النظام العربي بدون قلب

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

08/ 07/ 2014
الشبكة العربية العالمية
المؤلف: 

تشير التطورات الحاصلة في الجناح الشرقي للإقليم العربي إلى انهيار هذا الجزء من بنيان النظام الإقليمي العربي، وانتهاء الرابط القومي الذي جمعه بذلك النظام، وهو ما تؤكده احتمالية تشكل كيانات جديدة في ذلك الجناح، فضلاً عن نشوء حالة من التبعية للخارج غير العربي.

ما يؤكد على تلك الحقيقة أن شبكة التفاعلات الجديدة التي يتم بناؤها في ذلك الحيز المكاني تتجه في أغلبها إلى خارج المنظومة العربية، مما يعني أن حالة من الانفكاك عن البنية العربية تجري بهدوء وروية، ويجري التأسيس لها بشكل حثيث، يجري ذلك نتيجة اختراقاتٍ عميقةٍ، أحدثتها القوى الإقليمية، غير العربية، في طريق سعيها إلى بناء نظام إقليمي جديد، يضمن تظهير مصالح تلك القوى، بإيجاد توازناتٍ جديدةٍ، تقوم على خليط من الاعتبارات المذهبية والاقتصادية والمطامح الجيوسياسية، وهو ما يتضح جلياً في الحالتين، السورية والعراقية.

ولعل اللافت في هذا التطور أن صناعه المباشرين هم، في الغالب، ممن يطلق عليهم صفة اللاعبين الجدد، فيما اللاعبون الأساسيون شكلوا ما صار يصطلح عليه في السياسات الدولية "الإدارة من الخلف"، ففي حين يتصدر لاعبون أمثال "داعش" و"حزب الله" والجيوش الطائفية في سورية والعراق المشهد، ويتكفلون صياغة ترسيمته، يتضح أن عملية الإشراف على هذا التخليق الجديد تقوم بها مراكز خلفية، من طهران إلى أنقرة وحتى واشنطن، بحيث يقع على هؤلاء عبء تهيئة البيئة المناسبة لتوليد هذا المشهد.
يشير تحليل نمط التفاعلات الحاصلة في قلب هذا المشهد إلى تشكيل بنية إقليمية جديدة، تضمن تحقيق توازنات جديدة بين فواعل إقليمية ودولية، من دون حساب الطرف العربي، والذي يبدو أن فاعليته يجري حصرها في مربع الخليج العربي، بعد أن جرت إعادة صياغة بيئته الأمنية، نتيجة المتغيرات المتسارعة على حوافه، وحصرها في أطر درء المخاطر عن الدواخل، نتيجة تصدع النطاقات الخارجية للمنظومة الأمنية الخليجية، والممثلة بالإطار العربي، وفي ساحات العراق وسورية واليمن.

اللافت، أيضاً، انخراط القوى الدولية التي كان لها دور كبير في صياغة النظام الإقليمي القديم، في لعبة صناعة التوازنات الجديدة في المنطقة، الأمر الذي يشير إلى قناعة تلك الأطراف بأنها فقدت القدرة على إدارة الشكل القديم وضبطه، وأن نمط الصراعات الذي بات ينطوي صار يفرض البحث عن شكلٍ جديدٍ، يوفر قدراً أكبر من المصالح، ويخفف من عبء الجهود المبذولة في سبيل الحفاظ على بنية شرق أوسطية، بدأت تفقد كثيراً من أهميتها الجيوسياسية، لصالح مناطق صاعدة وأكثر أهمية.

ماذا يعني ذلك؟ بالمعنى الاستراتيجي، هذا يعني نهاية للنظام الإقليمي العربي، بشكله القديم، وهو إعلان أن هذا النظام لم يستطع ضبط فعالياته وإدارتها بالشكل الصحيح، ويعني أن هذا النظام تخلى عن أطرافه، بل استعملها هوامش لصد ضغوط الأطراف الإقليمية عنه، بالرهان على استنفاذ جهود تلك الأطراف في تلك المناطق، وتحويلها إلى ورقة للتفاوض التكتيكي على القضايا الإستراتيجية التي يشكل أمن الأنظمة الحاكمة محورها.
على ذلك، تتجه الدول الفاعلة في النظام العربي إلى تأييد هذا الانسلاخ، ما دامت فعاليتها تقوم على محاصرة التداعيات الحاصلة، وتفتقد إلى أي مبادرة واضحة، لترسيخ اندماج سورية والعراق في الإطار الإقليمي العربي، وقد بدأت أطراف في النظام العربي تسعى إلى بناء تحالفاتٍ أمنية بينية، لحماية نفسها من التداعيات المحتملة.

هذا يعني، أيضاً، أن القوة الفائضة في الإطار الإقليمي عند إيران وتركيا استطاعت ملء الفراغ الحاصل في تخوم النظام العربي من جهة، وتصريف فائض قوتها من جهة أخرى، بما يضمن حماية بناها الداخلية واستقرارها، على شكل النظم الحاكمة فيها، والنخب الفاعلة والإيديولوجيات السائدة، فترة زمنية طويلة، وقد أوجدت تلك القوتان مراكز نفوذ لهما، في مناطق تمددهما الجديدة، ودرجة من الاعتماد، لا يمكن الاستغناء عنها، وخصوصاً على الصعد الاقتصادية والأمنية. صحيح أن هذا الشكل كان موجوداً، شكلاً من أشكال التفاعل مع الدول الأساسية، غير أنه اتخذ شكلاً اندماجياً تكوينياً بإيجاد حيثيات معينة.

وينهي الانهيار في الجزء الشرقي من النظام العربي فعالية هذا النظام، ذلك أن تلك الفعالية تركزت، على مدار العقود السابقة، في هذا الجزء، وخصوصاً لارتباطه بالموضوع الفلسطيني والصراع العربي الإسرائيلي الذي شكل شرعية النظام الذي لم تكن له فعالية في أيٍّ من القضايا الأخرى، إضافة إلى أن الأجزاء الأخرى، وبحكم موقعها الجغرافي وطبيعة المشكلات التي تعاني منها، عملت على تأسيس ارتباطاتٍ بمستوياتٍ معينةٍ، مع نظم إقليمية مجاورة، وجرى التكيف مع ذلك الواقع.

لا زالت الوقائع في حالة من السيولة وعدم الثبات، إلى درجةٍ، لا تسمح بتكوين تصور محكم عن مسار التفاعلات والمآلات المتوقعة لها، ذلك أن حالة الاضطراب الكبيرة والمستمرة من المقدر أن تولد مزيداً من الإشكاليات ذات الطبيعة المعقدة، غير أن ثمة تغييراً أكيداً في مصفوفة الأدوار، وتراتبية القوى، في طريقها إلى الظهور، وإذ يفقد النظام العربي قلبه المشرقي، سورية والعراق، فثمة أسئلة كثيرة راحت تطرح نفسها عن معنى النظام العربي الذي سيبقى وشكله.