المختلف في احتجاجات إيران

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/1/2018
العربي الجديد
المؤلف: 

ليس المقصود بالمختلف، في الاحتجاجات التي اندلعت في مدن إيرانية، أخيراً، الفارق بينها وبين التي سبقتها، منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فحسب، بل، أيضا، سمة هذه الاحتجاجات، وبنيتها، والطرح الذي خرجت فيه. وإن كان ثمّة مؤامرةٌ أو مدبِّرٌ خارجي لها، كما تروِّج الحكومة الإيرانية، فإن ذلك لا يستطيع أن ينفي العامل الأهم في اندلاعها، والذي صبغ المجتمع الإيراني، في السنوات الأخيرة، بصبغته. إنه المشكلات الاقتصادية المزمنة، وغياب العدل في توزيع الثروات في البلاد، العدل الذي كان أهم الأهداف التي جاءت الثورة الإيرانية لتحقيقه، وتَحمَّل الشعب الإيراني تبعات هذه الثورة من أجله. 

وعلى الرغم من أن الدوافع التي أجبرت أبناء مدينة مشهد الإيرانية على الخروج في هذه الاحتجاجات كانت شبه محلية، تخص من تضرّر جرَّاء ضياع ودائعه لدى شركة عقارية وهمية في المدينة، إلا أنه كان لافتاً سرعة انتقالها إلى مدن أخرى، وخصوصاً الطرفية منها، حيث الفساد وارتفاع تكاليف المعيشة أهم دوافعها. وكان لافتاً أن الأرضية كانت جاهزة لهذه الاحتجاجات، وتحتاج شرارةً كي تندلع، الشرارة التي تلقتها الفئات المسحوقة. وهذا ما يجعلها تختلف عن احتجاجات سنة 2009 (الحركة الخضراء)، وكان دافعها الشكوك في نتائج الانتخابات الرئاسية، وتركزت في طهران، وفجَّرتها الطبقة المتوسطة والميسورة، حتى أنها كانت أشبه ما تكون باحتجاجاتٍ من داخل النظام وفي ظله. 
إنها المرة الأولى، منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سنة 1979، التي يطالب فيها المحتجون بتنحّي المرشد الأعلى للثورة، وهذا واحد من مطالب جذرية، تعطي بعداً جديداً للاحتجاجات التي بدأت اقتصادية، يوم 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وتحولت بعد يومين أو ثلاثة إلى سياسيةٍ، رفعت شعار تغيير النظام. إنها لغة جديدة لم يعهدها المسؤولون الإيرانيون، ولم يسمعوا أحداً ينادي برحيلهم بهذا الغضب الذي اتصف به المحتجون، كما لم يروا صورهم وشعاراتهم تُداس في شوارع المدن المنتفضة. ما يدل على أن الغضب كان يعتمل في صدور الناس، ويزداد طردياً مع ازدياد حدة الفقر في البلاد، وازدياد عدد الإيرانيين الذين باتوا يعيشون تحت خطه، إضافة إلى اتساع الرقعة التي يجثم فيها على حياة العباد. مع العلم أن سنة 2017 شهدت بعض الاحتجاجات المحدودة، هنا وهناك، بسبب فساد بعض البنوك، أو تأخر الرواتب أو ضياع الأجور، وحتى بسبب ظروف العمل. 

ولفت النظر في هذه الاحتجاجات أن ما كان يُهمس في السِّر، وداخل بيوت أبناء الشعب الإيراني، عن تبديد ثروات الشعب، عبر دعم الحكومة الإيرانية حزب الله اللبناني وحركة حماس في فلسطين، إضافة إلى الخسائر المالية المترتبة على تدخل إيران في سورية واليمن، علاوة على مصاريف التَّسلح من أجل إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية، هتف الشعب برفضه علناً خلال المظاهرات. فالشعب لم يعد يحتمل رؤية ذهاب تلك المصاريف هباءً، بينما تزداد معدلات البطالة والتضخم وكلفة المعيشة، وتزداد مركزية العاصمة، وإهمال الأطراف التي لم تسعَ الحكومة إلى تبنّي التنمية المستدامة لتطويرها. 

وتشبه طريقة تعاطي السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات من يدفن رأسه في الرمل، اتقاءً للعاصفة، حيث تُعدُّ المشكلات التي أشارت إليها المظاهرات بنيويةً، إن لم تُعالج، تصبح مزمنةً تصعب معالجتها، علاوة على ما يمكن أن تسببه من اضطراباتٍ يكون التكهن بتبعاتها مستحيلاً. وهذه المرة، فاق تأثير الاحتجاجات حجمها بأضعاف، فاستتبع ردود فعل محلية، وصلت إلى حد تهديد الجيش بالنزول إلى الساحات. وهذا يدل على أن السياسيين الإيرانيين استشعروا، أو ربما هم يعلمون، أن خطراً محدقاً سينزل بهم، عاجلاً أم آجلاً، إذا لم يغيروا وجه نظامهم، أو على الأقل السياسة التي يتبعونها لإدارة البلاد. كما إن ظهور حركاتٍ جديدة ظنوا أن أسسها انقرضت، ولا سيما دعاة عودة الحكم الملكي وأسرة بهلوي، يعد دافعاً لآخرين من أجل إعادة إحياء تنظيماتٍ قديمة، ربما لم تعدم التربة الإيرانية بقايا جذورها، وأثبتت الاضطرابات إمكانية إنباتها فيها بسرعة، إن وجد الشعب فيها البديل، وهذا سيكون تهديداً وجودياً لأسس النظام الحالي، قد لا يتقبَّل قادته افتراض حدوثه. 

أما وأن القادة الإيرانيين لطالما تغنّوا باختلاف الحياة السياسية الإيرانية عن تلك التي في الدول المحيطة، وخصوصاً في الخليج، والتي تتهمها إيران بالدكتاتورية، في حين ينعم الشعب الإيراني بحياةٍ برلمانيةٍ وديمقراطيةٍ من نوعٍ خاص، علاوةً على طبيعة المجتمع الإيراني المنفتح على الثقافات والموسيقى والفنون، على عكس العربية السعودية، مثلا، إلا أن هذه السمة التي يعتبرونها من "مكتسبات" الشعب سرعان ما يتم الانقضاض عليها إن طرأ تهديدٌ لأركان النظام. وهو ما حدث، حين ضُرب ستارٌ حديديٌّ على ما يجري في المدن التي شهدت الاحتجاجات، وقُطعت الاتصالات مع الخارج، وحُظِرت وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت، هذا إذا وضعنا جانباً القمع الذي واجهت السلطات الاحتجاجات فيه. 

أثبتت التطورات في إيران أن ضرورة التغيير أمرٌ واقعٌ، لا يمكن التغاضي عنه، فأرضيته والظروف الموضوعية لإجرائه جاهزة. أما الغضب الذي ظهر لدى أبناء الشعب فيكفي وحده ليؤكد مدى تأخُّر البدء بذلك التغيير، وإن لم تجره السلطات، عاجلاً، فسيأتي بطرقٍ لا تحتسبها، ليست هذه الاحتجاجات سوى إحداها.

تعليقات