المشهد السوري وامتداداته الإقليمية والدولية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/9/2015
السورية نت
المؤلف: 

... وعز الشرق أوله دمشق

                                أحمد شوقي

برزت خلال العام 2013 وما بعده مؤشرات وتفاعلات في إطار الثورة السورية ومن حولها، كانت مفاجئة وصادمة وبالغة الخطورة. يأتي في أولها بروز الدور المحوري والخطير لسورية على الخرائط الجيوسياسية للشرق الأوسط. إذ تثبت سورية من جديد أنها مفتاح المنطقة وتبقى كما كانت عبر التاريخ مكاناً للصراع فيه ودولة للصراع عليها. وتعطي مصداقية لقول فيليب حتى بأنها “أكبر بلد صغير على الخريطة “.

ليست سورية بلداً طرفياً أو طارئاً في الشرق الأوسط، حتى يتم إهمال ما يجري فيها أو تجاهله. فالبلاد المفتوحة بحدودها على ست دول وبحر، تشكل القلب في كينونة الشرق الأوسط الجغرافية والتاريخية. ونظرة سريعة إلى الخارطة الإثنية والدينية والطائفية والسياسية للمنطقة، تظهر مركزية الوجود السوري وتأثيراته المحتملة على محيطه الإقليمي والدولي، والدور الهام الذي لعبته وتلعبه سورية ماضياً وحاضراً في وقائع وأحداث المنطقة بسلبياتها وايجابياتها.

وبعد الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، حيث ولدت سورية كدولة بعد انفصالها عن السلطنة العثمانية، برزت الأهمية الخاصة لسورية (الوطن والشعب)، حيث تتشابك المصالح الخارجية الدولية والإقليمية وتتناقض، وتتصادم المكونات الداخلية المحلية وتتناحر. فدور دمشق التاريخي كأقدم عاصمة مأهولة، بقي مستمراً في عملية الضبط والربط لأطراف منطقة معقدة التركيب الديمغرافي، تفصل بين شعوبها الصحاري والجبال والعداوات التاريخية، مثقلة بالأطماع القديمة والمتجددة، ومحمَّلة بثقل الزمن والموروث الديني والفكري والثقافي الذي أنتجته المنطقة، أو ورد إليها عبر آلاف السنين. ويندر أن تجد في العالم منطقة كشرق المتوسط يظهر فيها بشكل جلي وعلى الدوام هذا الشكل من الوحدة والصراع.

من المعروف أن سورية صعبة، وثمن حرية شعبها غالٍ جداً، لأن التغيير فيها يفتح أبواب التغيير في كامل المنطقة.

وها هو الشأن السوري اليوم قضية إقليمية ودولية بامتياز، تشكل العنوان الأبرز في اللقاءات الدبلوماسية بين الدول وعلى المخططات السياسية والاستراتيجية في مواقع صنع القرار ومراكز البحث والدراسة. ومن المعروف أن سورية صعبة، وثمن حرية شعبها غالٍ جداً، لأن التغيير فيها يفتح أبواب التغيير في كامل المنطقة. لكن أحداً لا يجادل اليوم بأن الدم السوري يفتح الباب أمام تحرر المنطقة في طريقه نحو تحرير سورية من نظام الاستبداد والموت والطائفية. وما يجري في لبنان والعراق وفلسطين -وربما في المحيط الأبعد -يشهد على ذلك. وهو يعترض اليوم أحلاماً امبراطورية وأوهاماً قيصرية، وأحقاداً مذهبية وطائفية، ومشاريع هيمنة واحتلال. ويواجه حركات متطرفة وإرهابية، في منطقة أوهنها الاستقرار الكاذب لنظم القمع، وأشعلها العنف الأعمى، عندما يُعتمد كفيصل في الدين والسياسة.

انفجار الغضب الصامت

كانت سورية مهيأة أكثر من غيرها لملاقاة "الربيع العربي" في أهم فصوله عمقاً واتساعاً. فقد طالت معاناة السوريين أكثر من نصف قرن تحت حكم تسلطي دموي فاسد، بنى هيمنته بقوة قهر الشعب في الداخل، وتأمين المصالح الإقليمية والدولية وحراستها في الخارج. فقد مرت البلاد بفترة حراك ديمقراطي بين عامي (2000 – 2007) سمي "ربيع دمشق"، عبَّر فيه السوريون عن شهوتهم العميقة للحرية، ورغبتهم في تغيير النظام نحو الديمقراطية، واستعدادهم للتضحية من أجل ذلك.

أيقظ هدير الغضب السوري المكبوت/المتفجر ينابيع الغضب الكامن في دول المحيط وشعوبها، التي اكتوت طويلاً من سياسات النظام السوري وأفعال استطالاته الأمنية والسياسية، ومن نتائج جرائم الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي والإيراني مباشرة أو عبر وكلائه في لبنان وفلسطين والعراق. فلم يعد الصمت ممكناً، وليس للاستقرار الكاذب أن يستمر أكثر.

هي أزمة كبرى عميقة وخطيرة، لكنها ليست أزمة السوريين وحدهم. فهي ترمي بظلالها على جميع دول المنطقة. وتتناول أوضاع الشعوب ومصائرها بهذا القدر أو ذاك. وليس لأحد أن يعتقد أنه بمنجاة من هذه الفوضى العارمة. إنها أزمة السياسة عندما تتجرد من القيم الإنسانية والأخلاق، أزمة الأصابع المحروقة بنتائج سياسات تدميرية وفاشلة، وأزمة المنظمات العالمية المعاصرة (السياسية والإنسانية والاقتصادية والقانونية) عندما تكبحها بالفيتو آليات التمييز والكيدية. هي باختصار أزمة العالم المعاصر في مواجهة بربرية مستحدثة.

تأثرت دول الجوار مباشرة بتطور الأوضاع في سورية بعد الثورة (آذار 2011). بدأ هذا التأثر بلجوء آلاف الضباط والجنود المنشقين عن الجيش. تبعه لجوء مئات آلاف بل ملايين من المدنيين الذين اجتازوا الحدود طلباً لملاذ آمن. وبعدها جاء الخوف من الارتدادات المحتملة التي ينتجها العنف والتطرف والإرهاب القائم في بلاد الشام وبلاد الرافدين، وهو إرهاب دول ومنظمات. أفرز في الآونة الخيرة ظاهرة خروج جماعي – هو مزيج من الهجرة واللجوء لم تعد تستوعبه دول الجوار – بحثاً عن أمل مفقود.

وبسبب امتداد النسيج الاجتماعي والسياسي السوري في دول الجوار، ولأن الحدود بين الدول ليست حدوداً للمكونات الإثنية والدينية والطائفية والقبلية، وبالتالي لن تكون حدوداً للقضايا والمشاكل، فكان لا بد من توتر جميع أرجاء المنطقة نتيجة الأحداث السورية المتصاعدة، خاصة وأن معظم دول المنطقة تعاطفت مع الشعب السوري، وأيدت طموحات ثورته، باستثناء النظام الإيراني الذي شكل ظهيراً لنظام القمع والطائفية، وأشهر العداء للشعب السوري وثورته.

توجه الجهد الرئيس للاستراتيجية الإيرانية على المستوى الإقليمي باتجاه الجبهة الغربية نحو الدول العربية، حيث البنية الرخوة للأنظمة التقليدية والشمولية، التي تفتقر إلى أدنى مقومات الشرعية الشعبية والدستورية، وتتوفر فيها لإيران كل إغراءات التدخل الخارجي وأدواته، مستظلة بالمذهب الجعفري دينياً، وبالشيعية السياسية فكرياً وثقافياً، وبنهج سياسي يقوم على تصدير الأزمات للآخرين، والعمل من حقولهم. وقد جعل حافظ أسد وابنه سورية جسراً لعبور النفوذ الإيراني إلى ساحل المتوسط وما بعده من بلاد العرب.

"سورية هي معركة إيران بامتياز" هكذا يقول الإيرانيون، وهو مؤشر على الثقل الإيراني في الشأن السوري وما حوله. وهذا يفسر التدمير الممنهج لسورية وهذه البشاعة في حجم الجرائم التي ترتكب على أساس طائفي، وما تستولده من ردود أفعال مماثلة. تعتبر إيران سورية الورقة الأكبر بين أوراقها بسبب تأثيرها الجذري والعميق على الورقتين اللبنانية والعراقية، وتأخذها رهينة للسير بمشروعها الامبراطوري الفارسي للهيمنة على المنطقة، وتستعملها لإجراء الصفقات في معالجاتها الإقليمية وفي علاقاتها الدولية. ويبدو أن هذه الأهمية في ازدياد بعد اتفاق 5+1 حول مشروعها النووي.

2013 – 2014

أمضى السوريون العامين الاول والثاني من الثورة بالمظاهرات السلمية أولاً، وبالدفاع عن النفس ضد الجيش والشبيحة وعصابات الأسد ثانياً. وأحرزت الثورة نجاحات ملحوظة إذ سيطرت على أكثر من نصف مساحة البلاد، واقتحمت عدداً من المطارات والمواقع العسكرية الهامة، ووصلت بالقتال إلى أحياء دمشق الشرقية والجنوبية.

القوى الدولية التي لا تريد منتصراً أو مهزوماً في المعركة السورية، استمرت في تدخلاتها السياسية والعسكرية لتحقيق توازن الضعف وإبقاء الوضع تحت السيطرة، من أجل تخفيض سقف مطالب الثورة وطموحات الشعب من جهة، وترتيب الأوضاع القادمة ما أمكنها ذلك من جهة أخرى.

غير أن القوى الدولية، التي لا تريد منتصراً أو مهزوماً في المعركة السورية، استمرت في تدخلاتها السياسية والعسكرية لتحقيق توازن الضعف وإبقاء الوضع تحت السيطرة، من أجل تخفيض سقف مطالب الثورة وطموحات الشعب من جهة، وترتيب الأوضاع القادمة ما أمكنها ذلك من جهة أخرى. تساوت في هذه المساعي جهود أصدقاء الشعب السوري وأصدقاء النظام على حد سواء.

استغل النظام هذا الوضع، وباشر بتعزيز قواه ومواقعه. فبدأ باستخدام سلاح تدميري أعمى، يسمى البراميل المتفجرة، لتدمير أحياء بكاملها، فيثير الرعب ويؤدي إلى الهجرة. وحملت مجريات العامين 2013 و2014 معالم نكسة للثورة السورية، برزت ارتداداتها بشكل واضح على المنطقة. وسارت الأمور بما لا تشتهي سفن الثورة، فكانت الوقائع التالية:

  • دخول داعش الرقة 9 / 4 / 2013
  • سقوط القصير 5 / 6 / 2013
  • خلع مرسي وانقلاب السيسي 3 / 7 / 2013
  • استخدام السلاح الكيماوي بشكل كبير في غوطة دمشق 21 / 8 / 2013
  • حصار المدن وسياسة التجويع (المعضمية – داريا – الغوطة – حمص)
  • إعلان الإدارة الذاتية في محافظة الحسكة من قبل حزب PYD  12 / 11 / 2013
  • الاعتصامات في الأنبار وفضها بالقوة 30 / 12 / 2013
  • مؤتمر جنيف 2 وفشله في إحداث فرق 22 / 1 / 2014
  • اندلاع قضية أوكرانيا 18 / 2 / 2014
  • سقوط حمص 9 / 5 / 2014
  • سقوط الموصل بيد داعش وانهيار الجيش العراقي 6 / 6 / 2014
  • العدوان على غزة 8 / 7 / 2014
  • أحداث عرسال 2 / 8 / 2014 ومعركة القلمون

وهكذا صارت القضية السورية قضية إقليمية ودولية، أفلتت إلى حد كبير من أيدي أصحابها الفعليين على طرفي ساحة الصراع، بعد أن تركز الاهتمام الدولي على قضية الإرهاب، وأخذت الثورة إلى مطارح رمادية نتيجة الانقسامات والتصرفات الخاطئة والعجز عن تلبية الاحتياجات المطلوبة سياسياً وعسكرياً. ويأتي العجز عن إدارة المناطق المحررة بحكمة واقتدار ليشكل النقيصة الكبرى التي مكنت النظام من استخدام كل ذلك في دعاية منظمة ضد الثورة.

الاستقطاب الاقليمي والوهن الدولي

كان الاستقطاب الإقليمي -الذي وقعت به المنطقة، وتأثرت بنتائجه الثورة السورية أكبر تأثير -أسوأ ما وقعت فيه الثورة، وأدى إلى مزيد من التفتيت والعبثية وتبديد الوقت والجهد في الوضعين السياسي والعسكري للثورة. لأن الدول ذات العلاقة هي الأكثر دعماً ومساندة للشعب السوري والأعظم فاعلية وتأثيراً في أنحاء المنطقة. فالاستقطاب الذي برز بين السعودية والإمارات العربية من جهة، وتركيا وقطر من جهة ثانية تأجج إلى حدود قصوى بعد مجريات الأوضاع في مصر والعدوان الإسرائيلي على غزة. وأورث مؤسسات الثورة السورية إرباكاً وعطالة وسوء أداء لا تخطئه العين، وضعف ثقة بالغ الوضوح من قبل السوريين في الداخل والمجتمع الدولي في الخارج أيضاً.

كانت للتغييرات العميقة التي حصلت في المملكة العربية السعودية على صعيد النهج والمؤسسات، ووضع تركيا في دائرة الاستهداف المباشر، عقاباً لها على موقفها الصارم ضد النظام السوري ودعماً للثورة، دور هام في تجميد وتيرة الاستقطاب، وفتح مسار جديد من التعاون والتنسيق وخاصة بعد عاصفة الحزم التي اجترحت مواجهة مسؤولة وجادة للاختراق الإيراني في المنطقة، ومناسبة لإعادة اصطفاف تكتيكي (يمكن البناء عليه فيما بعد)، شكل رافعة في مواجهة إيران ومخططاتها في المنطقة. غير أن المطلوب في هذا المجال أكثر بكثير مما أنجز.

تبدو روسيا وكأنها تخوض المعركة السياسية في آخر مواقعها في الشرق الاوسط بعلاقات تحالفية مؤقتة وعابرة مع إيران، وبدلالة استثمار فرصة كبيرة للعودة إلى سياسات الشرق الأوسط من موقع الفاعل والمقر، بعد أن أظهرها مسار الأزمة الليبية في موقع المخدوع بأدوار ثانوية. وتسعى إلى التنافس الدولي برغبة إعادة الاعتبار والنفوذ على حساب السوريين بل بثمن دمائهم. وكان للأزمة الأوكرانية التي تشكل محور الجهد الرئيس للسياسة الروسية وتفاعلاتها مع الغرب، وبروز داعش بالمخاوف التي أثارتها بالعنف والإرهاب، وغيَّرت نتيجتها ترتيب الأولويات لكثير من الدول، دور في إحداث تحولات ملموسة في السياسة الروسية في المنطقة، تجلت أخيراً في إنزال قوات برية على الأرض السورية، في عملية تدخل عسكري سافر لدعم النظام ومخططاته، ووضع قدمها في سباق التغيرات الإقليمية الجارية لأغراض شتى. لكن ليس لأحد أن يقلل من دور السياسة الانسحابية والانتظارية التي طبقتها الإدارة الأمريكية بالشأن السوري في تشجيع روسيا لاقتحام المشهد الإقليمي والدولي في المنطقة بشكل غير مسبوق.

أما الصين التي لم تكن من أصحاب الحصص والمآرب السياسية الخاصة في المنطقة، فقد استظلت بالموقف الروسي خطوة بخطوة، وشاركت السياسة الروسية جوهر التحرك والأهداف وخاصة في المنظمة الدولية. وطبيعة النظامين الروسي والصيني وما يواجهانه داخلياً يفسر إلى حد كبير موقفهما السلبي من معطيات الثورة السورية.

ينوس الموقف الأوروبي بين العجز والطموح، ويبدو على قدر كبير من الهامشية والتبعية في قضايا العالم عامة وعلى رأسها القضية السورية. واتصف الموقف الأوروبي من الوضع السوري بالحذر الشديد لاعتبارات استراتيجية تتعلق بالموقف الأمريكي وأمن إسرائيل. بينما تحاول دول الاتحاد أن تموه العجز والقصور في الحقلين السياسي والعسكري عبر النشاط والتقديمات في الحقل الإغاثي. غير أن داعش ومؤثراتها الإرهابية من جهة، وانفجار قضية اللاجئين على الأرض الأوروبية بهذا الشكل الواسع والحاد من جهة أخرى، بدأت تدفع المستنقع الأوروبي للتحرك نحو تفاعلات أكثر جدية.

أما الولايات المتحدة، فتبقى أمام حضور مطلوب ودور مفقود، لكنه متردد وغائب حتى اللحظة. ولم تقنع أحداً تبريرات السياسة الأمريكية لمواقفها، في وقت ترتفع فيه أصوات العاملين السابقين في الإدارة والكثير من الخبراء والباحثين في إدانة تقصيرها وانكفائها، ويشيرون إلى مخاطر هذه السياسة على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم أجمع، وضمناً الأمن القومي الأمريكي. والمعايير المزدوجة غير المقبولة والمفهومة في السياسة الأمريكية تجاه سورية أوضح من أن يتم تجاهلها أو التستر عليها.

مشكلتنا مع السياسة الأمريكية أنها لا تنكفئ وحدها، لكنها تقود إلى انكفاء الآخرين، بل كبح سياسات وإجراءات مطلوبة وممكنة من أطراف صديقة أخرى. كما تؤثر سلباً على حركة المؤسسات الدولية بهذا الاتجاه.

مشكلتنا مع السياسة الأمريكية أنها لا تنكفئ وحدها، لكنها تقود إلى انكفاء الآخرين، بل كبح سياسات وإجراءات مطلوبة وممكنة من أطراف صديقة أخرى. كما تؤثر سلباً على حركة المؤسسات الدولية بهذا الاتجاه.

ويبقى لغياب مصر بدورها التاريخي وثقلها الاستراتيجي في المعادلة العربية وتوازن القوى في المنطقة دور خطير في إطالة عمر الفوضى والارتباك. وما لم ترجع مصر إلى مكانها ومكانتها في الركب العربي بقوة ومسؤولية، يبقى الحضور العربي هامشياً وضعيف الفعالية في تنظيم مواجهة للاستحقاقات. لكن مؤشرات واضحة في السياسة المصرية، من موقع الثورة المضادة، برزت في الفترة الأخيرة بشكل مقلق لا يمكن تجاهله. بينما تغط الجامعة العربية في نوم عميق، وتغرق في عطالتها وغيابها بشكل كامل.

التنظيم و " الدولة " والخرائط الممزقة

عندما يتجرأ إيراني ويقول: "سورية المحافظة الإيرانية رقم 35" ويرسم إقليم كردستان حدوده كيفياً من جانب واحد بناء على الأمر الواقع في العراق. ويجتاز حزب الله الحدود اللبنانية السورية بحرية جيئة وذهاباً، كما يفعل في ضاحية بيروت الجنوبية. فلماذا لا تزيل داعش الحدود، وتعلن دولتها بين الفلوجة العراقية وجرابلس السورية، وتعبرها بسيارات الهامر والأعلام السوداء والقتل المباح ؟!

بعد قرن من مشروع سايكس– بيكو، والكثير من البروتوكولات والاتفاقيات لترسيم الحدود وضبطها بين دول المنطقة، وبعد أطنان من الأوراق القانونية والدستورية والسياسية التي أسست لها وبرعاية عصبة الامم وبعدها هيئة الأمم وإجراءاتها واعترافاتها. تأتي "الدولة" التي تختصر الدولة الإسلامية في العراق والشام، لتبني دولتها خارج الدول وفوقها بل بالرغم منها. إنه انهيار كبير للدول، وتصدع عميق في بنية الشعوب، يمكن أن يلبس ثوب المؤامرة والخطط الدولية المسبقة الصنع، غير أن أحداّ لا يمكنه أن يُخرج عامل الهشاشة التاريخية والفوات المزمن لدول المنطقة ومجتمعاتها. كما لا يمكنه أن يستبعد ما يجري في الخفاء بعد ما حصل في كل من الرمادي وتدمر، وجعل دولة " الدولة " أكبر حقائق الوضع الجديد، والمرتكز لكل تطورات قادمة في المنطقة. وليس لأحد فرداً أو جماعة أن يتنصل من مسؤوليته فيما جرى في الماضي ويجري اليوم من انحطاط وتدمير مذهلين. دم وغبار ووحشية مطلقة، تغطي خريطة المنطقة بل خرائطها التي ستتغير كثيراً قبل أن تستقر.

تعليقات