاربة الإرهاب واليوم يستخدمون نفس اللغة والممارسة بارتكاب مجازر لم تشهدها البشرية إلا نادراً بحق الشعب السوري ومارسوا القمع العاري بحق الكرد تحت ذريعة محاربة (الإنفصاليين).

ومن المفارقات المضحكة أنه تم اعتقال مجموعة من الشباب في القامشلى في عام 1971م واحيلوا إلى المحاكم بتهمة رفعهم شعارات عنصرية مثل (عاشت الأخوة العربية -الكردية) و(على صخرة الصمود العربي الكردي تتحطم مؤامرات الاستعمار والرجعية) وحكموا بالسجن مدة 11 شهراً جراء ترديدهم لمثل هذه الشعارات.

ومن المؤسف القول وعلى الرغم من أن النظام في طريقه إلى الزوال بفضل الثورة السورية المجيدة وتضحيات الشهداء أنه لايزال بعض من الشباب يحملون في ذهنهم هذا الموروث المقيت وينظرون إلى كل كردي بعين الريبة والشك ويسترجع لاشعوره المبني منذ الطفولة على العداء للكرد من قبل الفكر البعثي وهم الآن والشعب السوري عامةً يكتوون بنار مثل هذا الفكر العنصري الهدام للنسيج المجتمعي السوري المتنوع والجميل، وينسون أو يتناسون أن لنا تاريخاً مشتركاً مشرفاً يمتد بجذوره إلى الفتوحات العربية الإسلامية في بداية القرن الأول الهجري، وساهمنا معاً في بناء الحضارة الإسلامية في مختلف الجوانب الحياتية السياسية والعلمية والإقتصادية والعمرانية، وبطون المصادر العربية الإسلامية التاريخية حافل بالتاريخ المشترك للشعبين الجارين عبر هذا التاريخ الطويل وخاصة في العصر العباسي والذي أُعتبر اُوسُمي بـ(العصر الذهبي) حسب روايات كافة الباحثين الشرقيين والغربيين، كما أن كل مسلم يعتز ويفتخر بانتصارات القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي الكردي الأصل ضد الحملة الصليبية على الشرق المسلم وتحريره لمدينة القدس، ولقد دفع الكرد ثمن هذا الانتقام التاريخي من صلاح الدين بتمزيق جغرافيته من قبل سايكس/بيكو بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم التركة العثمانية فيما بينهم.  

كما أن الكرد وفي العصر الحديث ساهموا بفعالية في محاربة الفرنسيين حتى تحرير سورية مشاركة وقيادة أحياناً وطردهم 1946 وإعلان الاستقلال وشاركوا في معظم الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال عندما كانت الحالة الوطنية وليس القومية هي السائدة في المجتمع السوري.

ولم يكن هناك تكتل كردي محدد بعينه فلقد كان الكرد موجودون في قيادة حزب الشعب والكتلة الوطنية المتنافستين على السلطة في سورية آنذاك وكنا نجد قوائم انتخابية وطنية حقة أثناء المنافسة حيث كان الكرد والعرب والمسيحيين يضمهم قائمة واحدة في مقابل قائمة منافسة لهم ومن نفس المكونات.

لكن ومما يؤسف له فلقد تدخل العسكر في السياسة وبدأت بسلسلة من الانقلابات العسكرية توجت آخرها بسيطرة القوميين البعثيين على السلطة في سورية ومارسوا سياسة تدمير الحياة السياسية في سورية تدريجياً حتى تحولت سورية إلى دولة أمنية بامتياز مع نشر ثقافة إلغاء الكرد نهائياً من الحياة السياسية والثقافية معاً بالإضافة إلى زرعها لثقافة الكراهية ضدهم.

ومن المؤسف القول بأننا نعاني من تبعات هذه الثقافة مع بعض إخوتنا في قوى المعارضة للنظام وينتابهم هواجس (الانفصال الكردي) في مناقشة أي موضوع يتعلق بالقضية الكردية أو بالتصور الكردي لسورية المستقبل، ولقد جن جنون بعضهم عندما قرر الائتلاف أن يكون اسم سورية المستقبل اسم وطني (الجمهورية السورية) كما كان مستخدماً بعد الاستقلال واتهم قادة الائتلاف بالخيانة للعروبة، متناسين تماماً بأن الحالة القومية حالة طبيعية وقدر إلهي وليست مكتسبة ولا تستطيع قوة في العالم نزعها منه إلا عبر سيرورة اندماج تاريخي مجتمعي طبيعي خارج إطار جغرافية الشخص المعني وزمانه كما حصل للأيوبيين في البلدان العربية الذين اندمجوا مع العرب في تلك البقاع عبر العملية التاريخية الطبيعية الطويلة وليس بممارسة سياسة الإكراه. وكذلك ما حصل مع المهاجرين العرب إلى أمريكا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث اندمجوا مع المجتمع الأمريكي بشكل طبيعي.

إذاً وبما أننا نعيش عصر الثورة يفترض ويجب أن يطال التغيير كل شيء في ثقافتنا المورثة قبل أي شيء آخر وتقبل الآخر المختلف كما هو لا كما نريد سواء هذا المختلف أثني أو ديني أو طائفي وأن نبحث عن القواسم المشتركة لكل مكونات المجتمع السوري وأن نعيد كتابة تاريخ سورية بالاعتماد على تراثنا التاريخي المشترك والراهن وليس تغيير النظام فقط والإبقاء على الأمراض التي خلفها النظام وأن نؤسس لثقافة التسامح المجتمعي وأن لا نخلط المواقف السياسية المتباينة الآنية بين هذا الطرف وذاك فقد يتفقون غداً والمتفقون اليوم قد يختلفون غداً، هذه هي السياسة لا مستقر زماني لها لكن التعايش المجتمعي المشترك والإرث التاريخي المشترك والجوار الجغرافي والعلاقات الاقتصادية المتداخلة هي الثابت وهي الأساسي لذلك يتطلب منا جميعاً زرع المحبة بين المكونات المجمعية والابتعاد عن لغة وثقافة الكراهية ونبذها وهو الذي يجب أن يكون بوصلة عملنا المستقبلي لبناء سورية الجديدة لأنها وطن الجميع وتتسع للجميع.