الهزيمة "الوطنية" في اللجنة الدستورية السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

2019-02-18
العربي الجديد

تختصر تصريحاتٌ متتاليةٌ بشأن نتائج قمة سوتشي بين الرؤساء، التركي أردوغان والإيراني روحاني والروسي بوتين، حقيقة الهزيمة السورية لكل الأطراف المحليين الذين يحاولون تضليل جمهورهم الموالي لهم، بأن أحداَ منهم حظي بانتصاره على الآخر، على الرغم من أن مبرّرات النظام السوري تكاد تكون أكثر قوةً بحجتها من المعارضة التي تنتقل بخسائرها من العسكري إلى السياسي، إلا أن ذلك لا يعني أن الأسد بواقع التسويات القائمة بقي حاكما لسورية بشكلها السابق ما قبل 2011، وهو لا يعرف شكل سورية التي يقول وزير خارجية بريطانيا، جيرمي هنت، "أنه سيبقى يحكمها خلال المستقبل القريب والأبعد منه. ما يستلزم أن تقدّم روسيا حلاً صالحاً للسوريين"، كما أنه لا يعني هزيمة الثورة بما خرجت من أجله من مطالب التغيير الذي سيكون، شاء أطراف الحل أم تعنتوا، المآل الحقيقي لحرب التصفية الوطنية المستمرة منذ ثمانية أعوام. ففي حين يقول الرئيس التركي إنه بدأ يتكون لدى سلطات بلاده انطباع عن النظام الذي سيتم تشكيله في سورية مستقبلاً.

وكان تقرير لوكالة الأناضول، الناطقة باسم الحكومة التركية، سبق التصريح، ورد فيه أن "أنقرة لا تريد إسقاط الرئيس الأسد، بل تسعى إلى إشراك المعارضة في حكم سورية". تغيب تصريحات النظام السوري عن آلية تشكيل النظام الجديد، بينما تصمت المعارضة التي هي شريكة النظام في صناعة ما يسمّى دستورا يضبط كيفية الوصول إلى ما تتصوره تركيا لشكل النظام الجديد الذي يبدو أنه لا يختلف عمّا تريده روسيا، حيث بقاء رأس النظام ساكنا في مكانه، بينما تصنع هي مؤسساتٍ موازيةً لما تعتبره مؤسساتٌ مواليةٌ لإيران في سورية، ما يعني أن الحل الذي ينتظره العالم من روسيا هو تسكين الصراع المسلح، وتقاسم المصالح مع دول الصراع على سورية، بما يضمن أمن إسرائيل، ويبدّد أي لا جديد يذكر في معادلة التسوية التي تدخل ضمن الخطوط الأميركية المسموح بها في حل الصراع السوري على أساس خسارة الأطراف السورية جميعها بالتساوي، القائم على نسب السيطرة الفعلية الشعبية والجغرافية للدول الضامنة، بما فيها إيران التي تكاد الحرب الأميركية الإعلامية عليها تتحوّل إلى مسلسل فكاهي فاقد لفعاليته، على الرغم من التصريحات الرنّانة والمؤتمرات الطنانة التي لم تثمر عن أي انزياح لقوات القتل الإيرانية في سورية.

وتبتلع المعارضة هزيمتها، بإعلان أسماء اللجنة الدستورية، آخر معاقل الوجود "المعارضاتي" في الصراع السوري - السوري، حيث تُمسك قيادة المعارضة بما سمّته معركتها الدبلوماسية في الحل السياسي، من دون أن تحدّد لجمهورها من السوريين (إن وجدوا) أين انتصارها المرتقب، وكيف يمكن تقييمه على ميزان الربح والخسارة، فحيث رضيت لنفسها أن تكون أداةً لترقيع عباءة الحل المقترح دولياً، وأن تتعايش مع جملة التنازلات المفروضة عليها، بدءاً من القبول بمنتجات أستانة، وصولاً إلى اختصار الثورة بما يمنح لهم من حصةٍ في عضوية اللجنة الدستورية، مبتعدين عن آلية وميكانيكية الحل السياسي الذي فرضته القرارات الدولية، وخاضعين لإرادة التسويات الدولية البينية التي أقرّتها تركيا عنهم، باعتبارها جهة داعمة لهم، مع روسيا وإيران، جهتين تحلان مكان النظام بوصفهما دولتي احتلال له قراراتياً ومكانياً، على حساب مجلس الأمن 2254 الذي ينص على مرجعية بيان جنيف1، وتسلسل تطور الحل، بدءاً من إجراءات الثقة التي رفض النظام السوري تنفيذها، مروراً بالمرحلة الانتقالية التي نعاها رئيس وفد معارضة أستانة، أحمد طعمة، لمصلحة إعادة إنتاج النظام، بالشراكة مع بعض المعارضة.

وهذا يعني أننا أمام حالةٍ من اختصار الثورة في عموميات أهدافها وبرنامجها التغييري، على المسارين القانوني والتنفيذي، إلى تعديلاتٍ دستورية لم تكن، وفق المضامين المسرّبة، تحتاج  

ثورةً تخسر فيها سورية أكثر من مليون شهيد، وتدمر بنيتها التحتية، ويهجّر من أجلها نصف سكان سورية تحت الحصار المفروض عليهم، سواء من النظام، أو أدوات القمع التي تبنّتها المعارضة لاحقاً، كأذرع عسكرية لها من فصائل ذات أيديولوجيات إسلامية متطرّفة، تصب في فكر "القاعدة" وقريباتها، ما يعني اختصار مطالب قيادة المعارضة إلى مجرّد حفظ أدوار لهم في حكومةٍ يشكّلها النظام، بعد أن تخلص من مؤيدي الثورة، ونقل سلطة "تمثيلها" إلى طامحين، ليكونوا معه شركاء للسلطة.

لا يمكن للسوريين على ضفة المعارضة أن يراهنوا على "موقف وطني" يبعد شرعنة الدستور المفترض تصديره لهم، تحت غطاء اللجنة الدستورية، فحيث لا يمكن التعويل على شخصياتٍ تعوّدت القفز من موقع إلى آخر أن تنسحب لمصلحة إبقاء فرصة السوريين ممكنةً في صياغة دستور وطني، يختارون فيه مستقبلهم حسب الشرائع القانونية الدولية، والقرارات الدولية ذات الشأن في قضية الصراع السوري التي تجمع مضامينها على مرحلةٍ انتقالية يُصاغ خلالها دستور لسورية جديدة، على الرغم مما أعلنه ممثل وفد أستانة، أحمد طعمة، وصمت عليه رواد نادي الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية، الذين زرعوا أسماءهم ضمن قائمة اللجنة الدستورية، على الرغم من غياب الصلاحية العلمية والكفاءة السياسية والحس بالمسؤولية الوطنية، تجاه قضية صراعٍ لم تكن مواد الدستور قادرة ذات يوم على نزع توغل القوى الأمنية على حقوق السوريين بكل جوانبها.

الكلمات الدلالية: