النموذج التركي مثال الاستقلالية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/7/2016
العربي الجديد
المؤلف: 

كثيراً ما جرى الحديث، في السنوات الأخيرة، عن النموذج التركي الذي ترافق مع مشروع حزب العدالة والتنمية، منذ وصوله إلى الحكم في عام 2002. وأراد الذين أطلقوا هذا المفهوم القول إن الإسلام يمكن أن يتعايش مع الديموقراطية، وجرى التنظير، بعد ذلك، إلى نمطٍ جديدٍ من الإسلام السياسي، وفق نظرة "العدالة والتنمية"، يقوم على الاعتدال والانفتاح ويرفض التطرّف. وعلى الرغم من صحة هذا التوصيف، فإن النموذج التركي اليوم أوسع من إطار حكم حزب ذي أيديولوجية إسلامية لدولةٍ ذات دستور علماني. هو أكثر تعقيداً من النظرة التبسيطية التي تريد تلخيصه إلى إدارة حزبٍ إسلامي لدولةٍ حديثة، ويذهب إلى ما تمثله هذه الدولة بالنسبة إلى مواطنيها من حقوق، وما يربطها بحركة التطور والحداثة، وما تطمح إليه من مكانٍ ومكانة في عالم اليوم.

ويستوقف الزائر إلى تركيا البحث عن أسباب النجاح الذي بلغه النموذج التركي، والتي جعلته يحظى بتقدير داخلي وخارجي. أول الأسباب، أن النموذج التركي لم يقبل أن يحبس نفسه ضمن الإطار الذي حاول بعضهم أن يرسمه لحزب العدالة والتنمية، وتصرّف القائمون عليه بعقلية رجال الدولة، وليس زعماء الحزب الذي يريد أن يستأثر بالسلطة ومكاسبها. وتمكّن "العدالة والتنمية" من إدراك الفارق بين تفويض الشارع له، ليحكم من أجل إدارة الدولة من منظورٍ مختلف عن حكام العهود السابقة الذين غرقوا في الفساد، وإقامة مشروع حكم إسلامي في دولةٍ تمتاز بأن دستورها علماني. وهنا، يمكن تسجيل نقطةٍ لصالح قيادات "العدالة والتنمية" الذين تحلوا بالمرونة وبعد النظر، وتطلعوا إلى الأمام، وليس إلى الوراء، وأدركوا أن ما يطمح إليه الشعب التركي هو تحسين حياته وظروفه المعاشية، واحترام الحريات الأساسية، وأنه لا يحتاج إلى من يرشده إلى دين الإسلام، فهو شعب مسلم، قبل وصول "العدالة والتنمية" إلى الحكم. وهناك إجماع على أن الحزب براغماتي، استطاع أن يتكيّف مع التطورات المحلية والإقليمية والدولية، من دون أن يقدّم تنازلاتٍ كبيرة. وتبين تداعيات الانقلاب الأخير أن القوى السياسية وقفت إلى جانب "العدالة والتنمية"، ولم تذهب في طريق الخيار الآخر، وهذا أمر له أكثر من تفسير، لكنه يحمل رسالةً واحدةً، هي الثقة التي تكونت، وأساسها الانصراف إلى بناء تركيا الجديدة، وهذا أمرٌ لا يتم من دون مشروع نهضوي كبير، لا يتوقف عند القشور والمظاهر.

والسبب الثاني أن المشروع أعاد الاعتبار إلى شخصية البلد المستقلة، البلد الذي بات يرى نفسه على قدم المساواة بين بلدان العالم، هو لا يستجدي أوروبا من أجل عضويةٍ يتصدّق بها الأوروبيون، فالاقتصاد التركي هو رقم 15 في العالم، ويتطوّر بوتيرةٍ كبيرة. وفي الوقت نفسه، لم تعد تركيا حديقةً خلفيةً للولايات المتحدة والغرب، ويتجلى ذلك في علاقة الحكم بالمؤسسة العسكرية التي بقيت تستمدّ عناصر قوتها من صلاتها الخاصة بالولايات المتحدة وحلف الأطلسي، وحتى إسرائيل.

أما السبب الثالث، فهو يتمثل في مواكبة العصر على صعيد التحديث والبناء والعمران. تركيا بلد يمتلك، اليوم، بنى تحتيةً توازي البنى التحتية في أوروبا، وتتفوق عليها في بعض الأحيان، فمدينة اسطنبول التي يصل عدد سكانها إلى نحو 20 مليون تتمتع بشبكة مواصلاتٍ تنافس نظيراتها في باريس ولندن. هذه النهضة وضع أسسها الرئيس الأسبق، تورغوت أوزال، وقام حزب العدالة والتنمية بالبناء عليها. وهذا ما يفسر سر التفاف المواطن العادي من حوله، لأنه بات شريكاً بثمار هذا التقدّم. وفي ما يخص أردوغان يسجل له أهل اسطنبول اهتمامه بالمدينة، منذ بدأ رئاسة بلديتها في 1994، ومن ثم في رئاستي الحكومة والدولة. 
هذا النموذج يشكل مثالاً للشعوب الطامحة إلى الاستقلالية. ولهذا السبب، سوف يبقى عرضةً للتحديات والامتحانات.

تعليقات