النزعة القومية وانعكاساتها على الثورة السورية

المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

الكاتب: 
عماد مللي

 

1.    مقدمة

هل النزعة القومية لشعبٍ ما هي حسنة أم مثلبة؟ 
وهل تمسّك هذا الشعب أو ذاك كوحدة بشرية له لغة واحدة وتاريخ واحد وجغرافيا واحدة ومعتقدات واحدة بانتمائه الاجتماعي والمعرفي وإيمانه بمجموعة من المتطلبات التي كوّنها إطاره القومي يعتبر نزعةً متطرفةً، أم ظاهرةً طبيعيةً تحتاج للتشذيب ليس إلا؟
ليست سوريا دولة مبنية بحجارة من نفس النوع، فالتركيبات الموزاييكية التي جمعها ملاط الوطنية خلال الفترة الممتدة من الاستقلال ولغاية انطلاقة الثورة السورية 2011 هي التي شكلت النسيج الحقيقي لهذه الدولة، بصرف النظر عن مدى ترابط هذا النسيج ومدى قدرة هذا الملاط على الجمع بين المكونات. وأخذاً بعين الاعتبار كل المؤثرات التي خدشت هذا النسيج وجوّته حتى تعرّى فبانت آثار النخر والتجوية والتمزق الذي طاله. ومن الأمراض التي يشخّصها محللون في السيكولوجيا السورية هو مرض النزعة القومية. فمتى وكيف استفحل هذا المرض؟ وما هو تأثيره على الثورة السورية اليوم؟ وهل من علاج ناجع؟

النزعة القومية لمكونات الشعب السوري والمتزايدة مع بداية الثورة ماهي إلا انعكاسة طبيعية لحالة الكبت والكمون التي عاشتها هذه الشعوب، لكنها أيضاً بؤرة سوداء تلتهم ما حولها بلا هوادة، وهي تشبث بنظريات في طريقها إلى الانقراض. نحاول هنا أن نلقي الضوء على محددات النزعة القومية وتأثيرها في مدى المشاركة العامة وطبيعة هذه المشاركة للشعب السوري عامة في الثورة، وأسباب تحجيم المشاركة الفعالة لقوى تعتبر نفسها فاعلة في الثورة. ونوضح أيضاً كيف أثرت الثورة نفسها في الموثوقية الثورية للقوميات وحجمت مشاركتهم. وكذلك نقدم رؤية عن النزعة البديلة للنزعة القومية.

2.    لمحة تاريخية
 القومية ليست حديثة المنشأ كما يروّج لها، فالقوميات موجودة بطابعها الشكلي المتعارف عليه بإطارها الاجتماعي والجغرافي المحدود وعلاقاتها بالأقوام الأخرى بقوانين عرفية. وقد عاشت البشريّة في مجموعاتٍ وأقوامٍ تمايزت عن بعضها البعض بأعراقها وألوانها وعقائدها وطريقة عيشها (ثقافتها). وكوّنت امبراطوريات مختلفة على مرّ التاريخ على أساسٍ ديني أو عرقي أو جغرافي. 
ولا نجد في النصوص الدينية ما يذمُّ ولاء الفرد للوحدة الاجتماعية التي ينتمي إليها أيّاً كانت جنسيتها، بل نجد ما يذمُّ التعصّب الأعمى للقوم ظلماً وعدواناً. وفي القرآن الكريم نجد أنّ التفاضُل بين البشر لا يُبنى على العامل القومي بل على التقوى:
" يا أيُّها النّاس إنّا خلقْناكم منْ ذكرٍ وأنثى وجعلْناكم شُعوباً وقبائلَ لِتعارفوا إنَّ أكرمكم عند اللهِ أتقاكم إنَّ اللهَ عليمٌ خبير." ( الحجرات: 13)
وقد ورد مصطلح الأمة في القرآن الكريم في / 64 / آية، تعني بأكثرها الجماعة البشرية (وحتى غير البشرية). وحافظ الإسلام على الروح القومية في إطار المحبة والأخوة ونبذ العصبية القبلية. فالشعور القومي ليس إلا شعوراً فطرياً، ولد مع الإنسان في بيئته الاجتماعية، تمثّلَ بتعلّقه بقومه وحبّه وولائه لمجتمعه القومي.

ولم تكن النزعة القومية لدى العرب أو الكرد أو التركمان موجودةً تحت المظلة الإسلامية بالشكل الذي تكون كل منها موجهة ضدّ الآخرين، فقد نفرت الشعوب وثارت ضد الدولة الأموية والدولة العباسية تحت تأثيرات طائفية مذهبية في غالب الأحيان، واشتراك الكرد والتركمان إلى جانب العرب في مثل تلك الثورات لم يأخذ الطابع القومي بل جاء من باب وحدة الرؤية مع أناس اختلفت رؤيتهم مع منظور الخلافة. 
قد تكون تباشير النزعة القومية بالشكل المفهوم حالياً ظهرت لدى الشعوب التي كانت تخضع للحكم العثماني، حرّكتها دوافع الاستقلالية وأنْ تحكم نفسها بنفسها، وقد تأثرت الأصوات الكردية المنادية بهذا الهدف بأصوات عربية مشابهة وكان التأثير متبادلاً في بعض الأحيان، ويمكننا تمييز بوادر الرغبة في حكم الذات لدى الإمارات الكردية (1). وقد تحولت هذه الرغبة إلى ثورات مسلّحة ضد الدولة العثمانية في أكثر من حالة. كما نستقرئ ذات الشيء من الأدب الكردي المتراكم في الفترة العثمانية من خلال كتابات ملا جزيري - أحمد خاني – علي الحريري- فقي تيران (2) يقول أحمد خاني:

Ez mame di hikmeta Xudêda
                  Kurmanci di dewleta dinêda
Aya bi Çi wechî mane mehrûm
                   Bil cumle ji bo Çi bûne mehkûm
Her mêrekî wan bi bezlê Hatem
(لقد حار فكري في حكمة الله إذ جعل الكرد في هذه الدنيا محرومين، محكومين، مستعبدين بالجملة...)  

المجتمع السوري الذي تحدّد بحدود سايكس بيكو كان متعدد الأطياف، ومتعدد القوميات، تتمايز فيه القومية العربية عن القومية الكردية والتركمانية وغيرها. وتحتفظ كل واحدة منها بمظلوميتها التاريخية وظروف نشأتها.

وكذلك في كتابات النهضة العربية خلال القرن التاسع عشر بعد الانفتاح على الفكر الأوربي إذ بدأت تناقش قضايا الهوية للبلاد العربية المختلفة وعلاقتها بالدولة العثمانية. ورفع أغلب رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسية، بالحرية والعدالة والمساواة، متأثرين بفلاسفة عصر التنوير الأوروبي. وعارضوا السلطة المركزية للدولة العثمانية، بجميع الشخصيات التي توالت على السلطة (3). 
تزايدت المشاعر القومية خلال انهيار السلطة العثمانية لتشهد القومية العربية أوّل محاولاتها المتمثلة في إقامة المملكة العربية بقيادة الملك فيصل الأول. ثم تطور مفهوم القومية فيما بعد الحرب العالمية الثانية وبدأت أشكال الدول القومية تبرز ونظريات القومية تتسلل إلى الشرق الأوسط لتكون هناك عدة أشكال للقومية: 

1.    القومية على أساس وحدة اللغة.
2.    القومية على أساس وحدة الإرادة (مشيئة العيش المشترك).
3.    القومية على أساس وحدة الحياة الاقتصادية.

كما ظهرت مصطلحات جديدة مثل تعدد القوميات، أو القومية التعددية، والشعب متعدد القوميات، والدولة متعددة القوميات، المجتمع متعدد الأطياف. وفي بعض فروع ما بعد الحداثة، لم يعد يُنظر إلى الأمم على أنها أراضٍ لها قوانين ملزمة بل على أنها مجتمعات تخيلية أصبحت الهوية الوطنية بها أكثر غموضًا. ولسنا في مضمار البحث عن تعريفات هذه المصطلحات وظهورها ودلالاتها. فما يهمنا في نهاية المطاف هو أن المجتمع السوري الذي تحدّد بحدود سايكس بيكو كان متعدد الأطياف، ومتعدد القوميات، تتمايز فيه القومية العربية عن القومية الكردية والتركمانية وغيرها. وتحتفظ كل واحدة منها بمظلوميتها التاريخية وظروف نشأتها الخاصة. فالقومية العربية التي بنيت على أنقاض الحكم العثماني مشحونة برغبة الخلاص من الحكم الأجنبي وضرورة الوحدة العربية وقدسيتها. أما القومية الكردية فقوامها المظلومية التاريخية وبقاؤها تحت حكم الآخر ونزعتها لحكم نفسها بنفسها. والقومية التركمانية تنامت تحت ظروف القهر والتهميش والعزل الثقافي.

o    ومع أن هذه القوميات تعايشت في فترة ظهورها ولم يكن فيما بينها صراعٌ ما، فقد برزت في الفترة اللاحقة أسسٌ جديدة لكل منها، فالقومية العربية رأت أنّ كل الشعوب التي تعيش على الأرض العربية هي شعوبٌ عربيةٌ. وكرّس حزب البعث هذا المفهوم عندما عرّف المواطن العربي بأنه كل من يعيش على الأرض العربية... وأطلق شعاراته (أمةٌ عربية واحدة ذات رسالة خالدة). ولم تجد القوميات غير العربية لها موطئ قدم في أمّة البعث، بل لقد نالها البطش والقمع عبر ممارسات سحق الهوية ومحاربة الذاكرة القومية وإفراغها وصهرها في البوتقة البعثية. 
o    ومن الممارسات التي صلّبت مفهوم النزعة القومية الكردية حظر الكتابة في الاتجاه القومي وتغييب التاريخ والثقافة، تغيير أسماء المدن والقرى، والجبال، محاربة اللغة، تقليص التمثيل الإداري الفاعل في مؤسسات الدولة، وحجب التمثيل السياسي والعسكري. كما مورست بحق التركمان السوريين ممارسات قمعية استهدفت تعريبهم ومحو ثقافتهم وارتباطهم التاريخي. ولعل سكوت النظام السوري عن احتلال الجولان وخسارة أكثر من ثلاثمائة ألف تركماني قراهم فيها دون المطالبة بها على مدار العقود المنصرمة زاد من ضغينة التركمان، إذ أن غالبية سكان الجولان هم من التركمان. بالإضافة إلى تعرض التركمان القاطنين في المناطق الساحلية لانتهاكات مباشرة من أفراد العائلة الحاكمة.  
كل هذا ولّد الاحتقان المعاكس وساهم في تعرية أغلفة النسيج السوري لتنتشر آثار هذه التعرية في يوميات الثورة السورية ضد النظام البعثي.

3-    أثر النزعة القومية في الثورة السورية
مع أنّ الثورة في بداياتها كانت ذات طابع وطني رائج على الرغبات القومية الخجولة إذ أنها نادت بالحرية التي طالما حنّت إليها القوميات المقهورة غالبيةً كانت أم أقلية، لكن امتداد الزمن ومجريات الأحداث الثورية أعادت التوجهات القومية المتجذرة في الذاكرة الجمعية للظهور. وساهمت عوامل عديدة في تشتيت صفوف المعارضة وانقسامها على نفسها. وتمسّك الأقليات بقومياتها وتوجهها نحو التعصب المتجسد بالنزعة القومية عبر التكتل في أحزاب سياسية لها أهدافها القومية داخل الوطن أسوة بالأحزاب العربية القومية. 

كانت مشاركة الكرد في المظاهرات في مقتبل الثورة واضحة وقوية، لكنها أخذت بالتراجع خاصة بعد تسلح الثورة. التمثيل السياسي للمعارضة السورية لم تفلح في الحفاظ على استقطاب القوميات وتشاركيتها ولم تراعِ عمقها التاريخي في الاضطهاد والمظلومية.

3-1-    النزعة القومية الكردية 
كانت النزعة القومية الكردية تتجه نحو حلم دولة كردية جامعة لأراضي الكرد الموزعة جغرافياً بين عدة دول، لكنها بدأت تميل نحو المطالب القومية الوطنية كالحصول على إدارة ذاتية أو الحصول على الحقوق الثقافية وما يتعلق بحقوق المواطنة. 
والملفت للنظر أنّ هذه النزعة لم تطغَ على المشهد الكردي يوم انطلقت الثورة السورية وسارع الشارع الكردي للمشاركة فيها جنباً إلى جنب مع الشارع العربي، بل رغب في تعزيز النزعة القومية عبر إضفاء الطابع الكردي للمظاهرات (الأعلام الكردية-الشعارات الكردية-آزادي). وكم كان أثر المظاهرة التي سميت جمعة آزادي كبيراً في الضمير والوجدان الكردي، إذ أنها نمّت إحساساً بالذات والقيمة الوجودية في الوطن، وشحنت الرغبة التظاهرية والتشاركية وكانت خطوة عملية لشعار (واحد واحد واحد ... الشعب السوري واحد). رغم أنّ بعض الأصوات كانت تنادي داخل الوسط الكردي بأنّ الكرد لا علاقة لهم بما يجري، وأن الثورة ليست ثورتهم. وظهرت بعض الأصوات الشاذة التي قالت بأن العرب لم يقفوا إلى جانب الكرد في انتفاضة (القامشلي\قامشلو 2004). لكننا لم نجد تأثيراً لهذه النزعة القومية والإطار الفكري الضيق في تلك المرحلة على الانخراط الكردي في التظاهر، بل نجدها أصواتاً شاذةً لا يلقى لها بال، ولا تجد من يصغي إليها أمام اندفاع الشباب ورفرفة الأعلام وصياحات الثوار في شوارع التظاهر.  
لكن ما الذي طعن في ظهر هذا الاندفاع وثبط همة الشباب الكرد، ومحا من الشوارع الكردية معالم التظاهر في يوم الجمعة؟

العوامل التي ساهمت في تقليص الحراك الثوري الكردي:
يمكننا تفنيد عدد من العوامل ساهمت في تراجع الحراك الثوري الكردي وإضعاف الرابط الثوري مع الشريك العربي والانزواء باتجاه المصلحة القومية وتأجيج النزعة التي كان من شأن الثورة أن تقضي على بقاياها:  
1.    المطالبات الكردية المبكرة في مقتبل الثورة والتي نادت بها بعض القيادات الحزبية الكردية جسمت نزعة كردية راغبة في الانعزال عن الثورة واتخاذ طريق آخر سوى طريق المعارضة. وظهر ذلك جلياً من خلال تأثيرها الواضح على الحراك الكردي، وانسجام هذا الحراك مع مجمل الحراك الثوري السوري، وانسحاب الكتلة الكردية من المجلس الوطني السوري في مؤتمر القاهرة والترويج بأنّ المعارضة لا تعترف بالحقوق الكردية. كل ذلك أفسح المجال للتأثير على الحراك الثوري الكردي الذي اتخذ الطابع السلمي. 
2.    تعرض الحراك الكردي فيما بعد للحصار من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD  الذي ضغط على الشارع الثوري الكردي بكافة الوسائل، وسار به في منحى آخر بغية سلخ المناطق الكردية عن ثورة الحرية والكرامة.
3.    مواقف الأحزاب الكردية السورية غير المطمئنة بالنسبة للشارع العربي، فعلى الرغم من إدانة معظم الأحزاب الكردية أعمال حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا أنها تلعب لعبة مزدوجة إزاء ما يحدث في سوريا في محاولة للحصول على مكاسب قومية في واقع سوري ينشد سوريا واحدة للجميع بلا تفرقة. 

المواجهات بين الفصائل المسلحة دفعت الرغبة الكردية إلى الانعزال واختيار طريق مستقل عن طريق المعارضة  كما أدت إلى زيادة التفاف الكرد حول الفصيل المسلّح الذي يعارض توجهات العديد من التكتلات السياسية الكردية ، وهنا فقدت الأحزاب السياسية زمام الأمور وتوجه الرأي العام الكردي إلى تعزيز حماية حدود المناطق الكردية.

4.    ظهور حالة واسعة من عدم الرضى من السياسة الكردية، وفقدان أحزاب الحركة الكردية قسماً كبيراً من قاعدتها الشعبية مقابل فوائد مادية حاز عليها قادة هذه الأحزاب أصبحت بالنتيجة هي الهدف الأسمى بعيداً عن أهداف الشعب والثورة. 
5.    بعض الأصوات العربية التي ظهرت هنا وهناك، ومن قلب المعارضة أيضاً كان لها دورها السلبي في التأثير على الحراك الكردي. فالذين قالوا بالأصل العربي للكرد غرسوا خنجرهم في قلب النزعة القومية. وضربوا على الوتر الحساس، بل وجه خطابهم هذا رسائل غير مباشرة للكرد كي يعيدوا حساباتهم من جديد أمام الانخراط مع القوى الثورية، خاصة وأن النظام بدأ بمجاملة ومغازلة الشارع الكردي، وبدأ بمنح بعض المطالب، من التجنيس إلى إنشاء فرع للغة الكردية في الجامعة، إلى عدم المساس بالمظاهرات الكردية. أي أنه لعب أيضاً على النزعة القومية الكردية لكّنه استغلها للاحتواء والجذب بينما أثارتها بعض شخصيات المعارضة للنفور والتباعد.
6.    بعض المواقف المختلقة من الكتائب المسلحة (حصار المناطق الكردية) جاءت بنتائج سلبية صبّت في تعزيز النزعة القومية وارتكاسات كبيرة على العلاقة الثورية بين المكون الكردي والمكون العربي. فالنزعة القومية التي اعتبرت الدين الإسلامي ديناً عربياً تعود اليوم لتعتبر الثورة السورية ثورة عربية لا تمثل الكرد، أو أنها ثورة إسلامية لن يستفيد منها الكرد (إلى هذا مال الفهم الكردي للثورة السورية). 
7.    بعض المواجهات التي حدثت على أطراف مدينة عفرين ورأس العين ثم في القامشلي وكوباني (عين العرب) ما بين الكتائب المسلحة المحسوبة على المعارضة وأهمها الكتائب الإسلامية وما بين قوات حزب الاتحاد الديموقراطي المحسوبة على الطرف الكردي أتت بنتائج سلبية على مستوى الثورة السورية، فقد زعزعت بقايا الثقة الكردية بالمعارضة، ودفعت الرغبة الكردية إلى الانعزال واختيار طريق مستقل عن طريق المعارضة، كما أدت إلى زيادة التفاف الكرد حول الفصيل المسلّح الذي يعارض توجهات العديد من التكتلات السياسية الكردية وبما فيها الحراك الثوري الشبابي المستقل عن التنظيمات الحزبية، وهنا فقدت الأحزاب السياسية زمام الأمور وتوجه الرأي العام الكردي إلى تعزيز حماية حدود المناطق الكردية، مبتلعة على مضض كلّ الإجراءات المحلية التي يقوم بها حزب الاتحاد الديمقراطي (ضرائب باهظة وسلطة الرأي الواحد والتجنيد الإجباري). فالنزعة القومية التي طغت نتيجة تلك المواجهات العسكرية أيّدت ضرورة حماية النفس مهما كانت ضريبة ذلك كبيرة.
8.    انعزالية الكرد في المقاطعات التي أعلن عنها حزب الاتحاد الديمقراطي شكلت رد فعل عربي رافقها زعزعة الثقة العريية بالتشاركية الكردية في الثورة كما عززت لديهم مخاوف الانفصال.

أحداث كوباني
جاءت أحداث كوباني (عين العرب) بدءاً من حصارها الخانق من قبل تنظيم "الدولة الإسلامية" وحتى سيطرتها على كامل ريف المنطقة متغلغلة في أطراف المدينة، وتهجير سكان المنطقة لتزيد من الاحتقان الكردي، وترفع من معدل هرمون النزعة القومية إلى أعلى مستوياته. ولتظهر القوات الكردية التي تصد هجوم "داعش" على أنها حامي الحمى الكردي والمستبسلة في وجه الإرهاب.
استفادت بعض الجهات الكردية من إثارة النزعة الكردية في قضية كوباني وهيجت الشارع الكردي بمظاهرات في العديد من مدن تركيا وأوربا، وقادت الرأي العام الكردي باتجاه تأييد القوات الكردية المقاتلة في كوباني (عين العرب)، وبالتالي فإن وجود هذه النزعة على الدوام هي سلاحٌ فعال يمكن استخدامه حين الحاجة من قبل هذه الجهات. وتعمل هذه الجهات على شحن هذه النزعة عبر ما يسمى بتاريخها النضالي لتكون بمثابة نقطة قوة في مفاوضاتها السياسية. 

أحداث كوباني تبدو مدروسة لإثارة الغضب الكردي وتوجيهه لطرفين: العربي أولاً والتركي ثانياً.  دعم قوات حزب الاتحاد الديمقراطي بالسلاح يثير أيضاً حفيظة كل الكتائب المقاتلة في سوريا، لكن الصورة البعيدة الضبابية تبدو كأنها تجعل من الكرد أداةً وضحيّةً، كما كان الكرد على الدوام. 

من الطبيعي أن يميل الكرد إلى التعاطف مع بعضهم البعض كونهم يشكلون أقليات في الدول المتجاورة المعروفة، ومن الطبيعي أن يتعاطف الشارع الكردي في تركيا مع مأساة كوباني والتي سلط عليها الإعلام العالمي أضواءه. ويبدو أن هذه الحادثة تتمحور أيضاً حول مفهوم النزعة القومية الكردية كورقة ضغط إقليمية تستفيد منها الدول الكبرى لتحقيق مبتغاها. واستخدام الإعلام العالمي فضلاً عن رؤساء الدول الكبرى اسم (كوباني) بدلاً عن (عين العرب) لم يأتِ من فراغ، بل هو سهمٌ آخر يوجّه لاستثارة الحميّة الكردية ودفعها نحو التعصب والتطرف. وطلبُ الحماية الخارجية لهذه المدينة سواءً من تركيا أو إقليم كردستان أو حتى من التحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" هو رسالة تتضمن عزل المنطقة الكردية برمتها عن الواقع السوري والدولة السورية. وإبعاد عناصر التنظيم عن المدينة المنكوبة يصب في مصلحة تتويج قوات حماية الشعب YPG  التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي(PYD) كبطل أسطوري رفع رأس الكرد عالياً أمام مدينة شبه مدمرة ومئات الآلاف من النازحين، بعد تجاهل دور البشمركة التي قدمت من إقليم كردستان، ودور طيران التحالف الدولي.
أحداث كوباني تبدو أنها كانت مدروسة لإثارة الغضب الكردي وتوجيهه لطرفين: العربي أولاً والتركي ثانياً. 
ودعم قوات حزب الاتحاد الديمقراطي بالسلاح يثير أيضاً حفيظة كل الكتائب المقاتلة في سوريا. لكن الصورة البعيدة الضبابية تبدو كأنها تجعل من الكرد أداةً وضحيّةً، كما كان الكرد على الدوام. 

3-2-    النزعة القومية التركمانية
تنامى الشعور القومي عند التركمان بعد تحسن العلاقات السورية التركية وانفتاح آفاقها وتعدد مجالات التعاون والتنسيق بين تركيا وسوريا مع بداية الألفية الجديدة، إلا أن العلاقات الحسنة مع تركيا لم تنعكس ثمارها على أوضاع التركمان في سوريا. لكن زيادة الوفود الطلابية والعائلات إلى تركيا - الوطن الأم - جعل الفرد التركماني يشعر بفداحة الخسارة في التغير اللغوي وفي التراث الشعبي ويدرك أهمية الخروج  بنفسه وبقوميته من التهميش والنظرة الدونية إلى التألق والاعتراف بوجوده وتأثيره ودوره الوطني في تحرر سوريا من الاحتلال الفرنسي. وبدأ جيل الشباب التركماني يهرب من شعارات الدولة السورية ويتقرب من الفكر التركي الجديد المشبع بقيم الإسلام الليبرالي، ووجد الجيل الجديد من التركمان وخصوصاً فئة الطلاب الدارسين في تركيا أنفسهم يعيدون صياغة شخصيتهم الوطنية والقومية فوق سطور أشعار (يونس أمره – ناظم حكمت – محمد عاكف آرصوي ).
ووجد الشباب التركماني مع انطلاقة الثورة السورية فسحة من الحرية لإحياء اللغة التركية كلغة للتعليم في المناطق التي يقطنها أكثرية تركمانية واستخدامها كلغة أساسية في الحياة العامة ومحاولة إحياء الأدب والتراث والحفاظ على الذاكرة الشعبية ليمتد نشاطهم إلى تشكيل أحزاب سياسية وتشكيلات عسكرية تركمانية.
ولعل الثورة السورية كانت مفتاحاً ينتظره الناس لفتح الأبواب الموصدة على مكنوناتهم التي احتشدت وتراكمت وانضغطت خلف تلك الأبواب. لأن هذه الثورة كانت بمثابة مفترق طريق للشعب السوري بشكل عام، فتباينت الرؤى واختلفت التوجهات حسب حجم الحالة الكمونية فهل النزعة القومية تسير بشكل صحيح ليحقق آمال الناس أم أنها كسدت ورثت وحان استبدالها؟

4-    النزعة البديلة
لقد أوضحت مجريات الثورة المعاشة حتى الآن أن النزعة القومية تنهش جسد الوطن لتقضي عليه مع الزمن، فالانكفاء على النزعة القومية تحت شعارات واهية، ومحاولة إقناع الناس بتكوين كياناتها القومية شبه المستقلة في سوريا وتصوير الأمر بالشكل الأقرب للحلم القومي القديم، ينقشع عنه الضباب عبر العديد من الأحداث لتتبين هشاشة هذه الفكرة، فالمقاطعات الكردية لم تستطع حماية نفسها عسكرياً، ولم تستطع التخلي عن مراكز المحافظات السورية والمدن المجاورة لها اقتصادياً وتعليمياً وطبياً وزراعياً واجتماعياً. كما لا تفيد الخطابات المرتكزة على وحدة القومية وانضواء القوميات الأخرى تحت جناح القومية العربية. 
 ففي هذه الفترة من مسار الثورة السورية والتغيرات الجيوسياسية تحاول أطراف عديدة استغلال النزعة القومية وإثارتها لدى الناس لإغراق المنطقة في صراعات ثانوية على كل المستويات، وضمان استمرار التفرقة التي لا تصب إلا في مصلحة أعداء الأمة (وأقصد بمصطلح الأمة هنا المجموعة البشرية التي عاشت على هذه الأرض على مر السنين بمختلف انتماءاتهم القومية). 
فالناس مصائرهم مرتبطة ببعضها البعض ترابط الروح بالجسد، والصورة المثلى لهذه الأمة كانت على الدوام مثال عقدٍ جمع خيطٌ بين حباته فمنعها من التبعثر، وكلّما كان الخيط متيناً بقيت حبات العقد مرصوصة إلى بعضها البعض وحفظت من الانتشار والتبعثر، فإذا ما انفرط العقد انفردت حباته في وجه ريح ستذريها فلا تذر منها حتى الأثر.
لقد فتحت الثورة السورية باباً أمام الأمة وأعطتها فرصة تاريخية لتتوحد من جديد ولو على كلمة، وألهمتهم أن المصير واحد، وإذا كانت النزعة القومية في هذه الفترة منبوذة فإن البديل ليس بالجديد والمبتدع بل هو ذاته الذي كان سائداً في الأساس قبل ظهور النزعة القومية وتسللها إلى واقع شعوب.

إن ما ينقذ الأمة من الضياع في مستنقع التشرذم والانحلال هو أن تخلع الآن عن نفسها رداء النزعة القومية المتهاوية. وإذا كانت راغبة في النجاة من براثن الخطر الداهم المحدق بها فلا مندوحة إلا باستبدال الحلة التي أثبتت قوتها في وجه عوامل التاريخ بحلة النزعة القومية. فتبقي على النزعة وتستبدل الإنسانية بالقومية فيكون المرام والخلاص في نزعة تدعى النزعة الإنسانية.

ومن الأهمية بمكان الانتباه إلى جملة من النقاط التي من شأنها أن تقوي خيط العقد وتجمع حباته لتبدو متراصة، نوجزها بالآتي: 
-    إنّ الحرص الزائد لممثلي القوميات في جسم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة على إثارة مواضيع تتعلق بالحقوق القومية ينعكس سلباً على الحالة التشاركية في هذا الجسم السياسي، ليبدو الأمر أقرب إلى مبدأ المحاصصة، في حين يجب أن يعتبر أي عضو ممثل في هذا الجسم السياسي نفسه مندوباً عن الشعب السوري بكل أطيافه، ولا يقتصر العضو الكردي أو العضو التركماني أو سواهم بالتركيز على حقوق القوميات التي يجب أن تكون أموراً بدهية في سوريا الحرة. 
-    الجهات الخدمية في المعارضة سواءً كانت حكومة مؤقتة أو منظمات إغاثية أو جمعيات مجتمع مدني عليها أن تبتعد في خدماتها عن المناطقية، وتحترز من التمييز القومي، وتتجاوز هذا الحقل المليء بالألغام وتعامل السوريين معاملة واحدة، وتتجاوز الصعوبات أمام ذلك وتفتح الأبواب وتحطم العوائق التي تعيق من تنفيذ الخدمات والمساعدة في مناطق الأقليات القومية. فإن ذلك من دواعي شد الوشائج بين الناس وسواسيتها فيما بينها. 
-    هناك حاجة ماسة إلى مزيد من إزالة الفواصل القومية وجعلها أكثر نفوذية لتسمح بمزيد من المبادلات والتداخلات.
-    ليس المطلوب من الكرد أو التركمان أو القوميات الأخرى التخلي عن قومياتها والانصهار في بوتقة واحدة (إسلامية – وطنية...) لأن الطبيعة القومية متأصلة لا يمكن اجتثاثها، وهي صفة هذا الوجود البشري أو ذاك، المطلوب حقاً هو جعل الأطر لكل مجموعة بشرية (قومية) أكثر نفوذية بحيث تسمح بالتعايش المشترك بشكله الأمثل.
-    المطلوب هو العودة الى الترابط والارتباط الثوري مع الاخذ بعين الاعتبار الخصوصية القومية. فسوريا في النهاية هي دولة متعددة القوميات.
-    التركيز على مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يضمن لكل المواطنين حقوقهم بشكل عادل.

----------------------------------------------------------------------------------------------

(1)     إمارة بوتان أميرها بدرخان1821- إمارة سوران أميرها الراوندوزي 1826 
(2)     ملا أحمد الجزيري Melayê Cizîrî  (عاش 1570-1640) كاتب كردي وشاعر وصوفي. ولد في جزيرة بوطان. أحمد خاني Ehmwdê Xanî شاعر وأديب كردي وهو صاحب الملحمة الشعرية مم وزين وممي آلان  ولد في مدينة بايزيد سنة 1650.  ولد الشيخ علي الحريري في قرية "حرير" التابعة اليوم لقضاء هكاري في تركيا في العام 1010 م وتوفي فيها أيضاً في العام 1079. ولد الشاعر الكردي الكبير (فقي تيران) سنة 1302 في قرية (مسكي) التابعة لمنطفة (جولمرك) كان فقي تيران في قصائده منفتحاً على الشعوب الأخرى أيضاً حيث كان ينادي بالمساواة والأخوة بين الشعوب.
(3)    كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي أهم كتاب سياسي -اجتماعي معارض، تمّ تأليفه في تلك المرحلة الداعية للتحرر من الحكم العثماني.

 

 

تاريخ النشر من المصدر: 
16/ 02/ 2015
المصدر: 
السورية نت