اللجوء السوري والمعادلة الأحادية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

القدس العربي
المؤلف: 

أسوأ زوايا النظر إلى مسالة اللجوء السوري في تركيا، هي تلك التي لا تبصر سوى معادلة أحادية، سياسية وإيديولوجية في آن معاً، مفادها ببساطة: حكومة رجب طيب أردوغان، و”حزب العدالة والتنمية” استطراداً، تساند اللاجئين السوريين؛ وأمّا المعارضة، وعلى رأسها “حزب الشعب الجمهوري”، فإنها تتخذ موقفاً معاكساً، وتضيّق الخناق على اللاجئين السوريين، وتطالب بترحيلهم.

لكنّ الواقع الفعلي على الأرض يتضمن قسطاً نسبياً من طرفَيْ هذه المعادلة، إذْ لا يخفى أنّ الكثير من القوانين والتدابير الإدارية التي اتخذتها حكومات “العدالة والتنمية” المتعاقبة خدمت اللاجئ السوري؛ ولا يخفى، في المقابل، أنّ المعارضة كانت ستتخذ، راغبة أم مضطرة، مسارات مشابهة لو أنها كانت في الحكم وتتحمل مسؤولية القرار. هذه خلاصة موضوعية لا يتوجب القفز عليها بدافع من التعاطف مع “العدالة والتنمية” أو النفور من المعارضة، فالحقائق على الأرض، ومثلها الإحصائيات الديمغرافية والمعطيات الاقتصادية ومؤشرات سوق العمل، تذهب جميعها إلى تأكيد الخلاصة إياها.

صحيح، على سبيل المثال الأحدث، أنّ ملفّ اللجوء السوري كان أحد أبرز الأركان الاجتماعية ــ الاقتصادية، ثمّ تلك السياسية بالضرورة، وراء الفوز (المزدوج، للتذكير!) الذي حققه أكرم إمام أوغلو في انتخابات بلدية اسطنبول؛ إلا أنّ برنامج الرجل لم ينهض على بند الترحيل الفوري للاجئين السوريين، أو حتى الترحيل المبرمج؛ ليس لأنّ تعهداً كهذا لن يكون واقعياً وصعب التنفيذ فحسب، بل كذلك لأنه يناقض النبرة الإنسانية العامة التي طبعت مجمل برامج إمام أوغلو بصدد اللجوء واللاجئين. كان طبيعياً، في المقابل، أن يحفل برنامجه بالكثير من نقاط الانتقاد لسياسات الحزب الحاكم في هذا الملفّ الحساس، وإنْ لم يكن هذا دور أيّ مرشح معارض، فما الذي كان سيبرر نجاحه في هزيمة بن علي يلدريم، رجل أردوغان وآخر رؤساء الحكومة في تركيا!

مثال آخر حديث العهد بدوره، جاء من السلطة الحاكمة هذه المرّة، وعلى لسان أردوغان نفسه، ثمّ وزير الداخلية، وانطوى على مقررات جديدة تستهدف تنظيم حياة اللاجئين السوريين في تركيا؛ لجهة الإقامة، والطبابة، والتعليم، وتراخيص العمل، وسواها. ولا ريب في أنّ هذا التوجّه يتوخى تعديل بعض السياسات التي استفادت المعارضة من نقدها في انتخابات اسطنبول، وكان من الحمق ألا يبصرها أردوغان وحزبه، بمفعول رجعي أيضاً، وألا تُتخذ كلّ الخطوات اللازمة لتفادي استمرار آثارها السلبية في أيّ استحقاق انتخابي مقبل.

تبقى سلسلة معطيات يتوجب أخذها بعين الاعتبار عند مناقشة مسألة النزوح السوري في تركيا، على رأسها تفاصيل الأرقام والإحصائيات التي تقول إنّ في تركيا اليوم قرابة 2,1 مليون نازح سوري في سنّ العمل (15ــ65 سنة، وفقاً لتصنيف معهد بروكنغز)؛ وأنه، في غياب إحصائيات رسمية، ثمة 500 ألف إلى مليون سوري من العاملين في قطاعات النسيج والألبسة والتعليم والبناء والخدمات العامة والزراعة. غير أنّ وزارة الداخلية التركية لا تسجّل إلا 65 ألف إذن بالعمل، الأمر الذي يشير إلى الهوة الفاغرة بين سوق عمل مرخصة وأخرى سوداء، وما تنطوي عليه السوق الثانية من تدنٍّ في شروط الشغل والأجور.

وهذه معطيات يتوجب أن توضع على خلفية المتاعب التي يعاني منها الاقتصاد التركي، الذي لم يسجّل في سنة 2018 معدّل نموّ في الناتج القومي يتجاوز 2,6%، مقابل 700 ألف مواطن يدخلون سوق العمل سنوياً، ونسبة بطالة بلغت 13,7 في الربع الأوّل من العام 2019. ليس غريباً، والحال هذه، أن تقفز قضية النزوح السوري إلى الصدارة في برامج الأحزاب السياسية، وأن تصبح عنصراً إشكالياً في النقاش السياسي داخل الفضاء الشعبي العريض إلى درجة أنّ أحدث استطلاع للرأي قامت به جامعة قادر حاس في اسطنبول أشار إلى نسبة 67,7% من المطالبين بترحيل اللاجئين السوريين.

وعلى نحو أو آخر، ليس تطوراً استثنائياً أن يتحوّل اللجوء السوري إلى مسألة تركية داخلية لا يصحّ، بالتالي، النظر إليها من زاوية أحادية؛ تهلل لهذا الطرف تارة، أو تلعن ذاك طوراً.

تعليقات