الليرة السورية في أدنى مستوياتها.. لماذا يعجز النظام عن مواجهة التدهور المُتسارع؟

صورة لرأس النظام بشار الأسد في دمشق - إنترنت
سبت 30 نوفمبر / تشرين الثاني 2019

 

خسرت الليرة السورية، المزيد من قيمتها أمام العملات الأجنبية، إذ بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق، مع وصول سعر الصرف، لنحو 820 ليرة للدولار الواحد، اليوم السبت، مما شكل حالة من الجمود في الأسواق، وسط صمت متواصل للبنك المركزي التابع للنظام، الأمر الذي اعتبره مراقبون اقتصاديون، أنه يكشّف عجز نظام الأسد عن التدخل لإنقاذ الليرة، و عدم امتلاكه سلطة نقدية أو مالية قادرة على التدخل المستقبلي.

وحتى ظهر اليوم، وصل سعر صرف الدولار في السوق السوداء في دمشق إلى 820 ليرة شراء، و825 ليرة للمبيع، حسب منصة "الليرة اليوم"، فيما وصل في إدلب إلى 810 ليرة مقابل الدولار الواحد.

كما سجل لأول مرة في تاريخ سورية، سعر غرام الذهب 32,000 ألف ليرة عيار الـ21 في ارتفاع وصف بـ "الجنوني والمُرعب"، من قبل الصفحات الموالية للنظام.

ووفقاً لـ"رويترز"، فإن أزمة لبنان المالية، ألحقت ضرراً شديداً باقتصاد سورية، عبر تجفيف منبع حيوي للدولارات ودفعت الليرة السورية إلى مستويات قياسية منخفضة.

وأضافت الوكالة أن اقتصاد سورية، الذي تحجبه عقوبات غربية عن النظام المالي العالمي، يعتمد على الروابط المصرفية مع لبنان، للإبقاء على أنشطة الاعمال والتجارة منذ أكثر من ثمانية أعوام.

لكن في الوقت الذي تفرض فيه البنوك اللبنانية قيوداً مشددة على سحوبات العملة الصعبة، والتحويلات النقدية إلى الخارج، يتعذر وصول أثرياء سوريين إلى أموالهم، إذ أنه وبحسب ثلاثة رجال أعمال وخمسة مصرفيين في دمشق وفي الخارج، فإن تدفق الدولارات إلى سورية من لبنان شبه متوقف.

وقال مصرفي لبناني بارز، يتعامل مع حسابات أثرياء سوريين لرويترز: "تلك الودائع حبيسة الآن. يمكنك تصور تبعات ذلك، و التي تبدأ بالظهور على السطح في الاقتصاد السوري".

وأشارت الوكالة إلى أن الليرة السورية، هوت بنسبة ثلاثين بالمئة في الأسابيع التي تلت تفاقم أزمة لبنان الاقتصادية في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد موجة الاحتجاجات المناهضة للحكومة اللبنانية.

ويعيش الكثير من السوريين من أبناء الطبقة المتوسطة، على فوائد مدخراتهم في لبنان، إذ أكد خليل توما، رجل الأعمال السوري الذي مقره دمشق للوكالة: "كان السوريون الذين يعتمدون على فوائد ودائعهم ينفقون بعضها داخل سوريا. هناك آلاف توقفوا الآن عن جلب دولاراتهم من لبنان، وهو ما يقلل المعروض من الدولارات".

وكان رأس النظام بشار الأسد، علّقَ أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، خلال لقاء مع قناتي (السورية والإخبارية السورية)، على الوضع الاقتصادي والخدمي والمعيشي، وسعر صرف الليرة وآليات تحسينه، بقوله إن "الحصار يؤثر على واردات الدولة من الدولار أو من العملة الصعبة بشكل عام".

واعتبر وقتها أن "هناك لعبة مضاربات على سعر صرف الليرة السورية تجري من داخل سورية ومن خارجها. وهناك لعبة المضاربات التي تحصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي".

وفي السياق، أكد ناشطون محليون، أن حالة من الجمود والشلل ضربت أسواق العاصمة دمشق، نتيجة تضارب سعر الصرف، وتخوف التجار من حالة انهيار كبيرة لليرة، وسط ترجيحات بأن تصل إلى الألف، مما يعني انهيار القدرة الشرائية للأهالي.

هل يصل السعر لـ1000 ليرة؟

من جانبه، اعتبر أسامة القاضي، وهو  رئيس "مجموعة عمل اقتصاد سورية"، أن "الوضع الحالي لليرة، نتيجة طبيعية لحال الواقع الكارثي للاقتصاد السوري والهبوط الحاد لعرض السلع والخدمات، و انخفاض الطلب الكلي فضلاً عن البيئة غير الآمنة، مشيراً إلى أن "ما من شك أن الوضع الاقتصادي ‏الخانق في لبنان ضغط على التجار السوريين لشراء العملة الصعبة من السوق السوداء في سورية، بعد أن حال المصرف المركزي اللبناني بينهم وبين اموالهم المودعة في المصارف اللبنانية".

‏وبيَنَ القاضي، أن "الضغوط على الليرة السورية ازدادت حدة مع الثورات التي انطلقت في العراق وإيران، لأنهما الدولتان اللتان كانتا تدعم سورية، و هما الآن في ظرف يصعب معه الوقوف إلى جانب النظام السوري في محنته، وأعتقد أن الهبوط القادم لليرة قد يكون أكثر تسارعاً".

وحول عجر النظام عن مواجهة الانهيار المتسارع لليرة، قال ذات المتحدث، إنه و"بالنظر لقرار المصرف المركزي  بالامتناع عن التدخل مرغماً بسبب الضغط الهائل على مايملكه من عملة صعبة بسبب قحط العملة الصعبة لدى المصرف المركزي بسبب الضعف الكارثي لما تبقى من اقتصاد سوري، وبسبب حالة الغليان في لبنان والعراق وإيران وكلها كانت تساند النظام بشكل او بآخر، ولكن الرقع اتسع على الراقع وسقف الألف ليرة للعملة ليس بعيداً كثيراً عن الواقع، وقديماً وعد حاكم المصرف المركزي بعدم تجاوز سقف ال٣٠٠ ليرة واليوم المصرف المركزي مُصر على أن سعر الصرف ٤٣٤ ليرة ولكن واقع الحال ان السعر تجاوز ال٨٠٠ ليرة للدولار".

وختم القاضي حديثه لـ"السورية.نت"، بأنه وفي "واقع الأمر، وفي ظل الإجراءات الأخيرة للمصرف المركزي بتحديد سقف السحب اليومي بعشرة مليون ليرة (١٢ الف دولار) سيسبب فزع أكبر للحركة الصناعية والتجارية البسيطة وسيتسبب في السعي لسحب أكبر كم من الارصدة وتحويلها الى عملة صعبة وتهريبها، ولن يعدم التجار وسائل تحايل ليسحبوا ما يشاؤوا في ظل اجواء الفساد المتضخم على مدى خمسة عقود".

بدوره يرى فراس شعبو، الحاصل على دكتوراه في العلوم المالية والمصرفية، في تصريح لـ "السورية نت"، أن "الليرة السورية دخلت منذ الثورة السورية في نفق مظلم، ويزداد تدهوراً بشكل متسارع في الفترة الأخيرة، وأنا لست مع مصطلح انهيار لأن الانهيار هي عندما نصل إلى ارقام مرتفعة جداً، وإنما نحن في مرحلة تدهور في قيمة الليرة، نتيجة كثير من العوامل منها السياسية والاقتصادية وعسكرية ومنها ما يتعلق بالوضع الخارجي".

 وأضاف شعبو:"تبين أن النظام غير قادر على التدخل في دعم الليرة السورية، وإنما من كان يتدخل ويضخ الدولار، هو و مجموعة من البنوك المحيطة في الدول المجاورة وخاصة في لبنان عندما كان كثير من المستثمرين يعتمدون على الدولار في معاملاتهم في الاستيراد والتصدير من خلال لبنان، وعندما توقفت البنوك اللبنانية اضطروا إلى سحب الدولار من السوق السوداء مما زاد الطلب عليه وارتفاع قيمة الدولار".

لا سلطة نقدية ولا مالية

وحول الرؤية المستقبلية لانهيار الليرة السورية، اعتبر شعبو أن "الوضع كارثي إذا لم يحدث التدخل، لكن اعتقد أنه لا يوجد سلطة نقدية ولا مالية فعالة لها القدرة على التدخل. بعد أسابيع من التدهور ما يزال المركزي لم يُصرح أو يتدخل أو يعطي أي مبرر، كما أن سعر الليرة في المصرف المركزي بعيد عن الواقع وهو مؤشر أنه ليس لديه قدرة على التدخل".

ونوه الخبير الاقتصادي إلى أن "النظام لا يمتلك الاحتياطيات الكافية للتدخل وهو يحاول دفع رجال الأعمال للتدخل"، مشيراً إلى أن "الأمور ستنعكس فقط على الأهالي كون تلك الأنظمة تستطيع العيش مع حالة تلك التدهور لليرة".

حل سياسي

وألمح شعبو إلى أن "انتعاش الوضع الاقتصادي بسورية بحاجة إلى حل سياسي وبدون الحل السياسي، فإنه لا يمكن تقديم أي رؤى اقتصادية على الواقع السوري، في ظل اقتصاد يؤجرُ ويُباع لبعض الجهات، وبالتالي لا يوجد مكون اقتصادي سليم في سورية، وحتى لو استطاع المصرف لفترة معينة ضبط أسعار الصرف أو خفضها قليلاً فإنها ستعود لمستويات تتجاوز الألف".

ولم يعلق البنك المركزي التابع للنظام، على انهيار الليرة، كما يبدو أنه لم يُفلح ما سمي بـ "الاجتماع استثنائي"، قبل شهرين، الذي عقده عدد من أثرياء سورية، وحضره حاكم "المركزي"، حازم قرفول ، بهدف "تعزيز العملة الوطنية"، حيث تم الإعلان دفع أكثر من 10 ملايين دولار لدعم الليرة.

واتفق وقتها خلال الاجتماع المغلق، والذي استمر نحو ساعتين، على أن يتم دفع المبالغ تباعاً، و"بسعر تدخلي يحدد كل يوم بهدف زيادة سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار" كما ذكرت غرفة تجارة دمشق.

وضم الاجتماع "حيتان الاقتصاد" الموالين للنظام، وهم سامر الفوز، ومحمد حمشو، ووسيم القطان، والأخوين براء وحسام القاطرجي، إضافة إلى رئيس اتحاد غرف التجارة السورية غسان القلاع، وغيرهم.

المصدر: 
السورية نت