المثقف العربي بين السنّة والشيعة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/ 06/ 2014
العربي الجديد

لا يقتصر انخراط العرب في الحروب الأهلية، الجارية في المشرق العربي هذه الفترة، على التوجه إلى القتال مع أحد المعسكرات، أو توفير الدعم المادي لمعسكرٍ ضد آخر، بل يشمل، أيضاً، حرب المواقف في الإعلام وساحات النقاش العامة. في هذه الحالة، يصبح الخلط سهلاً بين الموقف السياسي والانتماء المذهبي، في ظل الصراع الطائفي، حيث يتحول أبناء المذاهب إلى كتل سياسيةٍ، تتصارع على النفوذ والسلطة، ويصبح الموقف من صراع تلك الكتل مدفوعاً بالانتماء المذهبي، أو متهماً بذلك، في أجواء مشحونة، وحالة استقطابٍ حاد تجرّ غالبية العرب إلى الذوبان فيها.

وَضْعُ المثقف الرافض للطائفية، واستخدامها لتفسير المواقف السياسية، والراغب في التفكير خارج صندوقها، حرجٌ للغاية، إذ إنه أمام طرفي الصراع الطائفي في الوطن العربي من السنة والشيعة، يصبح في موقع المتهم، فلا تترك حالة الاستقطاب خياراً ثالثاً بين الطرفين، ويُفَسَّر موقفه انحيازاً لمعسكرٍ ما دون آخر في أغلب الأحيان، ويجري استحضار خلفيته المذهبية للحكم على سلامة موقفه، ويحصل، في الغالب، أن يُتَّهم من كلِّ طرفٍ بالانحياز إلى الطرف الآخر، فلا يجد طرفاً يرضى عن موقفه، بل إن المطلوب منه كثيراً ما يتعدّى الموقف العام، إلى شكل التعبير عن الموقف، فيصبح لزاماً على المثقف أن يعبّر بالحدَّة ذاتها التي تحكم أطراف الصراع، وبالتأكيد على تفاصيل رواية المعسكر الذي يُراد له أن يسانده بحذافيرها، كما يرويها إعلام هذا المعسكر.

لا تغيب هذه الأجواء المسمومة عن المشهد الثقافي العربي، فمثقفون كثيرون ينخرطون بوعي، أو من دون وعي، وبدرجات متفاوتة، في هذا الصراع، وأول الانخراط هو التسليم بالسردية الطائفية للصراع في المشرق العربي، وتبنّيها، بدلاً من مواجهتها، والحديث عمّن بدأ الفعل، ومن قام برد الفعل، في سياق تبريري لطائفية أحد الطرفين. يصبح التفسير الطائفي للأحداث السياسية رائجاً في التحليل، وتغدو توصيفاتٌ من قبيل "مثقف سني" و"مثقف شيعي" شائعةً في هذا السياق.
تفسير المواقف السياسية للمثقفين والناشطين، بناءً على انتماءاتهم المذهبية، هو تكريس للحالة الطائفية في الخطاب الثقافي والإعلامي العربي، إذ يتماشى مع عملية تسييس الانتماء المذهبي، وتعبير الأفراد في المجال السياسي بالهوية المذهبية، وهو أمر يقود، لاحقاً، إلى الفرز والتصنيف، وفق ثنائية الخير/الشر، فمن هو معنا يجسّد الخير كله، ومن يقف ضدنا، أو يبتعد عن استنساخ مواقفنا يمثّل الشر كله، ويمكن أن نلحظ هذه الحالة داخل الأوساط الثقافية، حيث تصبح الطائفية شتيمةً يتقاذفها المثقفون، بناءً على تناقض مواقفهم السياسية.

يمثل النقاش الذي دار، أخيراً، بين رضوان السيد ومفكرين عرب، نموذجاً شديد الوضوح، على انخراط الوسط الثقافي في لعبة التصنيفات الطائفية، فالسيد كتب مقالاً تحدث فيه عن الحملة على الإسلام، وتحديداً "الإسلام السني"، من مجموعة من "العقلانيين العرب"، منهم جورج طرابيشي وعبد المجيد الشرفي وآخرون. يرى السيد الذي يتبنى خطاب تصنيف وفرز طائفي فاقع أن طرابيشي، ومن معه، يخوضون معركة ضد الإسلام السني، هي حكماً تصب في صالح الطرف الآخر، وفي خلطٍ واضح بين كتابات طرابيشي في نقد التراث الديني ومواقفه السياسية، يصل السيد إلى نتيجةٍ مفادها بأن طرابيشي والعقلانيين العرب منحازون إلى معسكر إيران الشيعي، ضد السنة.

يشابه خطاب رضوان السيد الخطاب السلفي المتشدد الذي يحتكر القيم، فهو الذي يمثل الإسلام، وهو المعبّر عن الخير، كما أن السيد يقدم مواقفه باعتبارها معياراً يُقاس عليه انسجام طرابيشي مع الإسلام أو تناقضه معه، واحترامه للإسلام السني أو تآمره ضده. لا يتورع السيد عن إقامة محاكم تفتيش لمواقف العقلانيين العرب، وتنصيب نفسه قاضياً، وتخيير طرابيشي (الذي لا علاقة مذهبية له بالتسنن أو التشيع) بين المعسكرين السني والشيعي. على جورج طرابيشي أن يبرئ نفسه من تهمة محاربة الإسلام السني، بتبني موقف رضوان السيد بكل تفاصيله، وإلا فالإدانة جاهزة في حقه.

أسوأ ما يمكن أن يحصل لمثقف أن يغرق في الاستقطاب الطائفي، وأن يساهم في ضخ الطائفية في لغتنا ومقاربتنا الأحداث من حولنا، بدلاً من التخفف من المصطلحات الطائفية، ونشر وعي مضاد يرفض الانجرار إلى صراعات طائفية عقيمة. من الصعب أن يتجاهل المثقف بيئته المستنفرة، والحشد والتعبئة الهائلين من حوله، لكنه يستطيع أن يُخرج نفسه من هذه الدائرة، حتى لو كلفته خسارة جماهيرية متوقعة في ظل سيادة الغرائز على صوت العقل.

ليس على المثقف أن يستسلم لمحاكم التفتيش عن مواقفه، ويصدر بيانات البراءة من الطائفية، بتبني خطاب يعرّف الذات طائفياً، وينغمس في الثنائيات الطائفية: "أنا من المذهب الفلاني، ولكن.."، لكن تأكيد المثقف، من دون إفراط، على غياب الدوافع المذهبية لمواقفه السياسية، يعد ضرورياً للتعامل مع الأجواء الحالية، وإعلان الخروج من حالة الاستقطاب السائدة.

في حالةٍ كالتي نعايشها، يصبح موقف الرفض للصراع الطائفي وطرفيه مبدئياً، وإغضابهما، الموقف الأسلم، ويكون الانحياز، هنا، إلى فكرة الخروج من صراع الطوائف، وتجاوز حدودها. إن انتشار الطائفية، وصعوبة الخروج من نفقها حالياً، لا يجعلان من الاستسلام لمنطقها حلاً، ودور المثقف الرافض لها أن يواجهها، وخسارة الجمهور في هذه الحالة أهون على المثقف من خسارته رأيه.