المنظور الروسي وخطة دي ميستورا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/11/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

تبدو روسيا منشغلةً بترتيب حل في سورية، حيث طرحت الأمر مع أميركا، وتوافقا على العودة إلى جنيف 2، ودعت شخصيات معارضة إلى موسكو، منها معاذ الخطيب، واستقبلت وفداً من السلطة، وذلك كله في سياق التحضير لحوارٍ، ربما يفضي إلى العودة إلى جنيف 3.

من كل ما تسرّب، لا يبدو أن المنظور الروسي قد اختلف عما كان في جنيف 2، أي محاولة إقناع بعض أطراف المعارضة المشاركة مع بشار الأسد في الحكم (بعد تقليص صلاحياته)، على الرغم مما قيل لمعاذ الخطيب، إن روسيا ربما باتت توافق على رحيل الأسد. وكرر الروس ذلك مراراً في فترات سابقة، لكنهم لم يستطيعوا تجاوز التمسك ببشار الأسد. وهذا ما ظهر في جنيف 2، وأدى إلى فشله أصلاً، حيث أن من يريد التوصّل إلى حل، ويعرف أن بقاء الأسد لا يساعد عليه، يعمل على الإتيان بوفد لا يمثل الأسد، بل يمثّل طرفاً في السلطة، يوافق على مبادئ جنيف 1، ويقبل بتشكيل هيئة انتقاليةٍ بمعزل عنه. فهذا ما يمكن أن ينجح الوصول إلى حل، ولكن، ما زال الروس يناورون لبقاء الأسد، ربما لأن إيران هي التي تمسك بالسلطة، وما زالت لم تتنازل عن بقاء الأسد في الحكم، وربما لأن المصالح الضخمة التي حصلوا عليها أتت عن طريق الأسد نفسه، وبالتالي، يشعرون أن رحيله سوف يفقدهم ما حصلوا عليه، نتيجة أزمة النظام، وحاجته إلى دعم روسيّ. أو، أخيراً، لعجزهم عن تغيير المعادلة داخل بنية السلطة ذاتها.

وفي هذا السياق، تُطرح خطة دي ميستورا التي تنطلق من "تسكين" الصراعات، اعتماداً على بعض "الهدن" التي تمت في السنة الأخيرة، وصولاً إلى تشكيل "حكومة انتقالية"، يرأسها الأسد، ليغادر بعدها المسرح. وهي الخطة التي تبدو مدعومة من روسيا، وتحبذها السلطة، لأنها تسمح لها بأن تتحكم في مواقع الصراع، من دون أن تقدّم شيئاً مهماً. وإذا كان ظرف الحصار الشديد الذي تفرضه السلطة على مناطق عديدة إلى حدّ خنقها وتجويعها هو ما يفرض تلك الهدن التي تحتاجها السلطة، لتركيز معاركها، بعد أن فقدت جزءاً مهماً من قوتها، وعدم مقدرة حزب الله والميليشيات الطائفية العراقية وإيران على ملء كل مواقع الصراع، فإن تحويل الأمر إلى بداية حل لا يقود سوى إلى تسهيل الأمر على السلطة، لكي تمركز قواتها في المعارك ضد الثورة (خصوصاً أنها لا تقاتل داعش)، كما أن بقاء بشار الأسد لا يفتح على تحقيق حل بأي شكل كان، حتى وإن وافقت أطراف في المعارضة، أو الذين دسّوا في المعارضة.

يتعلق الأمر، هنا، بقناعة القطاعات الشعبية التي بقيت، أو التي هُجِّرت، والمقاتلين بأن قبولهم الحل الذي ليس هو مطمحهم يفترض تحقيق "إنجاز"، كما حدث في الثورات الأخرى، أي إطاحة الرئيس. فالثورة انطلقت من أجل تحقيق مطالب في التغيير الاقتصادي والحرية السياسية، أي بالتخلص من مجمل النظام السياسي الاقتصادي القائم، لكن كل ظروف الثورة وملابساتها، والتدخلات الإقليمية والدولية المضرّة بها، باتت تفرض قبول "حدّ أدنى"، هو بالضبط إزاحة الرئيس وحاشيته. وحده هذا الأمر يقنع بوقف الصراع والانتقال إلى السياسة. وهذا يقتضي أن يزاح الرئيس قبل بدء الحل، أو أن يكون المدخل إلى بدء الحل.

ربما تناور روسيا للإتيان بمعارضةٍ تقبل حلها، لكن المعارضة التي ستقبل هذا الحل ستسقط، بالضرورة، لأنها لا تمتلك التأثير أصلاً على واقع الثورة، وحتى المعارضة الخارجية لن يكون لها أثر، في حال قبلت هذا الحل. لذا، ستفشل لعبة إدخال معارضة جديدة، على الرغم من أن الأمر لا يعني حصر الحل في المعارضة الخارجية التي هي أسوأ، وأهزل، وأعجز، من أن تلعب أي دور. أساس الحل هو "ارحل".