النقاش الخاطئ حول موضوع اللاجئين السوريين

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

14/9/2015
السورية نت

لم يكن هناك أي وهم لدى المتخصصين بالشأن السوري وأولئك الذين عملوا على الملف منذ بداية الثورة السورية من أنّ السماح للأسد بمواصلة سياسات القتل والإجرام التي يمارسها سيؤدي إلى تهجير الملايين وأن ذلك سيصيب الدول المجاورة لسوريا بالضرر الأكبر ومن ثمّ سيبدأ الضرر بالانتقال إلى الحزام الثاني من الدول ومن بينها الدول الأوروبية.

التوصيف المستقبلي (آنذاك) الدقيق للأزمة كان يركّز أيضاً على أنّه إذا لم يقم المجتمع الدولي بواجباته وتتحمل الدول الكبرى مسؤولياتها بموجب القانون الدولي بالدفاع عن الشعب السوري، فإن قضية اللاجئين قد تتحول أيضاً إلى ورقة جديدة في يد النظام وحلفائه لابتزاز الدول المجاورة والضغط عليهم.

الدول المجاورة وعلى رأسها لبنان والأردن كانت تعاني من حالة عدم استقرار سابقة ومواردها الأساسية شحيحة ومحدودة جداً حتى للأناس المقيمين فيها أصلاً. لبنان منذ أكثر من عقد من الزمان تقريباً لم يتم تنفيذ أي مشاريع بنى تحتيّة أساسيّة فيه، البلد اليوم حرفياً غرق بالنفايات.! الأردن من أفقر ثلاث دول في العالم في المياه، اللاجئون السوريون فيه يشكلون ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة الأردنيّة عمّان.

صلب النقاش الذي كان يطرح من قبل الخبراء في هذا الموضوع في بداية الأزمة السورية أنّه يجب إيقاف الأسد عند حدّه وإلا فإن الانفجار لن يصيب سوريا فحسب وإنما المنطقة بأسرها. الدول المجاورة ستفقد قدرتها بشكل تام على مواصلة استيعاب المزيد من اللاجئين وستعاني من اضطرابات أمنية وسياسية واجتماعية وطائفيّة سيما أنّ بعض الشرائح السياسية والاجتماعية في هذه البلدان معادية للثورة السورية ولاسيما في لبنان.

في موازاة هذا الطرح، فإن جل اهتمام المسؤولين الغربيين كان ينصب بشكل حصري على "كيفية مساعدة هذه الدول على استيعاب المزيد من اللاجئين"!! أما أسئلة من قبيل كيف من الممكن أن نوقف سياسات الأسد الإجرامية التي تؤدي إلى قتل السوريين وتهجيريهم ونزوحهم فلم تكن تطرح على الإطلاق، كذلك الأمر بالنسبة إلى الأسئلة من قبيل كيف من الممكن التخفيف من عناء اللاجئين وعرض استضافة قسم منهم أو حتى مساعدتهم إنسانياً.

حتى المساعدات الإنسانية التي قدمها الاتحاد الأوروبي، فهي لا ترقى بتاتاً إلى حجم الكارثة الإنسانيّة ولا إلى حجم اقتصاد الاتحاد (ألمانيا لوحدها رابع قوة اقتصادية في العالم). لقد كان هناك شبه حالة إنكار للوضع الإنساني في سوريا ولوضع اللاجئين والنازحين لمدة تزيد عن أربع سنوات، رغمّ أنّ الوضع في سوريا ليس مشكلة محلّية أو إقليمية، وإنما دولية. كما أنّ الدائرة الثانية جغرافياً التي من المفترض أن تصاب بنتائج الأزمة السورية هي دائرة الاتحاد الأوروبي ومع ذلك فقد كان هناك حالة من التجاهل، وغالباً ما كان التركيز لدى بعض الدول الأوروبية ينصب على "وضع الأقليات"، "هل يوجد اعتداءات على المسيحيين"؟ هل سيتم ضمان حقوق الأقليات العلوية في مستقبل سوريا؟..الخ. لأشهر طويلة بقيت إيطاليا تطالب بدعم في جهودها لمساعدة المهاجرين واللاجئين من دول مختلفة والذين تدفقوا إليها عبر البحر من كل حدب وصوب، دون أن تلقى هذه المطالب آذاناً مصغية.

التحول الذي طرأ فجأة على هذا الوضع، وتصوير الإعلام لبعض الدول الأوروبية على أنّها "الملك المخلّص" للاجئين المزايدات الرقمية وعروض استقبال اللاجئين تطرح في أحسن الأحوال الكثير من علامات الاستفهام. فما الذي تغيّر فجأة وأدى إلى تغيير سلوك دول الاتحاد ولاسيما ألمانيا وبريطانيا؟ صحيح أن صورة الطفل كانت مؤثرة لكنّه ليس القتيل الوحيد، هناك أكثر من 300 ألف قتيل بسبب الأسد.! هو أيضاً ليس الطفل الوحيد، هناك عشرات آلاف القتلى من الأطفال السوريين، هو أيضاً ليس اللاجئ الوحيد، هناك أكثر من 4 مليون لاجئ سوري، هو ليس الغريق الوحيد، هناك مئات وربما آلاف الغرقى في طريقهم للهروب مما يجري في سوريا.

إنّ أولئك الذين يحيّون ميركل على شجاعتها في استضافة لاجئين يجب أن يعترفوا أنّها لا تقدّم حلّاً طويلاً، وحتى لو استقبلت أوروبا بضع مئات من الآلاف من اللاجئين السوريين فهذا لن يمنع الآخرين من القدوم.

تقول "أنّيه أبلبوم" في تقرير لها بعنوان "إنكار أوروبا القاتل" إنّ "أولئك الذين يحيّون ميركل على شجاعتها في استضافة لاجئين يجب أن يعترفوا أنّها لا تقدّم حلّاً طويلاً، وحتى لو استقبلت أوروبا بضع مئات من الآلاف من اللاجئين السوريين فهذا لن يمنع الآخرين من القدوم".

يقول بنجامين وينثال وهو باحث مقيم في برلين بأنّ الأوروبيين وتحديداً ألمانيا هم جزء من مشكلة اللاجئين. والمؤسف أن الأوروبيين فشلوا في الإقرار بأنّ الخيار العسكري لمنع الديكتاتور الأسد من شن حرب ضد المدنيين هو العلاج الناجع لمشكلة اللاجئين. فالأوروبيون (الكلام لبنجامين) التزموا الصمت حيال الدور الإيراني في تهجير السوريين هرباً بأرواحهم، وألمانيا عارضت العمل العسكري ضد الأسد حتى عندما استخدم السلاح الكيماوي ضد المدنيين ليقتل 1400 منهم دفعة واحدة، علماً أنّه وبدعم من إيران مسؤول عن مقتل 250 ألف إنسان في سوريا أي أكثر بكثير من أفعال تنظيم "داعش".

يتابع بنجامين، ألمانيا لم تكن الوحيدة في انتهاج هذه السياسة. بريطانيا على سبيل المثال رفض برلمانها الهجمات الجويّة ضد الأسد، وأوباما زاد المشكلة تعقيداً عندما تراجع عن خطوطه الحمراء وعن تهديده السابق بالرد إذا عاد نظام الأسد إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين ناهيك عن حقيقة أن نمو تنظيم "داعش" هو في نهاية المطاف نتيجة فشل السياسة الغربية في استبعاد النظام السوري.

ويشير بنجامين في مقاله إلى أنّ باستطاعة ألمانيا لو أرادت أن تطلب من الناتو أن يفرض حظر طيران في سوريا وأن يفتح ممرات إنسانيّة معززة بقوّة عسكرية وأن يتم ضرب قدرات الأسد، ولو فعلت ذلك فأوروبا كلها ستتبعها.

هذا الكلام وغيره من التقارير التي نشرت عن الموضوع يدفعني بالضرورة إلى القول إن مساعدة أي سوري هو أمر مقدس من دون شك ومطلوب، لكنّ ذلك لا يمنع أيضاً من طرح بعض علامات الاستفهام حول الأهداف والنوايا والتوقيت خاصةً عندما تكون المعطيات كما تمّ شرحه أعلاه. فمن يريد مساعدة السوريين عليه على الأقل المطالبة بإيقاف آلة القتل الأسدية أولاً.

 

إن مساعدة اللاجئين والنازحين يجب أن تتم من خلال إيقاف السبب الأساسي (نظام الأسد) الذي أدى ويؤدي إلى جعل أكثر من نصف الشعب السوري (أي أكثر من 10 ملايين إنسان) يتوزعون بين لاجئ ونازح. وفي هذه النقطة بالتحديد فإن الدول الكبرى قد أعفت نفسها منذ البداية من تحمل تبعات هذا الموضوع مما يجعلها شريكة في تحمل نتائجه على المستوى الأخلاقي على الأقل.

وكما ذكرت في الجزيرة مؤخراً، فالأزمة السورية الناجمة عن الجرائم التي لا يزال نظام الأسد مستمراً في ارتكابها على مرأى ومسمع العالم بأسره، تعتبر من أكبر الأزمات الإنسانية التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ونظراً لحجم الأزمة وأبعادها، أعتقد أن طبيعة النقاشات التي تثار مؤخراً حول موضوع اللاجئين تتجاهل الجوهر الحقيقي للموضوع والذي يتعلق برأيي بنقطتين أساسيتين:

النقطة الأولى: هي أن مساعدة اللاجئين والنازحين يجب أن تتم من خلال إيقاف السبب الأساسي (نظام الأسد) الذي أدى ويؤدي إلى جعل أكثر من نصف الشعب السوري (أي أكثر من 10 ملايين إنسان) يتوزعون بين لاجئ ونازح. وفي هذه النقطة بالتحديد فإن الدول الكبرى قد أعفت نفسها منذ البداية من تحمل تبعات هذا الموضوع مما يجعلها شريكة في تحمل نتائجه على المستوى الأخلاقي على الأقل.

النقطة الثانية: أن الإجراءات الاحتوائية المؤقتة من أجل التخفيف من معاناة اللاجئين والنازحين يجب أن تتم عبر التكامل وليس عبر المزايدة، وفي سياق حل جذور المشكلة التي ذكرناها في النقطة الأولى وليس في إطار إخراج المشكلة عن مسارها وخلق مشاكل موازية تخفي جرائم نظام الأسد أو تتجه باللوم إلى لاعبين آخرين.

بهذا المعنى، فالمطلوب هو أن يقدم كل طرف ما يستطيع تقديمه وضمن المسؤوليات التي تقع على عاتقه. وفي هذه النقطة بالتحديد كانت هناك محاولات تكامل بين الدول العربية، لكنها لم ترقَ للأسف للمستوى المطلوب الذي ننشده، ورغم ذلك فإنها تظل أكبر بكثير مما تحاول بعض الدول الأوروبية القيام به الآن بعد حوالي خمس سنوات وتحت ضغط "الأمر الواقع".

المسار الحالي للنقاش الإقليمي والدولي حول موضوع اللاجئين السوريين بالإضافة إلى الخطوات المتبعة للتعامل معه يحيد تماماً عن هاتين النقطتين، وهو ما يعني أنه يسير للأسف في الاتجاه الخاطئ، وأعتقد أن مثل هذا الأمر لا يخدم في النهاية إلا السياسة التي أدت في الأصل إلى تشريد من نجا من الشعب السوري من القتل، بين لاجئي ونازح، وبالتالي استمرار المشكلة.

تعليقات