المثالب في تبني وصفات الثعالب (3)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

3/7/2015
السورية نت

رشف العم اسطفان بن المستورة رشفةً من قرعة جاثية أمامه، فيها شراب أخضر، يقال له "المتة"، ومدَّ يده إلى جيب معطفه، مخرجاً -كما يخرج الحاوي أرنباً- مفكرة صغيرة، احتفظ بين دفتيها فيما يبدو بملاحظاته الكثيرة؛

مسترجعاً ما فاته، قلّب صفحاتها بسرعة، فقد وعدنا بأن يتوخى في روايته لنا الدقة؛ ثم تابع حديثه قائلاً: " أصحاب التنور يا أصدقاء، وما أدراكم ما أصحاب التنور!، همّ في المطابخ الأصل، ولكل منهم في مقارعة "الطباخ الأوحد" نصل، فهم للتنظير سادة، ولهم في توصيف الأطباق الريادة، تشهد عليهم وصفاتهم بالتفنن في التدبير، وتدل على قوة العلم عندهم والتفكير، عاشوا حياتهم يكتبون الوصفات بدواة الأمل، لكنهم تاهوا لكثرة ما كتبوا فتخبطّوا وقت العمل؛ لم يلبس أحد منهم يوماً مئزراً، ولم يعجنوا خبزاً، أو يغسلوا طنجرة؛ وهم بين بعضهم مختلفون، متناحرون، متقاتلون، مع أن وصفاتهم واحدة، وأطباقهم موُّحَدة؛ تمسكوا بالفروع دون الأصول، واستغنوا عن اللب بالقشور، واختلفوا في الأحكام وعكفوا على الاشتغال بسفاسف الأمور، فقلوبهم على بعضهم أكلها الغل، يتشفون ببعضهم علناً وفي الظل؛ البعض قال أنها عداوة كار، والبعض قال أنها لعنة من الجبار؛ والحق يقال أنها في حق الرعية مصيبة، فقد شتّتت شملهم، وفرقت جمعهم، وأضعفت حجتهم، فذهب عن وصفاتهم الغرض المقصود، والهدف المنشود، وسقط شأنها بين العامة، بعد أن سفل قدرها عند الخاصة!

وأول أصحاب التنور من هؤلاء، حكيم الحكماء، وأيقونة الأبرياء، "درة اليائسين بن الحاج الصالح"؛ صاحب مؤلفات وفيرة، بصفحاتها غزيرة، أهمها: "ابستمولوجيا التنوير ما بين حف الشارب وتقصير التنانير"؛ وله من الأتباع مائة وألف، جلّهم غض العود وبعضهم جلف؛ يتبعونه اتباع الإبل لحاديها، والرفقة لهاديها؛ يجهدون فوق العادة، في نشر وترداد، وترديد وتعداد، فضائل الوصفات، ومنافع الوجبات، التي يبتكرها حكيمهم؛ ويدعون الناس لتبنيها، والاستلهام منها، والبناء عليها؛ لكنهم تركوا الحقيقة إلى الخيال، وتعدوا الممكن إلى المحال، فخاطبوا كبار الحكماء وشيوخ الكار والعلماء، متجاهلين أن جلّ طالبي الطعام هم من الصناع وصغار الكسبة والأجراء، وهؤلاء من هم أولى بالإطعام، وأجدر بالإفهام.

أما ثانيهم، فهو العالم العلامة، ذو الشأن والمهابة، "الصارم بن النهار"، صاحب مجموعة نظريات: "مورفولوجيا التبولة: انعكاس للفسيفساءات المجتمعية المقبولة"، وله من الأتباع مائتان وألفان، ما بين يافعين وشيبان؛ شكلهم في اجتماعهم عسل، لكنهم في حقيقتهم كحقل البصل، كلّهم "رؤوس"؛ عالمهم "ابن النهار" في صومعته وحيد، عن مريديه بعيد، فاختاروا فيما بينهم ناطقاً باسمهم مفوّه، سليط اللسان كثير التأوه، كالماء يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه؛ يدعيّ أنه لأصحاب التنور "منذور"، لكنه مع النورانيين نوراني، ومع التنويريين تنويري، ومع الصاعدين صاعد، ومن الهابطين هارب؛ يدعى "الحامد بن الصبارة"، له دراسة شهيرة عنوانها: "فينومينولوجيا الأطباق الإسلامية في المطابخ العلمانية – دراسة مقارنة بين اليانسون والعرق"؛ شيمتهم الوحيدة هي الجدل، والإكثار من الجدل، لا تشمير السواعد والعمل، اندفعوا فيها فيما يتعذر تلافيه، لذا فالناس عنهم انفضوا، ومن تنظيرهم ملّوا، ولغيرهم تحولوا.

أما ثالثهم، فهو شيخ شيوخ الكار، الحاج "ميخائيل قنطار"، سيد "التكتيك" وفنّان "التفكيك"، نصير الضعفاء، وعدو الأقوياء، كارهٌ "للزعبرة"، ضحية دائمة "للطنبرة"، له مؤلفات عديدة، أشهرها ثلاثية: "بيداغوجيا وصفات المأسسة والتمدين، في فن تقبيل شوارب المجاهدين"؛ وله من الأتباع ثلاث مائة وثلاثة آلاف؛ لكنهم شلل متفرقة، متنافرة متناحرة مشتتة، يهوى التنقل بينها ليتزعم إحداها مرّة، ثم يقفز لغيرها على حين غرّة. صَحِب بداية "أبا السمراء بن العياط"، الشهير كليلى" بلفحته الحمراء، لكنه مثل "ليلى" أكله "الذئب"، بعد أن لف على الحاج "القنطار"، زعيم قبيلة، فنانُّ بالرذيلة، يدعى "أبا العينان الأحمد الأجرب"، صاحب نظرية: "صفعة الصفعة وكياسة الكياسة لطبخ الانتخابات وضمان الرئاسة"، فأوهم الحاج بنصر موعود، إن هم مع بعضهما اتفقا، وتوسعةً لنادي الطباخين جلبا، فبالسلطة معاً يكونا قد استأثرا؛ لكن الحاج قنطار سرعان ما على "القبلي" انقلب، وعن شلته ابتعد، وألف لنفسه مجموعة جديدة، ظنها بالرأي رشيدة، لكنها في الواقع هزيلة، وعن نصرته بخيلة، فاعتزلها واضرب عن العمل، ويقال أنه يعكف اليوم على نظّم قصته في قصيدة، مطلعها: "قفا نبك من ذكرى مجلس وطني"....

تعليقات