الكنيسة الروسية وطائرات بوتين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6/10/2015
السورية نت
المؤلف: 

لبطريرك موسكو وعموم روسيا أن يؤيد قرارات رئيسه والأعمال التي يقوم بها كيفما يشاء. وله أن يقدم "مباركة" لقتال القوات الروسية في سورية. فهذا شأنه وشأن المؤسسات الدينية في بلاد "القيصر"، وعلى أرض سورية "الأسد للأبد"، حيث يصبح الدين وسيلة، وتصير المؤسسات الدينية مطية لإرادة الحاكم، تؤيده وتبارك أعماله وتبررها باستمرار. وتصبح منفذة للتعليمات والقرارات التي تأتيها من الفروع الأمنية. يصدق هذا على جميع الأديان وجميع الطوائف. وهو ما قام به البطريرك الموسكو في كيريل من خلال التصريحات التي نسبت إليه، وما فعله ويفعله عدد من رجال الدين المسيحيين والمسلمين في بلادنا أيضاً، عندما يقفون وراء الحاكم حتى عندما يكون مجرماً وقاتلاً وجزاراً لشعبه، وعدواً لله والإنسان. وليس المطران لوقا الخوري والمفتي أحمد سامر القباني ووزير الأوقاف في سورية إلا أمثلة فاقعة في هذا السياق.

وللسيد "تشابلين" الذي قدم كمصدر رفيع المستوى في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، أن يصدِّق أن "روسيا نشرت قواتها الجوية في سورية لمهاجمة تنظيم الدولة"، وأن هذا القرار "ينسجم مع القانون الدولي". رغم أن الوقائع على الأرض والتي نشرت وثائقها بالصوت والصورة تكذب ذلك. مثلما كذبته شهادات رسمية ومسؤولة من المجتمع الدولي.

أما أن يتحدث أحد باسم المسيحيين (الأرثوذكس) في سورية والمنطقة، أو نيابة عنهم، ويدَّعي بأن القرار الروسي يأتي لحماية "الضعفاء" مثل المسيحيين في الشرق الأوسط. ويهوِّل الأمر بالحديث عن حملة "إبادة" يتعرضون لها، فهذا أمر مرفوض ومستنكر ومدان. لأنه مجرد ترديد لدعاية كاذبة، أطلقها النظام السوري في مسعاه لصنع تحالف للأقليات في حربه التي يشنها على الشعب السوري منذ بداية الثورة.

وفي رد مختصر على تلك الادعاءات المسمومة والاجتراء السافر على المسيحيين في سورية، والتطاول على إرادتهم وخياراتهم الوطنية نقول:

- إن الإرهاب في سورية من فعل النظام وطبيعته أولاً، ومن إنتاجه واستيراده ورداً على أفعاله ثانياً. ومن لم ير هذه الحقيقة حتى الآن أعمى أو يتعامى. وما تعرض له المسيحيون من حوادث للعنف والإرهاب، كان جزءاً مما تعرض له بقية السوريين. إنه نصيبهم من الكارثة الوطنية التي سببها حكم آل الأسد لسورية. والمسلمون في بلادنا هم أكبر ضحايا الإرهاب. إرهاب النظام من جهة، وإرهاب داعش وأخواتها من جهة أخرى.

- إن إرهاب النظام هو الخطر الحقيقي على المسيحيين، والمسبب الأكبر لنكباتهم. فباسل شحادة استشهد بين الثوار في حمص المحاصرة بنيران صواريخ سكود. وبسام غيث قتل تحت التعذيب في سجون النظام. ونعى الثوار الأب فادي الحداد عند اغتياله كشهيد، وثبتوا اسمه في قوائم الشهداء. هؤلاء الضحايا جميعاً من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية. وماذا يقول السيد تشابلين الذي صدرت عنه تلك التصريحات، عندما يعلم أن غبرييل كورية – خليل معتوق – سالم مروش – نبيه وردة – جورج عبد اللطيف وعشرات غيرهم من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية معتقلون منذ سنوات في سجون النظام؟ وهل نذكِّره بالكنائس الأربعين التي دمرت كلياً، أو تضررت بعمق بسبب القصف العشوائي للمدن السورية؟ فما الذي تفعله القوات الروسية في سورية؟ هل تحارب الإرهاب حقاً، أم تعمل على منع انهيار النظام الإرهابي، وتدعم استمرار الإرهابين الفعليين على أعناق الشعب السوري؟!

- أما الحديث عن حرب "مقدسة" في هذا السياق وهذا العصر، فهو يدعو للاستنكار والاشمئزاز. كنا نعتقد أن مفاهيم كهذه عنصرية ومضللة وباطلة مضت إلى غير رجعة مع اندحار مشروع الفرنجة (الصليبيين) في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الماضيين. وللعلم فإن حربهم "المقدسة" بدأت ضد الكنائس الأرثوذكسية في القسطنطينية وأنطاكية، قبل أن تصل إلى بيت المقدس لتواجه العرب والمسلمين. وللعلم أيضاً، وقف المسيحيون في المشرق العربي ضد الفرنجة وراء القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي هزم ذلك المشروع وحربه المقدسة، وأعاده من حيث أتى، يجر ذيول الخيبة والعار.

- مضت رسالة التبرير والتحشيد والاستفزاز التي حملتها كلمات تشابلين إلى حد اعتبار المسيحيين "ضعفاء" في الشرق الأوسط، ويتعرضون لحملة إبادة. ويعرف العالم أجمع أن المسيحيين في سورية ما كانوا يوماً ولن يكونوا ضلعاً قاصراً. فهم بناة وطن على أرض آبائهم وأجدادهم، يشاركون هذه المهمة إخوتهم المسلمين من جميع الطوائف منذ خمسة عشر قرناً. وشركاء في بناء الدولة الوطنية السورية التي نشأت بعد الاستقلال على قاعدة المواطنة. لا يعتبر المسيحيون أنفسهم أقلية ولم يكونوا كذلك. ولا ينظر إليهم مواطنوهم المسلمون كأقلية أيضاً. فهم شركاء الألم والأمل، وحملة الهم والمعاناة والمصير المشترك. فعن أي ضعف يتحدث المتحدثون؟ وأين هي حملات الإبادة التي تعرضوا أو يتعرضون لها. الضحايا المسيحون بيد النظام أكثر عدداً من ضحاياهم بيد داعش. وهذا واقع الحال بالنسبة للسوريين جميعاً. فقد قتل النظام منهم أضعاف مضاعفة مما قتلت منظمات الإرهاب الأخرى.

ومع احترامنا لآباء الكنيسة في كل مكان. فإن للسوريين الأرثوذكس كنيستهم الوطنية المستقلة. وهي كنيسة رسولية، أسست الرسالة المسيحية في هياكلها وبين أعمدتها، وحملتها إلى روسيا وبقية أنحاء العالم. ولهم بطاركتهم أيضاً. كان منهم البطريرك غريغوريوس حداد، الذي رفض استقبال الجنرال غورو قائد جيش الاحتلال الفرنسي عام 1920. ويقول العلامة الشيخ بدر الدين الحسني: إن "خمسين ألف مسلم شارك في تشييع البطريرك عند وفاته عام 1928، وأراد المسلمون الصلاة عليه في الجامع الأموي. وهتفت الجماهير في جنازته، مات أبو الفقير بطريرك النصارى وإمام المسلمين، نزلت بالعرب الكارثة العظمى".

لم يكن للسوريين المسيحيين عبر التاريخ أي قضية خاصة خارج القضية الوطنية العامة للشعب السوري. ولم يكن لديهم مظالم أو مطالب خاصة بعيداً عن مطالب شعبهم في الحرية والكرامة. وهم مثل المسلمين، يريدون خروج جميع القوات الأجنبية وكل الغرباء من بلدهم، ويعملون من أجل إسقاط نظام الطائفية والإجرام وفتح الباب أمام ولادة سورية الجديدة وطناً حراً لكل أبنائها.

أيها السادة في روسيا الاتحادية، لكم أن تؤيدوا قتل السوريين إذا أردتم، لكن اتركوا المسيحيين السوريين وشأنهم، فهم بخير .ارفعوا أيديكم عن سورية ، هذا ما يريدونه ليكونوا بخير أعظم .

تعليقات