المنطقة الآمنة.. مستقبل غامض مرهون بثقة الأتراك بالأمريكيين

الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والأمريكي دونالد ترامب (GETTY)
الخميس 19 سبتمبر / أيلول 2019

بين حديث الأتراك عن "مماطلة" أمريكية، وحديث الأمريكيين عن "عقبات" تركية، يبدو أن التحركات الأولية لتنفيذ اتفاق "المنطقة الآمنة" شمالي سورية لا يعكس بالضرورة الانسجام والثقة المتبادلة بين تركيا والولايات المتحدة لتجسيد ذلك الاتفاق على أرض الواقع.

ورغم تسيير دورية مشتركة بين واشنطن وأنقرة في "المنطقة الآمنة"، في 8 سبتمبر/ أيلول الجاري، وتنفيذ خمس طلعات جوية أمريكية- تركية في الأجواء السورية، أبدت تركيا سخطها مما تصفه بـ "المماطلة" الأمريكية لتنفيذ الاتفاق المبرم بين الطرفين في 7 أغسطس/ آب الماضي، والذي تهدف تركيا من ورائه إلى تأمين حدودها الجنوبية من "الخطر" الكردي، فيما تهدف أمريكا منه إلى تجنيب منطقة شرق الفرات عملية عسكرية تركية شبيهة بما حدث في عفرين.

غموض يلف الخطوات اللاحقة

تحدث الناطق باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، شون روبرتسون، لقناة "الحرة" الأمريكية، الأسبوع الماضي، عن عقبات تعترض تنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة، مشيراً إلى أن البنتاغون ما زال يناقش تلك المشكلات مع الأتراك، دون تحديد طبيعتها وماهيتها.

ومع ذلك أكد روبرتسون أن واشنطن اتخذت خطوات "جدية" و"سريعة" ضمن اتفاق المنطقة الآمنة، رافضاً حديث الأتراك عن مماطلة أمريكية في تنفيذه.

وفي إطار ذلك، يرى الباحث السياسي بدر ملا رشيد أن تطبيق اتفاق المنطقة الآمنة قد يواجه عقبات عدة خلال الفترة المقبلة، على اعتبار أن خطوات ما بعد تسيير الدوريات المشتركة لا تزال "غير واضحة".

وأشار ملا رشيد في حديث لموقع "السورية نت" إلى أن الإجراءات الحالية التي اتخذها الجانبان التركي والأمريكي لتنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة هي خطوات مبدئية لـ "بناء الثقة" من أجل ثبيت الخطوات الفيزيائية النهائية، إلا أن الخطوات الفيزيائية الأخيرة لم يتم توضيحها والاتفاق عليها بين الجانبين، ما قد يعرقل إنشاء المنطقة الآمنة.

وأضاف أن نقاط الخلاف الأساسية بين واشنطن وأنقرة تتلخص في المطالب التركية التي لم تستسغها الولايات المتحدة بعد، وعلى رأسها الانسحاب الكامل لـ "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) و"وحدات حماية الشعب" (الكردية) المدعومة أمريكياً من المنطقة الآمنة، بالإضافة إلى عمق المنطقة التي تريدها أمريكا بعمق من 5 إلى 10 كيلومترات، في حين تصر تركيا على أن تكون المنطقة بعمق 35 كيلومتراً.

وبحسب المحلل السياسي فإن "العمق الذي تريده تركيا يبدو غير سلس القبول لدى الولايات المتحدة، وقبوله يعني تخلي واشنطن بشكل كبير عن دعم المقاتلين الكرد في المنطقة، وجعلهم بمواجهة مباشرة مع الأتراك"، وتابع "قد تقبل واشنطن بالعمق الذي تريده تركيا في حال نجحت الدوريات المشتركة وتم بناء ثقة بين الأطراف الثلاثة، وهذا الأمر غير مستحيل".

وكذلك يرى الكاتب والمحلل السياسي التركي، هشام جوناي، أن الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة حول تطبيق اتفاق المنطقة الآمنة، تتمحور حول نطاق هذه المنطقة وعمقها، وأماكن تمركز "قسد" والوحدات الكردية، بالإضافة إلى مدى تقدم الجيش التركي في المنطقة، والمناطق التي سيتم تسيير الدوريات المشتركة فيها.

وقال جوناي في حديث لموقع "السورية نت" إن هناك الكثير من الغموض الذي يلف الاتفاق المذكور، خاصة أن الثقة "تزعزت" بين أطراف الاتفاق، إذ تعتبر تركيا أن أمريكا خذلتها في كثير من المواقف، ومن بينها تجاهل معاناة تركيا من موجات اللجوء السورية التي تسبب بها النظام السوري، ومماطلتها في تنفيذ خارطة الطريق في مدينة منبج السورية، وعدم تزويدها بمقاتلات "F- 35" الأمريكية، وغيرها من القضايا العالقة التي هزت الثقة بين الطرفين، بحسب المحلل السياسي التركي.

"مماطلة" أمريكية تقلق الأتراك

ارتفعت حدة النبرة التركية المحذرة من مماطلة الولايات المتحدة في تطبيق اتفاق المنطقة الآمنة، خلال الفترة الأخيرة، بناء على تجربة سابقة خاضتها أنقرة العام الماضي مع واشنطن خلال تنفيذ "خارطة الطريق" في مدينة منبج السورية.

وتعليقاً على ذلك، قال الباحث السياسي السوري بدر ملا رشيد إن أمريكا قد تماطل بتنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة، إلا أنها ترى في نهاية المطاف أن الاتفاق أفضل من عملية عسكرية تتوعد تركيا بتنفيذها شرق الفرات.

وأشار ملا رشيد لموقع "السورية نت" إلى أن الولايات المتحدة "مضطرة لتقديم تنازلات مقابل عدم دخولها في توترات مع تركيا، ومقابل تجنيب المقاتلين الكرد، الذين تدعمهم، من الدخول في معركة مع الأتراك"، وأضاف "لا بديل عن اتفاق المنطقة الآمنة في وجه أي عمل عسكري تنوي تركيا تنفيذه شرق الفرات".

ويرى الباحث السياسي السوري أن أي عملية عسكرية شرق الفرات سوف تسبب انهيار السيطرة الأمنية على المنطقة، ما قد يؤدي إلى حدوث اقتتال داخلي "عشائري"، أو إعادة ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" من جديد، على اعتبار أن الآلاف من مقاتلي التنظيم محتجزون لدى "قوات سوريا الديمقراطية" التي قد تفقد السيطرة عليهم في حال وجهت تركيا ضربة عسكرية لها.

وتابع "كل تلك المحاذير قد تجعل الولايات المتحدة ترضخ للمتطلبات التركية، تجنباً لحدوث أزمة أمنية محلية وإقليمية".

أما الكاتب والمحلل السياسي التركي، هشام جوناي، يرى أن أمريكا تماطل فعلاً في تنفيذ الاتفاق المبرم مع تركيا، من أجل إيجاد صيغة للمنطقة الآمنة تناسب الرؤية الأمريكية.

وقال جوناي لموقع "السورية نت" إن الولايات المتحدة "تصرح شيئاً وتفعل شيئاً آخر، والأتراك يدركون تماماً أنه لا يمكن الوثوق بالأمريكيين، ما دفع تركيا إلى التحالف مع روسيا وإيران"، بحسب جوناي.

وأضاف أن المجتمع الدولي قد يضغط على الولايات المتحدة من أجل تنفيذ اتفاق المنطقة الآمنة، منعاً لتأسيس كيان كردي "انفصالي" ذي حكم ذاتي في الشمال السوري، يؤدي إلى تقسيم سورية ويفتح الباب أمام تقسيم دول أخرى في المنطقة، ما قد يهدد الأمن والاستقرار المحلي والإقليمي.

إعادة السوريين.. حماس تركي ورفض أمريكي

يتحدث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي "أُرهقت" بلاده من أزمة اللجوء السوري، عن استيعاب المنطقة الآمنة، التي يطمح إليها، لأكثر من مليون لاجئ سوري، سيتم إسكانهم فيها بعد تزويدها بالخدمات وإنشاء تجمعات سكنية كبيرة داخلها.

تلك الرغبة التركية قد تعطل سير اتفاق المنطقة الآمنة، من وجهة نظر الباحث السياسي بدر ملا رشيد، الذي يرى أن إعادة اللاجئين السوريين للمنطقة الآمنة هي نقطة خلافية بين تركيا والولايات المتحدة.

وقال ملا رشيد لـ "السورية نت" إن واشنطن ترفض إعادة اللاجئين إلى المنطقة الآمنة وتعتبر أي تحرك بهذا الاتجاه هو "إعادة قسرية"، خاصة في حال كان اللاجئون ليسوا من السكان الأصليين للمدن والقرى المشمولة بالمنطقة الآمنة.

ورغم تلك التعقيدات، يرى ملا رشيد أن تحقيق اتفاق المنطقة الآمنة بشكل كامل يعني تحقيق نجاحات سياسية وعسكرية من قبل أنقرة وواشنطن، "وهذا يعني تغيير القوة العسكرية الموجوة وتغيير الهيكل الإداري في المنطقة بصيغة تكون مقبولة للطرف التركي ولأهالي المنطقة الآمنة المهجرين"، حسبما قال.

وأضاف أن نجاح الاتفاق سيقود المنطقة إلى نوع أكبر من الاستقرار الإداري والعسكري، وقد يؤدي إلى تغيير كامل في المنظومة العسكرية والسياسية في المنطقة.

أما الصحفي التركي هشام جوناي يرى أن التنبؤ بمستقبل اتفاق المنطقة الآمنة "أمر صعب"، على اعتبار أنه مرهون بتحركات التنظيمات الكردية شرق الفرات، ومرهون بمدى ثقة تركيا بالولايات المتحدة.

 

المصدر: 
السورية نت