المُقارنة المُستحيلة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

السبت 26 أكتوبر/تشرين الأول 2019
زمان الوصل

ما إنْ بدأت الانتفاضة اللبنانية، ضدَّ فساد السلطة الحاكمة، بإفراز جمالياتها الشعبية من شعارات ولافتات ورقصات وطرائف... حتى أطلَّ علينا بعض عتاة الشبّيحة ليُعيِّروا الثورة السورية بـ"عنفها" و"همجيتها"، وبجمال المتظاهرات اللبنانيات أيضاً!

وبالطبع لا يخفى على لبيبٍ أنَّ القصد من ذلك ليس مديح ما يحصل في لبنان، بقدر تثبيت دعاية النظام الرسمية حول أنَّ الثورة في سوريا خلتْ من أي مظاهر أو جماليات مدنية يُفترَض أن تتحلَّى بها الثورات الحقَّة، وكانت عبارةً عن جولات مجَّانية من العنف والتطرُّف والكراهية.

لكنَّ الجواب على هؤلاء لم يَطُلْ أبداً، بل إنه جاء من قلب ساحات التظاهر اللبنانية، حيث تمَّت استعارة أشهر أغاني وأناشيد وشعارات الثورة السورية، مع بعض التحوير في الكلمات لتُناسب واقع الحال في لبنان.

إبراهيم القاشوش، منشد الثورة السورية الأشهر، الذي اقتلعت أجهزة مخابرات الأسد حنجرته بصورة فائقة الوحشية، أعاد المتظاهرون اللبنانيون زرع تلك الحنجرة من خلال إعادة ترديد أناشيده.

طرائف لافتات كفرنبل الشهيرة، التي اغتال الجولاني مهندسها رائد الفارس، عكست ضوءَها على العديد من اللافتات المرفوعة في لبنان.

حتى الهتافات الساخرة التي راجتْ في الأشهر الأُولى للثورة السورية، استمعنا إلى شبيهاتها في لبنان مع استبدال مُسمَّى "البعثي" بـ"العوني"، وهكذا.

وفي لحظاتٍ معيَّنة، كاد السوري المتابع لوقائع التظاهرات في ساحة النور بطرابلس أن يشردَ فيظنَّ بأنها مشاهد من ساحة العاصي في حماة.

مع ذلك تبقى المقارنة مستحيلةً طالما أنَّ المتظاهرات الجميلات في لبنان، واللواتي أُتيح لهنَّ أن يتحوَّلنَ إلى نجمات في السوشال ميديا، لم يُتحْ لأخواتهنَّ السوريات أكثر من أن ترويَ إحداهنَّ كيف أدخل الجلَّادون إلى رحم زميلتها في السجن فأراً حيَّاً.

طالما أنَّ حَمَلة الورود في ساحات لبنان، لم يُعتقل أحدُهم ويُسلَّم إلى أهله جثَّةً انتُزعتْ أحشاؤها كما حصل مع غياث مطر؛ رائد حَمَلة الورود في سوريا.

طالما أنَّ الجندي اللبناني في وسعه أن يبكيَ تأثُّراً أمام المتظاهرين والكاميرات، دون أن نسمع خبر موته في اليوم التالي، مثلما حصل مع الجنود السوريين الذين رفضوا المشاركة في المذبحة، فكانت نهايتهم رصاصة في الرأس.

إنَّ ما يجعل المقارنة مستحيلةً هو أنَّ ما يشغل بال المتظاهر اللبناني وهو في طريقه إلى المظاهرة، لم يكن يشغل بال المتظاهر السوري، المشغول أصلاً بسؤال إذا ما كانت هذه المظاهرة التي يشارك بها هي آخر عمل يقوم به في حياته