المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس 1913م

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

10/12/2015
السورية نت
المؤلف: 

لم يكن المؤتمر العربيّ الأوّل ليُعقد لولا الظروف الّتي كان يمرّ بها العرب في تلك الفترة الحسّاسة من تاريخ الأمّة العربيّة، ولولا التحريض الغربيّ الّذي كان يعمل في الخفاء لاستثمار ظروف السّلطنة العثمانيّة بعد ثورة عام 1908م.

أمّا فكرة المؤتمر العربيّ الّتي هي موضوع بحثنا الآن، فقد فكّر فيها خمسة من شباب العرب الّذين كانوا يدرسون في مدينة باريس([i])، "ثمّ دعوا أقرب النّاس إليهم من أبناء هذه الأمّة وهم الجالية العربيّة في باريس، وكاشفوهم في ذلك فوجدوا منهم استحساناً وتنشيطاً، وبالفعل جرى انتخاب لجنة من هذه الجالية لمخابرة زعماء النّهضة العربيّة في الأقطار، ولإعداد العدّة، وتهيئة أسباب النّجاح"([ii]).

وقد تمّ عقد المؤتمر في 18 يونيو/حزيران سنة 1913م في باريس بالتّعاون بين بعض الجمعيّات العربيّة السريّة الّتي تألّفت في أواخر الدولة العثمانيّة([iii])، حضره خمسة وعشرون عضواً معتمداً ومئتا مستمع، وكان ممثلو البلاد العربيّة الأخرى فيه من غير الشّاميين قليلون.

وافتتح عبد الحميد الزّهراوي([iv]) الّذي ترأس المؤتمر الأعمال بخطبة بليغة، تحدّث فيها عمّا وصلت إليه حالة المملكة العثمانيّة من تدهور في سياستها ومكانتها، وأنّ ما حدث في ولايات الدّولة العثمانيّة وفي أوروبّا من الحوادث الخطيرة الشّأن دعا العرب إلى التّفكير في الحالة الجديدة الّتي دخلت فيها، واتّخاذ الوسائل لاتّقاء نتائجها وأن تسمع أوروبّا مطالب العرب وتفهم رأيهم([v]).

وخرج المؤتمرون بمقررات هامّة، تطالب بالإصلاح، وإعطاء العنصر العربيّ حقّه في الحكم في ظلّ الدّولة التّركيّة.

وتدلّ القرارات على الرّغبة في الاعتدال، مع تأكيد مطالب العرب بالحقوق السّياسيّة الكاملة، ونصيبهم في الاشتراك اشتراكاً فعّالاً في إدارة شؤون الدّولة.

وأُشير خلال المناقشات إشارة مقنّعة بالحذر لمساسها بالمطامع الفرنسيّة، إلى احتمال التّدخل الأجنبي، وإلى أنه خطر يجب درؤه بعزم وتصميم، ولم يدر أيّ حديث عن الانفصال أو الانشقاق عن السّلطنة العثمانية([vi]).

 واضطرّ الاتحاديّون في بادئ الأمر إلى أن يرسلوا "رسولاً لمقابلة المؤتمرين العرب ودعوة قادتهم إلى الأستانة، فرحل عبد الحميد الزّهراوي إلى هناك لمفاوضة الحكومة التّركيّة، واستنجازها وعودها بتنفيذ المطالب الإصلاحيّة، واستمرت  المفاوضات حتّى أواخر سنة 1913م.

وكان بين الأمور الّتي تمّت تعيين عبد الحميد الزّهراوي وعدد من رجالات العرب في مجلس الأعيان العثمّاني ليشرفوا على تطبيق الإصلاحات الّتي وعدت الحكومة التّركيّة بتنفيذها([vii]).

لكن فيما بعد أخلفت الحكومة التّركيّة بوعودها، وقامت بإصدار أحكام بالإعدام بحقّ معظم الّذين شاركوا في المؤتمر([viii]). وسُمّي هذا المؤتمر لاحقاً بمؤتمر الشّهداء، وذلك لأنّ معظم المشاركين فيه أُعدموا أو لُوحقوا من قبل السّلطات التّركيّة.

إنّ قيام هذا المؤتمر أثبت أنّ الجهود العربيّة قادرة إذا ما تضافرت أن تحقق نتائج هامّة، ولكنّ غياب الوعي، وغياب الرؤية المستقبليّة لما يمكن أن يحدث نتيجة انهيار السّلطنة العثمانيّة، مع عدم إدراك العرب والترك لمدى تآمر الدّول الأوروبيّة عليهم كل ذلك جعل من هذا المؤتمر ذكرى ناطقة في تاريخنا الحديث.

والجدير بالذكر أنّ المؤتمر لم يحظَ بالإجماع العربيّ ولقي انتقادات كثيرة، لأنّ النّتائج الّتي أسـفرت عـنه كانت خطيرة، حيث أنّ معظم المشاركين فيه قد صدرت بحقّهم أحكام الإعدام كما ذكرنا، وأدّى بطبيعة الحال إلى قيام الثّورة العربيّة الكبرى وانفصال العرب عن التّرك.

نأخذ من تلك المواقف الناقدة مثلاً موقف شكيب أرسلان([ix])، وهو من الّذين عاشوا في تلك الفترة، وكان يمثّل التّيار المتمسّك ببقاء الخلافة العثمانيّة، ويعارض الانفصال، فقد اعتبر أنّ الّذين شاركوا في هذا المؤتمر لا يمثّلون الأمّة العربيّة، بل كان لكلّ واحد منهم هدف وغاية تختلف عن هدف وغاية غيره من المشاركين، فقال: "إنّهم تداعوا إلى هذا المؤتمر في باريز من جهات مختلفة، فمنهم طلبة علم في باريز صادقون في سعيهم، خالون من المآرب السّياسيّة، يريدون الإلحاح على الدّولة في تطبيق الإصلاح حبّاً بالوطن. ومنهم ناقمون على الدّولة إقفال نادي الإصلاح في بيروت. ومنهم دعاة افتراق وانفصال لا غير. ومنهم من همّه دريهمات يأخذها في هذا السّبيل مهما كانت النّتيجة. ولكنّهم جميعاً غير مفوّضين عن الأمّة العربيّة، ولا حقّ لهم في الكلام باسم الأمّة"([x]).

ووُجد بالمقابل فريق آخر شجّع قيام هذا المؤتمر، واعتبره هامّاً جدّاً، حيث رأى الجانب المشرق فيه، ومنهم محب الدّين الخطيب([xi]) الّذي اعتبر أنّ المؤتمر قد نجح، بالرّغم من كلّ الانتقادات الّتي تعرّض لها، فقال: "إنّ فكرة المؤتمر نجحت نجاحاً بيّناً، وأنّ المؤتمر لم يخرج عن الخطّة الّتي رُسمت لـه من طلب الحياة للولايات العربيّة حتّى تحيا الدّولة بذلك وتقوى. ومع أنّه أوّل مؤتمر قام به العرب العثمانيون انتجاعاً للحياة وتذرّعاً للبقاء، فقد كانت عليه مسحة من الجمال والكمال أُعجب بها الغريب والقريب، جعله اللّه فاتحة خير لحسن العواقب"([xii]).

كان هذا المؤتمر مؤتمراً هامّاً له تأثيره في الحركة القوميّة العربيّة وفي تحديد مسارها المطالب بالانفصال عن الدّولة العثمانيّة. ويجب أن لا يغيب عن بالنا أنّ هؤلاء الّذين قاموا بعقد المؤتمر كان لهم عذرهم في عملهم هذا، فبغضّ النّظر عن قلّة الخبرة، كانت الظّروف العامّة في العالم كلّه تدفعهم إلى التحرّك وفعل أيّ شيء يظنّون فيه خيرهم وخير أمّتهم.

_____________________________________________________________________________________

(1) ـ هؤلاء الخمسة هم: عبد الغني العريسي، وعوني عبد الهادي، ومحمّد المحمصاني، وجميل مردم، وتوفيق فائد؛ انظر: محمد كامل الخطيب، المؤتمر العربيّ الأوّل، من مقدمة بقلم محب الدين الخطيب، ص 4.  

(2) ـ المصدر نفسه، ص 4 ـ 5.

([iii]) من هذه الجمعيّات: الجمعيّة العربيّة الفتاة، وحزب اللّامركزيّة الإداريّة العثمّاني، والجمعيّات الإصلاحيّة في البلاد العثمانيّة. انظر: محب الدّين الخطيب، حياته بقلمه، ص 2.

([iv]) ـ عبد الحميد الزهراوي: من زعماء النّهضة السّياسيّة في سورية، وأحد شهداء العرب في عاليه، ولد في حمص، وأصدر صحيفة المنير، كتب في المقطّم. رئس المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس فحُكم عليه بالإعدام. له رسالة الفقه والتّصوف، وكتاب خديجة أمّ المؤمنين؛ انظر: خير الدّين الزّركلي، الأعلام، مج 3، ص 288.

(5) ـ أدهم الجندي، شهداء الحرب العالميّة الكبرى، ص 18.

(6) ـ جورج أنطونيوس، يقظة العرب، ص 192.

(7) ـ قدري قلعجي، السّابقون، ص 35 ـ 36.

(8) ـ أدهم الجندي، شهداء الحرب العالميّة الكبرى، ص 169.

([ix]) ـ شكيب أرسلان: ولد عام 1286/1869 في الشّويفات في لبنان، تعلّم في مدرسة الحكمة، والمدرسة السّلطانيّة، وأتقن التّركيّة والعربيّة، وكان من المناصرين للدولة العثمانيّة, وله مؤلّفات منها: تعليقه وتعقيبه على كتاب حاضر العالم الإسلاميّ، وخاتمة تاريخ العرب والأندلس، وله شعر كثير، حتّى سميّ أمير البيان، توفّي سنة 1946م؛ انظر: خير الدّين الزّركلي، الأعلام، مج 3، ص 313.

(10) ـ شكيب أرسلان، تاريخ الدّولة العثمانيّة، ص 597 ـ 598.

([xi]) ـ محب الدين الخطيب: ( 1303 - 1389 / 1886 - 1969)، من رجالات النهضة العربية، عمل في تحرير عدد من الصحف، وشارك في الثورة العربية الكبرى، وبعد دخول الفرنسيين إلى دمشق هرب إلى القاهرة واستقر بها، وأصدر مجلتيه  الزهراء والفتح، وأنشأ المطبعة السلفية ومكتبتها، أشرف على نشر عدد كبير من كتب التراث. ونشر من تأليفه "اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب" و"تاريخ مدينة الزهراء بالأندلس" و"الأزهر ماضيه وحاضره والحاجة إلى إصلاحه" وغيرها؛ انظر: محمَّد مطيع الحافظ ونزار أباظة, تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، ج 2، ص 847 وما بعدها.

(12) ـ محمّد كامل الخطيب، المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس، ص 13.

تعليقات