المعارضةُ السورية والمسارُ الدستوريّ (وفدٌ في سلةِ موسكو)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2018-08-30
السورية نت
المؤلف: 

يبدو أن المعارضة السورية كالمعتاد تسير منقادة خلف الاستحقاقات التي تحددها الدول "الضامنة" (تركيا، روسيا) وتنفذها الوساطة الأممية المتمثلة بفريق ديمستورا، حيث قام ديمستورا وفريقه بالتلاعب بترتيب السلال الأربعة التي تم الاتفاق عليها في جولة مفاوضات جنيف أربعة؛ إذ تم تأخير السلة الأولى المتعلقة بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي (نظام حكم غير طائفي يُمثل الجميع) لصالح سلة الدستور والتي تليه في ترتيب السلال الذي أعلنه ديمستورا، وطبعاً جاء ذلك في إطار استمرار موسكو والتحالف الدولي بالحرب على تنظيم "داعش" وقضم روسيا لمناطق المعارضة الواحدة تلو الأخر بعد خرق اتفاقات "خفض التصعيد"، الأمر الذي يعني بحكم الواقع الجديد إنهاء السلة الرابعة من حيث الترتيب (حرب الإرهاب) قبل البدء بباقي السلال، وعليه لم يبق من سلال ديمستورا فعلياً غير سلة الدستور ثم سلة الانتخابات.

وبناءً على تلك المتغيرات، استجابت المعارضة السورية لمطالب ديمستورا وقدمت أسماء وفدها المكون من 50 عضو للجنة الدستورية، والتي تتألف من ثلاثة وفود متساوية التمثيل بمعدل 50 عضو لكل طرف (النظام، المعارضة، المجتمع المدني)، وقد حظي وفد المعارضة للجنة الدستورية بمباركة تركية، حيث أرسلت الحكومة التركية رسالة تأييد إلى الأمم المتحدة تدعم وفد المعارضة.

ويبدو أن المعارضة السورية تخوض جولة التفاوض حول الدستور في ظل جملة من الظروف الصعبة، والتي قد تحرمها من أي أوراق للضغط أو تحسين شروط التفاوض، ولعل أبرز تلك الظروف يتلخص فيما يلي:

1- سيطرة النظام على كامل مناطق الثقل العسكري للمعارضة ما عدا مناطق إدلب وريف حماه وريف اللاذقية وريف حلب، والتي تحضر موسكو حالياً حملة عسكرية على أجزاء منها، ولا يمكن التنبؤ بمستقبل هذه المنطقة في ظل ما حدث مع سابقاتها من مناطق "خفض التصعيد"، وبذلك قد تتحول المعارضة السورية إلى "معارضة منفى" ليس لها ثقل حقيقي على الأرض، وخصوصاً في ظل المساعي الروسية الحثيثة للضغط على الدول التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين، الأمر الذي ربما يؤدي إلى معالجة البعد الثاني الأكثر أهمية بعد الإرهاب من أبعاد الأزمة السورية على المستوى الإقليمي والدولي(ملف اللاجئين)، وبذلك تتمكن موسكو من تحويل القضية إلى صراع داخلي على السلطة بين معارضة ونظام يمكن حله بتمثيل بسيط للمعارضة داخل نظام الحكم الحالي .

2- تشهد عملية الإعداد لجولة التفاوض حول الدستور غياب شبه كامل للدول الصديقة للمعارضة السورية وبخاصة السعودية والاتحاد الأوروبي، ما يجعل الموقف التركي وحيداً في الإشراف على تشكيل وفد المعارضة والتنسيق مع موسكو في هذا الإطار، وهذا بالنتيجة سيقلص قدرة المعارضة على التمسك بمواقفها ومطالبها الدستورية، ويمنح النظام قوة تفاوضية أكبر.

3- تركيبة الوفد التفاوضي للمعارضة، والذي يعكس الخلل البنيوي لمؤسساتها من حيث تكوينها المعتمد على كتل تمثيلية وإن كانت تتفق في غالبها على الموقف العام من نظام الأسد؛ إلا أنها تختلف بشكل جذري حول موقفها من قضايا الدستور الأساسية وأهمها شكل الدولة ومرجعيتها (مركزية – فدرالية- علمانية – إسلامية- عربية)، وتلك الخلافات ستجعل من الصعب جداً الوصول إلى موقف ومطالب موحدة لوفد المعارضة نفسه، مما سيضعف موقفه أمام المبعوث الدولي ووفد النظام، خصوصاً أن هناك ثلث منحاز بدرجة ما لتصورات النظام وهو وفد "المجتمع المدني"، والذي من الممكن أن تكون مواقفه أقرب إلى مواقف النظام بشكل يعطي التفوق العددي داخل اللجنة الدستورية للنظام، والذي سيحوز الثلثين في اللجنة.

وعليه يكون موقف وفد المعارضة إلى اللجنة الدستورية شديد الصعوبة من حيث الظروف التي يخوض فيها التفاوض، ومن ناحية تشكيل الوفد تحت إشراف تركيا، الأمر الذي سيجعله نسخة من وفد التفاوض في أستانا، ولذلك لا يمكن التنبؤ له بنتائج أفضل مما حققه في أستانا، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها تركيا والعلاقات المتوترة مع الولايات المتحدة، والتي تفرض على تركيا التقارب مع موسكو، وقد يكون الموضوع الدستوري أحد التنازلات التركية لموسكو في هذا الإطار.

بالنسبة للنظام ومن خلفه موسكو  يُشكل سير العملية التفاوضية حول الدستور في ظل هذه الظروف وضعاً مثالياً ومطابقاً للإرادة الروسية في ترتيب خطوات الحل السوري؛ فتقديم السلة الدستورية على سلة تشكيل لجنة حكم انتقالية هو مطلب روسي استجاب له المبعوث الأممي، وبالتالي تهدف موسكو إلى إتمام التفاهم حول الدستور السوري بشكل بطيء نسبياً ريثما تستكمل ترتيبات السيطرة على مناطق المعارضة والتفاهم مع دول الجوار السوري حول برنامج إعادة اللاجئين، ويبدو من خلال الظروف المحيطة بالعملية التفاوضية حول الدستور بأن موسكو ربما ستكون قادرة على نقل التفاوض إلى سوتشي، الأمر الذي سيعكس رمزياً هيمنتها المطلقة على الملف السوري، وتغيير المسار الأممي في جنيف. كما يمكن في ظل هذه الظروف التنبؤ بأن موسكو والنظام يمتلكون القدرة على فرض رؤيتهم على اللجنة الدستورية، والتي تتمحور حول اعتماد دستور العام 2012 مع إضافة بعض التعديلات الطفيفة.

وفي حال اعتماد دستور 2012 وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، فلن يكون هناك فرصة أمام المعارضة لتغيير شكل نظام الحكم من رئاسي إلى برلماني، وإنما سقف الطموحات سيكون التفاوض حول تقليص بسيط لصلاحيات رئيس الجمهورية، وتخفيف مركزية الدولة بمضامينها الإدارية فقط وليس السياسية، فمن غير المحتمل حتى في ظل التقارب بين النظام ومجلس "سوريا الديمقراطية" أن يستطيع الأكراد الحصول على حكم ذاتي أو لا مركزية سياسية موسعة؛ فالتقارب مع النظام جاء في ظل احتمال الانسحاب الأمريكي وهم في موقف ضعف أمام النظام لا يؤهلهم لرفع سقف المطالب.

بالمقابل لا يعتبر موقف المعارضة في العملية التفاوضية حول الدستور أفضل كثيراً من حال "سوريا الديمقراطية"، فهي أيضاً تذهب للتفاوض من موقع المهزوم عسكرياً، ودون غطاء دعم عربي أو دولي، وفي ظل ارتباك تركي وحاجة متصاعدة للتقارب مع موسكو، ولذلك فإن التمسك بمطالب تغيير شكل نظام الحكم جذرياً أو تحويل شكل الدولة إلى فدرالية أو لا مركزية سياسية سيكون سقفاً مرتفعاً جداً للمطالب لا يمكن في ظل الظرف الحالي الحصول عليه، وإنما يبدو أن مطالب المعارضة ستدور في فلك المسموح إقليمياً ودولياً، وهي في أفضل أحوالها نقاط مثل: تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وتعزيز الحريات من خلال صياغة قانون أحزاب وقانون جديد للمطبوعات يعطي للمعارضة مساحة حقيقية للتعبير عن نفسها حزبياً  وإعلامياً، والتركيز على تكريس دور الرقابة البرلمانية على الحكومة والأجهزة الأمنية والجيش، وعلى عملية إعادة الإعمار المقبلة، حيث ستشكل تلك المطالب سقفاً مقبولاً من قبل موسكو في ظل ظروف التفوق الحالية وتراجع الدور الأمريكي الأوروبي في دعم مطالب المعارضة، وإقناع الأخيرة بأن تلك المطالب قد تؤسس في حال الحصول عليها بضمانات روسية-دولية لمرحلة انتقال ديمقراطي على المدى البعيد في سوريا.

وعليه لابد للمعارضة السورية إدراك حقيقة أن خوضها للتفاوض حول الدستور يُمثل اعترافاً ضمنياً بالهزيمة أمام النظام، والموافقة على بقاء بشار الأسد في المرحلة الانتقالية على الأقل، حيث يعني الاتفاق على دستور، وإن كان مؤقتاً، انطلاق المرحلة الانتقالية، والتحول إلى سلة الانتخابات وفق ترتيب المبعوث الأممي، وهو ما يقتضي في ظل احتمال نجاح موسكو في إطلاق عملية إعادة للاجئين استكمال ترتيبات الحل السياسي، ونهاية البعد الدولي الإقليمي للأزمة السورية، وعودتها أزمة وطنية، وهذا ما سيشكل مرحلة جديدة واختباراً حقيقياً أمام المعارضة للعودة إلى سوريا وممارسة نشاطها السياسي على الأرض، وهذه المرحلة تتطلب الإعداد لتشكيلات سياسية قادرة على منافسة حزب البعث انتخابياً، وضمانات دولية وبخاصة روسية للعودة الآمنة، وممارسة العمل السياسي داخل سوريا. وهو ما لا يبدو متوافراً حتى الآن.

تعليقات