اللجوء والهجرة القسرية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

قبل عشرين عاماً، أي في عام ١٩٩٤، وهو عام ولادة ابني رامي، جاء قادماً من سوريا لزيارتنا أم زوجتي ووالدها، لتكون الأم بجانب ابنتها في لحظة الفرح والألم الأكبر بالنسبة للنساء؛ لحظة الإنجاب. حيث تؤكد المرأة سيادتها وكونها أصبحت أماً عبر "الألم"، الذي وعدها به الله عندما أخرجها وآدم من الجنة.
كنا دون عمل أنا وزوجتي، ونعيش على المساعدة الاجتماعية التي تقدمها الدولة للعاطلين عن العمل دون منّة، فهو واجبها كدولة، وحقنا كمواطنين، ولم يكن للون بشرتنا علاقة بذلك، كما ذهب إليه أحد الصحفيين اللبنانيين، الذي ربط سواد شارع الحمرا البيروتي بكثافة وجود السوريين العاطلين عن العمل هناك، أو بلونهم المفترض، لذلك كنا حذرين جداً في مصروفنا، فبالكاد كنا نستطيع تأمين ثمن الخبز في الأيام الأخيرة من كل شهر.

كان عمي وزوجته يعرفان تواضع حالتنا المادية، إن لم أقل فقرنا، لذلك فقد حسب الرجل هذا الحساب، وأحضر معه مئات الدولارات للعيش ومساعدة ابنته وعائلتها، على الأقل خلال فترة وجوده وزوجته في مونتريال، في بيتنا. كان ما أحضره معه من مال يعتبر تضحية كبرى منه، فقد باع سيارته التي كان مجرد وجودها متوقفة أمام باب بيته يُعتبر دليل ثراء أو وجاهة، في أضعف الإيمان، يرفعه وجودها من طبقة الفقراء إلى الطبقة الوسطى في نظر المارة، عدا عن الخدمات التي كانت تؤديها له في تنقله في حال توفر البنزين، ليكتشف في مونتريال أن تضحيته تلك لا قيمة لها، وأن ما جمعه من مال وأحضره معه لا يتجاوز الثلاثة آلاف دولار، هو كل ما استطاع توفيره طوال حياته، ولكنه راتب شهر واحد، أو أقل، لأحد أبناء الطبقة الوسطى في مونتريال.

 

ولما كنت عربياً، وأمينا مع ثقافة الكرم التي هي جزء من تربيتنا اليومية، فقد قمت بكل واجبات الضيافة المفروضة، من تسوق وزيارات وشراء بعض الهدايا، بعضها كان من البالة ، يعزز هذا الواجب ثقافة مسيحية شرقية (أقلياتية) تساير الحاكم اتقاء شره، فكيف إذا كان الحاكم هو الزوجة التي أنجبت قبل أيام ولي العهد الثاني!؟

المهم أن سعادتي بقدوم المولود الجديد، وخلاص زوجتي بالسلامة، اختلطت مع سعادتي وفرحتي بقدوم حماتي وحماي، ونحن الذين كنا نشعر أننا وحيدون وفقراء في هذا المنفى الكندي، وإذ بنا نستقبل في بيتنا المونتريالي المتواضع، المخصص أصلاً لعائلة لا يتجاوز عدد أفرادها الأربعة أشخاص، نفرين إضافيين، يحتاجان على الأقل إلى غرفة مع سرير عريض وكل مستلزمات النوم من أغطية ومخدات و"شحاطات"، وإلى كرسيين في المطبخ وصحنين وملعقتين وكأسين، والأخطر من ذلك كله أن بيتنا كان فيه حمام واحد، وعلينا الانتظار "بالدور" في أوقات الذروة، وخاصة صباحاً، مما ساهم لاحقاً في توتير الأجواء. ولا أنكر هنا أن "بيت حماي" لم يكتفوا بإرواء ظمئنا عاطفياً، وإنما عملت حماتي مع ابنتها على تزويد برادنا بما كان ينقصه من مواد غذائية، كل أسبوع، طوال فترة وجودهما معنا.

 

مع نهاية الأسبوع الأول للزيارة السورية، ارتوينا عاطفياً، وانتهى الشوق الذي ولدّه الفراق مدة أربع سنوات، فلم نهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تغيرت في حياتنا أنا وزوجتي نتيجة قدوم الطفل وأهلها، فقد كان في حياتنا اليومية ما هو أهم من الانتباه للزحمة في البيت وعلى طاولة السفرة في المطبخ، ولشخير عمي ليلاً.

مع بداية الأسبوع الثالث كانت زوجتي قد بدأت تتحرك بحرية داخل البيت وخارجه، وبشكل خاص ترافق أمها وأباها في زيارتهما إلى الأماكن التجارية المسلية من جهة وللبحث عن هدايا لأولادهما في سوريا. في نهاية الشهر الرابع بدأنا نلاحظ تدخلاً أكبر من الأهل في نقد سلوك الطفل الكبير، والذي كان قد بلغ من العمر تسع سنوات، فهو لا يقبل طريقة تعامل جدّيه السورية معه، فبدأ صوته يرتفع ضدهما، كما بدأ يرفض الأكل الذي تحضّره جدته للبيت، ويرفض ترك التلفزيون لجده الذي كان يريد متابعة الأخبار، بينما كان الولد يتابع منذ سنوات برامجاً للأطفال بعينها، كل ذلك جعل جو البيت مشحوناً بالتوتر، وبدأت العيوب تتوضح، عيوبنا "الغربية" المكتسبة حديثاً، وعيوبهم السورية التي لم نعد نتحملها بعد سنوات الهجرة التي مرت علينا ونحن في كندا.

 

في نهاية الأسبوع الثامن للزيارة، سمعت صوت زوجتي يرتفع في وجه أمها، وفي مرة أخرى في وجه أبيها، لم أحاول معرفة الأسباب المباشرة لذلك، فهي معروفة أو أستطيع تقديرها أو تلخيصها بضيق المكان والضيق المادي، وتغيير العادات، ونمط البناء للبيوت، واختلاف الثقافات في الأكل والشرب ومعالجة مشاكل الحياة، كل ذلك وأشياء أخرى كثيرة، وقد تكون صغيرة وغير محسوسة، ولكنها تفعل فعلها في شحن الأجواء وزيادة نسبة التوتر بين ساكني البيت نفسه. إحدى المرات خرجنا أنا وزوجتي مع الطفل لزيارة الطبيب، وتركنا الولد الكبير مع جده وجدته في البيت، قالت لي، وكنا لوحدنا لأول مرة منذ أسابيع: "لقد ضاقت أخلاقي من أهلي، متى سيسافرون؟"، قلت لها: "بقي أربعة أسابيع في إقامتهم، فحاولي الاحتفاظ بهدوئك، ولا تقومي بعمل أخرق تندمين عليه طوال عمرك".

قالت لي منفعلة: "إنهما يعتقدان أن بطاقة الصراف الآلي يمكننا استخدامها دائماً، ولا يستوعبون أننا نضع راتبنا في البنك قبل استخدامها، بل إنهما يظنان أننا نكذب عندما نقول لهما أننا فقراء، ولا مال لدينا، وما تعطيه لنا الدولة لا يكاد يكفي أجرة البيت وثمن الطعام، أصبحت أنتظر بفارغ الصبر رحيلهما، صحيح هم أهلي، ولكنني تعبت".

 

كنت أكتب هذه المادة لموقع السورية نت، عندما كتب الصحفي اللبناني حسين حزوري مادته في جريدة النهار عن شارع الحمرا البيروتي، وكيف أن اللبنانيين قد اختفوا أو تقلص عددهم أو تراجع وجودهم في الشارع الأشهر في لبنان. وقبل ذلك بقليل كان صدور تعليمات بشأن دخول السوري إلى لبنان، وحاجته إلى الحصول على تأشيرة دخول، بالإضافة لسماعي لعشرات القصص عن سوء تصرف بعض السوريين في لبنان، من قبل صديقات وأصدقاء لبنانيين يحبون السوريين ويدافعون عنهم، ويبحثون عن المبررات لسلوكهم. وكنت أحد الذين هاجموا النبرة العنصرية البادية في مقال ذلك الصحفي، وسخر منها، ولكني وقد استحضرت من الذاكرة ما حدث في بيتي، ومع أهلي، فقدت وجدت العذر لبعض ردات الفعل اللبنانية أو التركية أو المصرية أو الأردنية ضد وجود السوريين الكبير في هذه المجتمعات. صحيح أن الحل ليس في رميهم في البحر ولا التعامل معهم بعنصرية، وإنما في البحث عن حلول تضمن كرامتهم وإنسانيتهم، وتشير إلى السبب الحقيقي لمأساتهم، فبدون معرفة المسبب الحقيقي للجوء السوريين وتركهم لوطنهم ومنازلهم، لن نستطيع مساعدتهم ومساعدة أنفسنا، ويكفي أن ننظر إلى المآسي اليومية التي يعيشها السوري، والموت اليومي والقتل الذي يمارسه النظام الأسدي القاتل بحقهم، حتى نعذرهم.

أما بالنسبة إلى السوري، فيكفي أن أقول له: "تصور أن على مائدة كل بيت لبناني مكون من ثلاثة أشخاص، شخصاً سورياً يأكل ويشرب وينام منذ ثلاث سنوات، ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانه؟؟".