النظام السوري وشرعية القتل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/1/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

على الرغم من القتل والتدمير الهائلين اللذين تعرضت لهما المدن والبلدات السورية على يد العصابة الحاكمة في دمشق، يجادل أبواق النظام بشرعية النظام وحقه السيادي على أراضيه باحتكار العنف (القتل)، دون حق الاعتراض من الآخرين (سواء كانوا مواطنين محليين أو دولاً أخرى) على سياسة القتل والتدمير الشاملين اللتين يعتمدهما في مواجهة شعبه. ولم يتورع رأس النظام عن اتهام ملايين السوريين بأنهم البيئة الحاضنة لـ "الإرهاب" الذي يجب استئصاله من المجتمع بتدمير هذه "البيئة" مما يعني تدمير البلد على رأس ملايين المواطنين المتهمين بخيانته، أو تهجيرهم من أماكن سكناهم، في أوسع عملية تهجير واسعة داخلية وخارجية غير مسبوقة في المنطقة، تقدر بتسعة ملايين لاجئ خارجي ونازح داخلي، وما زال الهروب من الموت مستمرا. من أجل ذلك اعتمد النظام سياسة الأرض المحروقة والحصار القروسطي التجويعي حتى الموت، للمدن والبلدات السورية ولمخيمات فلسطينية. كل ذلك في مواجهة احتجاجات مشروعة، تلطى الإرهاب وراءها لتدمير البلد (حسب ادعاءات النظام البائسة)، ويحتاج إلى المزيد من التدمير والقتل من أجل القضاء عليه وتطهير البلد منه، مما يعني القضاء على البلد بكامله دون تحقيق المهمة المستحيلة، التي أخذها النظام على عاتقه في مواجهة شعبه، لكنه في الواقع ينفذ الشعار الإجرامي المنحط الذي كتبته عصابة الأسد بكثافة على جدران المدن والبلدات والقرى السورية، الذي يقول "الأسد أو نحرق البلد"، وما تزال المحرقة السورية مستمرة منذ أربع سنوات.

كل كلام عصابة الأسد عن شرعية السلطة ودستورية النظام السياسي، ومصطلح "الدولة" السخيف الذي تكرره أبواق السلطة، لا يعني سوى شيء واحد، حماية الطاغية باحتكار عصابة الأسد قتل السوريين، أو قتلهم من قبل داعمي النظام، مثل قتل حزب الله والمليشيات الإيرانية والعراقية، مثل فضل العباس وغيرها، للسوريين. فالشرعية والدستورية هي تكريس عائلة الأسد مالكة حصرية لسورية بوصفها مزرعة، وحق هذه الطغمة المتوحشة المطلق في استباحة البلد بوصفه ملكية خاصة، بما فيه قتل شعبه بالطريقة التي يراها مناسبة، الرصاص، السكين، المدفعية، الصورايخ، البراميل المتفجرة، الاعتقال، التجويع... وكل وسائل القتل التي يبتدعها عقل انتقامي إجرامي مريض. ولأنه لا ثقافة استقالة يمكن أن تخطر على بال الطاغية، يعطيه دستوره وشرعيتة الحق في استباحة البلد، دون أي حق للمواطنين الذين يُفترض أن هيئاتهم المنتخبة هي التي صاغت هذه الشرعية، وتضمن حقوقا لهم في وطنهم. كل الذي تمت صياغته من حقوق، لا يساوي الورق الذي كتب عليه أمام سلطة دموية مسلحة بالحديد والنار. وعندما ترى السلطة تهديدا من شعبها، فمن حقها أن تبيده لأنه يتحدى شرعيتها التي منحها لها "الدستور"، فاحتكار الدولة للعنف، يعني في الصيغة السورية العبقرية! حق العصابة الحاكمة في إحراق البلاد والعباد، فهذا المواطن (الغبي) الذي منحها الشرعية في (صناديق انتخابات شرعية؟!)، حسب منطقها الأعوج، لا يحق له الاعتراض على القتل الذي يتعرض له، فهذه "شرعية الدولة" في حمايته من الإرهاب، وهل هناك مواطن يعرف مصالحه أكثر مما تعرفها الدولة؟ هو الذي أعطى الطاغية الحق في قتله، لذلك على المواطن أن يذعن لشرعية القتل التي منحها لجزاره، وليس له الحق حتى في الاعتراض كضحية. وما ينطبق على الداخل ينطبق على الخارج، فليس هناك حق للدول الأخرى في الاعتراض على قتل النظام شعبه وتدمير بلده، فهذا يقع في إطار السيادة الوطنية، والعصابة الحاكمة أدرى بشعبها والتعامل معه، لذلك، لا يكلّ النظام عن ولا يملّ من ترديد نبوءته المبكرة الكاذبة عن الإرهاب الذي صنعه بيده وذهب بسورية إلى الهاوية. يقول اليوم: ألم أقل لكم؟ إن ما حدث في سورية مؤامرة كونية إرهابية، تسعى إلى تدمير سورية. وستبقى العصابة ذاتها حتى آخر يوم تردد: ألم أقل لكم؟

لقد فتح النظام الباب واسعا لكل التدخلات الإقليمية والدولية بتمسكه الرهيب بالسلطة وإنكار المطالب الشعبية، ليست أولها الإدارة الإيرانية لسورية ولا آخرها تدخل التحالف في قصف مواقع "داعش". فقد باتت إيران ممسكة بكل مفاصل السلطة في سورية، وعلى كل المستويات، فهذا الاحتلال الإيراني لسورية لا يمس السيادة السورية بمنطق العصابة الحاكمة في دمشق. ما يمسها المطالب الشعبية بالحقوق الطبيعية والحياة الطبيعية ووقف تحكم أجهزة الأمن بحياة المواطنين، ووقف الاعتقال التعسفي، وحقهم في اختيار حكامهم؟! بالنسبة للاستبداد الوحشي، المطالب الداخلية للمواطنين هي التي تشكل الاعتداء على سيادة سورية والمس بشرعية النظام الحاكم، الذي لم يملك يوما أية شرعية، سوى شرعية الحديد والنار، منذ قفز الضباط البعثيون إلى السلطة على ظهر الدبابة قبل أكثر من خمسين عاما.

ليس للعصابة الحاكمة في دمشق أي اعتراض على مساهمة أيٍّ كان في تدمير سورية. شرطها الوحيد بقاؤها في السلطة. لذلك، لم يتحدث أركان النظام عن الشرعية والسيادة عندما بدأت قوات التحالف بقصف الأراضي السورية في مواجهة "داعش"، بل قال رأس النظام إن هذه الضربات لن تجدي نفعا دون قوات على الأرض، ولمّح إلى أنه مستعد أن يكون جيشه هذه القوات الأرضية، دون جدوى، وقد حاول في بداية الضربات الأميركية لـ "داعش" أن يوحي أن هذه الضربات تجري بالتنسيق معه، حتى أن إحدى اكثر الصحف تأييدا للنظام، رأت أن هذا القصف جعل الولايات المتحدة والتحالف في خندق واحد مع الجيش السوري(!!) وتبدد كل الكلام عن المؤامرة الكونية، التي تقف الولايات المتحدة على رأسها. وقيل أوقح الكلام من وليد المعلم، وزير خارجية العصابة الحاكمة في دمشق في الأمم المتحدة، عندما طلب من التحالف الدقة في اختيار الأهداف لتجنب المدنيين، وكأن النظام على مدى أربع سنوات استهدف غير المدنيين؟!