المؤامرة المستمرة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/7/2015
السورية نت
المؤلف: 

في إحدى المساهمات العلمية في مؤتمر دولي جرى في دولة عربية، وفي نهاية إحدى مداخلاتي عن الحدث السوري، وبعد 40 دقيقة من العرض التحليلي والموثّق بعيداً عن الخطابية والاستعطاف، طلب أحد "أساتذة" التاريخ من الحضور التعقيب، فكان له هذا. وقد انتصب في القاعة كيوليوس قيصر راسماً على وجهه ابتسامة صفراء تنمُّ عن الاستعداد لهجوم تمهيدي يسعى الى دحض ما استخلصه الحاضرون من مداخلتي وتفنيده. ولتكتمل الصورة، نظر الى الحضور نظرة "الفاتح" قائلا : "أنت حفيد عبد الرحمن الكواكبي أليس كذلك؟". وعلى الرغم من استغرابي للسؤال في محاضرة لا علاقة لها بالمرحوم، إلا أنني "اعترفت" بالحقيقة وقلت نعم. فازدادت نشوته الظاهرة وتوسّعت ابتسامته، ليضيف: "نُمي إلينا بأنه أقام بين 1898 و 1902 في القاهرة، أليس كذلك؟". فأجبت مستمراً بالاستغراب بأن ما نُمي إليه دقيق، جزاه الله كل خير وذكاء لمّاع، ولكن أين هو السؤال بالتحديد أيها السيد "المثقف" والمطّلع تاريخياً ؟ فازداد اتساع ابتسامته حتى كادت ان تخرج عن سيطرة فمه العريض، وختم بالسؤال/المعجزة : "أجبنا بصراحة، من موّل إقامته إبان تلك الفترة ؟". أذهلني هذا السؤال للحظات، فلقد توقعت كل الاحتمالات ولم يخطر ببالي مثل هذا "الصاروخ" الفكري والذي ينم عن عمق في التفكير ونباهة في التحليل وبراعة في الاستخلاص. ولكنني تمالكت نفسي واجبته بابتسامة جبّت صفار ابتسامته قائلاً: "إنها قطر، ومن سواها!". فانفجرت القاعة بالضحك وانفجر هو غاضباً معتبراً بأنني استهزئ به، فأكدت له شعوره منوّهاً إلى أن سؤال كهذا يستحق على الاقل جواباً كذاك.

علمت فيما تلى بأن الرجل كان يحاول إيجاد وسيلة ضعيفة الأخلاقية للهجوم علي لما استشفه من انحيازي "المفضوح" الى حقوق الشعب السوري في مواجهة العسف والطغيان. ولقد أراد الإشارة إلى أن مصدر فخري والهامي، الجد الأكبر عبد الرحمن الكواكبي، كان ينشط ضمن "مؤامرة ماسونية" تستهدف استقرار "السلطنة العثمانية" وما أنا إلا بوفي لمنهجه باستهداف استقرار "الأمة العربية" لأنني تبنيت، علمياً على القل، حديثاً إيجابياً عن الحراك الشعبي العربي عموماً والسوري خصوصاً.

نظرية المؤامرة المنتشرة كونياً ولكن الأكثر حضوراً عربياً، تُعطي رؤيتها لقضية ما من خلال اعتبارها عملاً قامت به مجموعة قوية ومخفية. وهي تتجاوز مجرد الاشاعة التي تحفل وتحتفل بها كل المجتمعات. وهي تعتمد على سردٍ نظريٍ يحاول ان يبدو "منطقياً" ومتماسكاً ويُظهر وجود مخطط تآمري يقوم بالإعداد له من قبل "مجموعة صغيرة من أناس اقوياء يتوافقون في السر للتخطيط وتنفيذ عملية غير شرعية ومضرة تؤثر في مجريات الأحداث". والمؤامرة السرية، مدنية كانت أو جرمية أو سياسية، تتفاعل عموماً بهدف الاستيلاء او المحافظة على شكل شمولي للسلطة السياسية أو الاقتصادية أو الدينية. وبرأي علماء الاجتماع، فإن كل محاولة تسعى إلى نفي وجود مؤامرة في حدث معين، يعتبرها أصحاب النظرية ما هي الا سعيٌ للخداع موجه الى من يؤمن بوقوع المؤامرة، والذي بدوره سيستمر في البحث عما يجري في الظل وتخفيه عنه "قوى" و"اشباح" المؤامرة والمتآمرين. أما طرح التفسيرات العلمية المستندة إلى معطيات أو السياسية المعتمدة على وقائع لحدث ما، فهي تعتبر كاذبة، ولا بل مُغرِضة، بشكل مستمر.

يتفق الباحثون على تأريخ ظهور المفهوم في نهايات القرن الثامن عشر بارتباط وثيق بمجريات الثورة الفرنسية سنة 1789. وقد كانت اول نظرية للمؤامرة، مستوفية الشروط، مكتوبة بخط رجل دين مسيحي اسمه أوغوستان باريويل Augustin Barruel. وقد اعتبر باريويل بأن الثورة الفرنسية لم تقم نتيجة حركة شعبية تلقائية أو أنها كانت ثمرة لتحركات النخبة البورجوازية الفرنسية الملتحمة بقضية جماهيرية لها علاقة بالقهر والاستبداد والفساد السياسي المُتلظي بحماية وبشرعية الكنيسة، ولكن كثمرة لمؤامرة ضد الدين المسيحي ككل.

تجمع نظرية المؤامرة عناصر نفسية عدة أهمها أيديولوجيا متطرفة يساراً أم يميناً، دينياً أم إلحاداً، بعيدة كل البعد عن الموضوعية رغم تخفيها برداءها. كما أنها تُطوّر وتنشر في ثناياها خطاب كراهية لا نقاش فيه ولا معه. فالثورة الفرنسية تُصبح إذا في نظر هذه العقلية نتاج مؤامرات ومناورات تُحبك وتنظّم في "المحافل الخلفية". كما هي الثورات العربية في أيامنا الحاضرة، والتي ما هي إلا نتاج مؤامرات عديدة ومتقاطعة لا تبدأ بالصهيونية العالمية لكي تنتهي بالإمبريالية الكمبرادورية، مروراً طبعاً وحتماً، بالماسونية العالمية.

ومن أهم أسس "فكر" المؤامرة النقاط التالية:

1 ـ لا يحصل أي أمر بالصدفة. فإن مات شخص مشهور، سياسياً أم فنياً، فلا يمكن ن يكون هذا الموت طبيعياً، بل هو ناجمٌ حتماً عن مؤامرة ما حيكت في السر. فالزلزال الهائل الذي وقع في هايتي كان نتيجة لمؤامرة أميركية تمت من خلال تفجير قامت به إحدى الوكالات السرية تحت الأرض. وفيروس الإيدز تم تطويره في مختبرات أجهزة ما فوق خيالية ونشره للتجريب في الشعوب الإفريقية أولاً قبل أن ينتشر عالمياً ثانياً.

2 ـ كل ما يجري هو نتيجة لإرادات مخفية. فمثلاً، من ارتكب مجزرة شارلي إيبدو في فرنسا بداية السنة الجارية، هم عملاء للمخابرات الفرنسية أرادوا اتهام المسلمين.

3 ـ ليس ما يظهر هو الحقيقة. فنحن نظن واهمين بأن رؤساء الدول هم الذين يحكمون مثلاً، ولكن في الحقيقة، إن القرارات الهامة والأساسية تأخذها مجموعات مختلفة (رجال المصارف، الماسونيون ...) والذين يتلاعبون بالساسة وغيرهم كما يتلاعب مُسيّر الدمى بالحبال من وراء الستار.

4 ـ كل شيء مرتبط بطريقة مخفية. كما السيناتور جوزيف مكارثي في بدايات الخمسينات من القرن المنصرم الذي كان يرى مؤامرة شيوعية في كل حدث مهما بلغت تفاهته.

ولقد وجد علماء التحليل النفسي بأن الاستناد إلى هذه النظرية مفيد لأصحابها فهو يحمي معتنقيها من القلق والبحث عن جواب. ففي عالم خاضع لسيل لا يتوقف من المعلومات المعقدة وغير المؤكدة، تبني هذه النظرية مُريح. حيث أن أي حدث أو ظاهرة مسيئة أو مزعجة أو مُدانة، مثل الحرب والبطالة والفقر واغتيال شخصية معروفة، لها سبب وحيد وهو عمل مجموعة في الخفاء تقمصّها السوء ولا قدرة على مجابهتها. الجموع البشرية في عالمنا المعاصر، كما تذكر هانّا ارندت، تكون غالباً عطشى للإيديولوجيات، ولرؤية معينة للكون تشرح كل الظواهر والأحداث. وهؤلاء يفضلون أن تكون "الحقيقة" مروية كحكاية أو كوقائع ولو متفرقة يمكن تجميعها في حدوتة توصلهم الى خاتمة غالباً ما تكون منطقية. فعند أخذ دور من يكشف ويُدين المؤامرة، فإن معتنق النظرية يعطي لنفسه الشعور بالرضى. فهو لا يُصدّق كل ما يُقال، ويرى الحقيقة مخفية خلف الظواهر. وبإعلانه عما اكتشف من خبايا، فهو يخدم الجماعة البشرية التي يعيش في جنباتها. وتبرز هذه النظرية مع كل حدث معقد ويصعب على مجتمع ان يهضم ابعاده. ومن خلال الترويج لوقوع المؤامرة، فالجميع يريد تطوير رؤيته وتبيان مشروعيتها وقربها من الحقيقة اكثر مما تتناقله وسائل الاعلام المشكوك في أمانتها بشكل ميكانيكي وأكثر مما يتداوله السياسيون المشكوك في مصداقيتهم بشكل تلقائي. لقد قام هؤلاء العلماء بتحليل عينات من شخصيات تؤمن بهذه النظرية لمحاولة التعرف على القواسم المشتركة لأصحابها، فتبين لهم بأن هناك تقارب شديد وشبه سريري بين معتنقيها وبين من لديهم مرض الرُهاب. .

إن لنظرية المؤامرة قوة جاذبة هائلة لأنها تدعي كشف الحقيقة. وهناك لذة لدى البعض بالظهور وكأنهم أصحاب الجواب على كل ما يُطرح في مسألة ما من قبل "العامة" الذين لا يفهمون غالباً ما يتوصل الى فهمه "المختارون". ولقد طورت وسائل التواصل مساحات نمو النظرية ومجالات التعبير عنها وفضاءات تلقيها. وهي همّشت مجمل العمل العلمي القائم على البحث المعمق كما الصحفي القائم على الاستقصاء الجاد.

في حمأة إدانة هذا المرض النفسي المستشري في ربوع الفكر والفعل السياسي العربي، لا يجب إغفال حقيقة وجود مؤامرات حقيقية تقع ووقعت وسيتم وقوعها. ولكن ما يجب التوقف عنده والتحذير منه هو رغبة مُريدي هذه النظرية بأن لا يروا العالم الا من هذه الزاوية، برفضهم أي دور للصدفة أو الخطأ الانساني أو وقائع الحدث وتطور التاريخ المرتبط حتماً بتقاطعات الارادات البشرية.

المؤامرة لا معسكر لها وهي ليست حصراً بمن يختلف معنا بالرأي أو في الموقع الوطني. فمن كان يعتقد بأن مظاهرات حمص تجري في استوديوهات قناة الجزيرة، أو من يظن بأن الاحتجاجات الشعبية التلقائية في ظل الثورات العربية ليست إلا مؤامرة صهيو/أمبريالية لزعزعة استقرار نظم "المقاومة والممانعة"، لا يختلف في التطور الذهني والمعرفي عن ذاك الذي يرى في داعش مجموعة تتلقى اوامرها من السلطة القائمة في سوريا أو أنها صنيعة مكاتب المخابرات الأميركية. الجهل واحد والمؤامرة مستمرة.

تعليقات