اللغة والصداقة والسياسة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/1/2015
السورية نت
المؤلف: 

قبل عدة أيام قررت أن أخرج وحيداً إلى أحد المراكز التجارية لتناول فنجان من القهوة، ولتأكيد عودتي إلى المدينة بعد غياب دام أربعة أشهر أمضيتها في ديار "بني عثمان". اخترت منضدة في زاوية المقهى، بعيداً عن صخب فترة الغداء. كان إلى جانبي طاولة يشغلها شابان يتكلمان العربية بلهجتين مختلفتين، إحداهما سورية والأخرى لبنانية، فالتقطت أذناي، وللحيطان آذان، جزءاً من الحوار الذي كان يدور بين الاثنين عن تعلم اللغة الفرنسية. عرفت أن صاحب اللهجة اللبنانية يحاول تعليم الآخر نطق بعض الجمل الفرنسية كما هي، ولكنه يكتبها له بالحرف العربي، بعد قليل من جلوسي، استعد "المعلم" للانصراف، فوقف قائلاً: للمرة العاشرة أقول لك إن هذه الطريقة غير مفيدة، وإن عليك الذهاب إلى المدرسة أو أن تعيش مع صبية كيبيكية، إذا كنت تريد تعلم الفرنسية، بالفرنسية، كما العربية، تتألف من فعل وفاعل واسم، ويجب أن تعرف دور كل واحد وطرق استخدامه. قال الآخر، والذي أزاح من أمامه كدسة من الأوراق: فهمت عليك، أنت تتكلم عن "الـ" التعريف و حرف الجر...والمذكر والمؤنث.  

ابتسمت، وأنا الذي قد لا أعرف الفرنسية، نسبياً، أكثر من هذا المهاجر الجديد أو اللاجىء الجديد، ولكن الواقعة ذكرتني بحوار قديم جداً دار بيني وبين أحد المهاجرين الذي صرف عدة سنوات من عمره المهجري في العمل الثقافي والاجتماعي، ووصل إلى نتيجة قريبة من النتيجة التي وصل إليها السوري طالب الفرنسية، وخاطب ودها بالواسطة، إنما في مجال آخر، قال لي حينها: أنا شخص بسيط، أعيش الحياة بأقل ما يمكن من التعقيد، وقد علمتني تجاربي أن ألجأ إلى اختيار كلمات بسيطة واضحة عندما أريد التحدث إلى صديق أو عدو، أو إلى أي شخص آخر، أستخدم لغة سهلة أقرب ما تكون للحياة اليومية العادية، خالية من التقعير أو التعقيد، والتي يلجأ إليها البعض لشدّ الانتباه إليهم، لغة بعيدة عن المجاز والتلميحات والتشبيهات التي يلجأ إليها عادة من يريد التهرب من مواجهة الوقائع بأسمائها، أو المحققون الذين يريدون إدانة ضحيتهم ولا يملكون المستندات اللازمة لذلك. ولغتي عادة عارية من المفاهيم النظرية والمجردات التي يغرم باستخدامها المثقفون وأصحاب المشاريع الفكرية الكبرى، والتي تعطيهم إمكانية تفسيرها كما يرغبون، والقفز من موقع إلى آخر دون حرج أو تردد، كما تمنحهم حق الامتياز بمصادرة آراء الآخرين وتتفيهها.
تابع المهاجر، على قدر ما تسعفني ذاكرة تشيخ مثل صاحبها، قائلاً: كل ذلك حرصاً مني على إيصال فكرتي كما أريدها، محاولاً استبعاد التفسيرات الخاطئة التي قد تنشأ عند محدثي، ولكن للأسف، وأقولها بمرارة، اكتشفت عقم محاولاتي، فأعدت حساباتي وقررت اللجوء إلى أسلوب أكثر تبسيطاً، فحواه أن أكرر الكلمة الواحدة عدة مرات، مع استخدام اليدين والعينين، وكل الوسائل التوضيحية المتاحة، وأن لا أتكلم في الجلسة الواحدة أكثر من بعض الجمل المفيدة حول موضوع واحد، كي لا يحدث خلط مقصود أو عفوي عند مستمعي أثناء إعادة روايته لحديثي أو نقل رأيي لآخرين.

في ذلك الزمن، أكبرت حرص المهاجر على الدقة، ورغبته في أن يَفهم ويُفهم، وإن كنت قد لمته على تباسطه المبالغ فيه، وأصبحنا مع الزمن صديقين حميمين، نتسارّ في كل الأشياء، بل إننا اعتدنا عندما نكون معاً أن نفكر بصوت عال دون حرج، مسقطين من حساباتنا احتمال سوء الفهم، أو التفسير الخاطىء لمقاصد كلامنا، أكان الكلام يتناول شخصاً أو موقفاً. وجرت الأيام بيننا كما تجري عادة بين صديقين يحاولان الوصول إلى أكبر قدر ممكن من نقاط التقاطع، محددين نقاط الاختلاف ومحاصرينها، حرصاً منا على صداقة ناجحة، تخفف قسوة الهجرة، وخاصة في سنواتها الأولى، والحنين إلى الوطن وفقدان الأهل والأصدقاء، إلا أننا اكتشفنا بعد زمن أن حواراتنا ولغتنا التي تظاهرنا أنها كانت شفافة وبسيطة، وحنيننا ومفردات شوقنا إلى الوطن، كان كل ذلك كي يأخذ معانيه الحقيقية ينقصه وضوح التاريخ الشخصي لكل منا أمام صديقه الآخر، كما كان ينقصه أيضاً الأخذ بعين الاعتبار حالة الهجرة أو اللجوء بحد ذاتها، والتي تعطي الحق لكل مهاجر أو لاجىء أن يقدم نفسه كما يشاء، ويصنع تاريخه الذي يرغب، إلى وقت يطول أو يقصر، حسب مواسم تراكم الثلوج وذوبانه قبل أن نرى العشب و"الشورت".

كانت صداقتنا وما آلت إليه، كالحديث الذي دونته في البداية، والذي دفعني للابتسام، فقد اكتشف كل منا بعد ذوبان "الثلج" أنه عندما كان يقول جملة مفيدة مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، كان الآخر يفهم منها "الـ" التعريف أو حرف الجر، هازاً برأسه علامة الفهم، ثم يعيد تركيب الجملة على طريقته، قبل أن تستقر في ذاكرته المثقوبة.

لم يكن الفرق الزمني كبيراً بين حصول هذه الواقعة وبين ما رأيته وسمعته وعشته مع السوريين في اسطنبول، إنها ٢٥ سنة فقط، أنجزت خلالها البشرية من تقدم تكنولوجي أكثر مما أنجزته خلال ملايين السنين من عمرها، بينما بقيت لغة السوريين طوال هذه السنوات، وخاصة لغة المعارضين، متوقفة عند التعاطي مع حرف الجر و"الـ" التعريف في الحياة السورية التي دمرها ابن الأسد أثناء محاولة السوريين تجاوز عبوديتهم، وقد يحتاجون قريباً إلى لبنانيين وإيرانيين وروس وأمريكان لتعليمهم لغة جديدة مُحطمةً للقواعد وأصول النحو فيها.