الهوية الوطنية والمواطنة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/10/2015
السورية نت
المؤلف: 

في خريف عام 1978، وفي أحد الفروع الأمنية في سوريا، كنت معتقلاً سياسياً بين الآلاف من سجناء الرأي والضمير الذين ازدحمت بهم السجون السورية، كي ينعم الحاكم المستبد بالصمت. وفي الزنزانة المنفردة ذلك المكان الضيق للسجين، اتضحت لي أبعاد الفضاء الواسع للمواطن والمواطنة. كان السجان يصرخ في السجناء " تعال يا مواطن، اجلس يا مواطن، خذ يا مواطن" (دون أن يعفيه ذلك من البذاءة والتجريح وقلة الأدب والاعتداء الجسدي أحياناً). كان يفعل السجان ذلك لأنه محظور عليه أن يتحدث بأسمائنا، مثلما هو محظور علينا أن نسمعها، أو ننطق بها. فالإنسان في بلاد التسلط والقمع يصبح رقماً قابلاً للزيادة والنقصان ومعرضاً للمسح والإلغاء والتشويه.

في ذلك المكان الكريه الذي هو أبعد ما يكون عن المواطنة، بل يشكل التحدي النقيض لها، عرفت معنى المواطنة أكثر مما عرفته من الكتب، وتعلمت كيف أصبح مواطناً من الوقائع المريرة لانتهاك حقوق الإنسان في بلدي أكثر مما علمتني إياه المحاضرات والندوات الثقافية والسياسية، وصممت أن أكون مواطناً أكثر من أي وقت مضى. فكما يقال: " الحسن يظهر حسنه الضد".

كان شيئاً مضحكاً ومبكياً في آن معاً، أن تشوه الديكتاتورية والاستبداد معنى المواطنة إلى هذا الحد. فأنا سجين ويناديني السجان كمواطن، رغم أنه يتركني أتوسد حذائي لمدة عامين في مكان لا يكاد يتسع لجسمي. وأنا مواطن ولو أنه حرم أهلي من معرفة حتى مكان تواجدي. وأنا مواطن ويستطيع سجان أن يحتفظ بي ثمان سنوات في السجن دون تهمة ودون محاكمة. رغم وجود الدستور والقانون والمحاكم وكل العدد الأيديولوجية والسياسية والمؤسساتية للدولة. لكنها دولة الراعي والرعية، دولة السلطان والتابعين، بلبوس عصري وتقنيات حديثة. وكأن الحجاج بن يوسف الثقفي غادر مسجد الكوفة إلى القصر الجمهوري، فخلع لقب الوالي واستطاب لقب الرئيس ومنصبه.

سورية بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف والمذاهب والعشائر وسائر البنى التقليدية والأهلية. وهو متعدد الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والثقافية المعاصرة وسائر بنى المجتمع المدني الحديث. هي انتماءات مفرطة في تعددها نتاج ستة آلاف عام من الحضارة.

هل وصلت الأمور إلى هذا الحد من التشويه؟ نعم. فالسجان قد لا يعرف المعنى التاريخي والسياسي للمواطنة، لكنه بالقطع يعرف أنني لست مواطناً، وهو لا يعتبرني كذلك. فالكلام شيء والفعل شيء آخر، وما يجري على الأرض لا علاقة له بما يسطر في الكتب، ويدون في الملفات الحكومية الرسمية رغم تشوهاته الكبيرة. لذلك جاء الربيع العربي حاسماً ومصمماً على قدر مرارة المعاناة وعمرها الطويل، اختصرته الثورة السورية بشعار " الحرية والكرامة ". في طريقها لبناء وطن ومواطن.

*              *                *

سورية بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف والمذاهب والعشائر وسائر البنى التقليدية والأهلية. وهو متعدد الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والثقافية المعاصرة وسائر بنى المجتمع المدني الحديث. هي انتماءات مفرطة في تعددها نتاج ستة آلاف عام من الحضارة. فمعظم المكونات الحضارية للعصور القديمة والوسطى تجد لها مرتسمات واقعية وما زالت حية على الأرض السورية وفي حياة السوريين. وسورية بلد المسيحية مثلما هي بلد الإسلام، والأحياء اليهودية ما زالت بمسمياتها في المدن الكبرى. والكنائس المسيحية على تنوعها موجودة على الأرض السورية، تماما مثلما هو الإسلام على تعدد طوائفه ومذاهبه. والمكونات الإثنية عديدة أيضاً: العرب والكرد والتركمان والسريان والآشوريين والأرمن والشركس . . . وتنوع الأفكار والاتجاهات السياسية المعاصرة أكثر من أن تحصى.

من الواضح أن هذه المكونات المتنوعة والمتعددة (مثل موزاييك متعدد الأشكال والألوان) يمكنها أن تتساكن وتتجاور، أو تتنازع وتتحارب. لكنها لا تستطيع أن تجتمع على هوية واحدة، تحدد انتماءها المشترك وتتوحد عليه، لتنتسب إلى وطن واحد، إلا إذا قامت الدولة على مبدأ المواطنة، ونجحت في تثبيتها كقاسم مشترك لجميع الهويات والانتماءات الأخرى وفوقها جميعاً. أي الانتماء للوطنية السورية في وعاء الدولة السورية الجامعة، التي تحقق لجميع السوريين الاحساس بالهوية الجامعة والتمتع بالحقوق على قدم المساواة مع الآخرين، والاستجابة للمسؤوليات والواجبات والمشاركة في الحياة العامة بفعالية واندفاع. فالمواطنة علاقة بين الفرد والدولة، يحددها دستور الدولة وقوانينها، وتتضمن قدراً من الحرية وقدراً من المسؤولية، وترتب للفرد مقداراً من الحقوق وعليه مقداراً من الواجبات.

ما هو جوهري هنا هو عنصر الانتماء. لأنه يعطي المعنى الحقيقي لمفهوم المواطنة، ويحقق شروط ممارستها والطرق السالكة لذلك. وبدونه تصبح المواطنة أقرب إلى مجرد جنسية تمنح حقوقاً وتفرض واجبات. وتكون أقرب إلى مفهوم التوطن والإقامة، يسهل خلعها واستبدالها. والفرق بين المواطن والمقيم كالفرق بين الرجل الآلي والإنسان. ولنا في آلاف المغتربين والمهجرين عن ديارهم الذين يقطنون بلاداً أخرى وحملوا جنسيتها دون تحقق الانتماء للمجتمع والدولة أوضح مثال على ذلك. إذ يبقى هؤلاء أسرى مشاعر الاغتراب، حتى أنهم لا يشاركون في الحياة العامة، رغم أن القوانين تضمن لهم ذلك وتوفر شروطه. فبدون تحقق الانتماء تفقد المواطنة روحها وجوهرها الفعليين. دون أن نهمل لحظة واحدة أن الانتماء هو فعل حرية وثمرة باهرة من ثمراتها، قبل أي شيء آخر.

*                   *                    *

اقترن مبدأ المواطنة وتحققه على أرض الواقع بحركة النضال التاريخية للإنسان من أجل الحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية. وهو تعبير عن سعي الإنسان لتحقيق ذاته وتأكيد فطرته وحقه في الوجود الكريم والمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات وتحديد الخيارات التي تمسه فرداً أو عضواً في جماعة وفق إرادته ومصالحه. كما عبر عنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "يولد الناس أحراراً ومتساوين في الحقوق"، وهو ما قاله عمر بن الخطاب قبل أربعة عشر قرناً في بلاد العرب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً " بموضع إحقاق الحق وإقرار العدل في نزاع بين قبطي ومسلم. وتقتضي المواطنة حتى تتحقق:

  • الاعتراف بوجود الثقافات المختلفة واحترامها.
  • الاعتراف بوجود الأديان والطوائف المختلفة واحترامها.
  • الاعتراف بوجود ايديولوجيات وتيارات سياسية مختلفة، والدعوة إلى فهمها وتفعيلها وفق القانون، وتوفير حق التواجد والتعبير لها.
  • احترام حق الآخر وحريته على قدم المساواة.
  • فهم الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، والاهتمام بالشؤون الكونية.

حس الانتماء إلى الدولة وإلى الشعب، والتفاعل اليومي والعميق في مجريات الأحداث داخلها، يعطي المواطنة جوهرها، ويحوِّل المرء من مجرد مشارك إلى جزء بنيوي وفاعل، يتبادل معها التأثر والتأثير في عملية تفاعل مثمرة، شرطها الأول والأساس المساواة.

وتقوم المواطنة على مفهوم بسيط وبديهي، لكنه ليس سهل المنال. يتمثل بالحقوق الطبيعية الأصيلة للإنسان، وأن الشعب صاحب السيادة. وبالتالي فإن المواطنة تبنى على حقوق أساسية للفرد كإنسان أولاً، ثم كمواطن من الشعب في الدولة ثانياً. وتتحقق وفق أبعاد: الهوية والانتماء، التعددية وقبول الآخر، والحرية والمشاركة والحقوق المتساوية.

حس الانتماء إلى الدولة وإلى الشعب، والتفاعل اليومي والعميق في مجريات الأحداث داخلها، يعطي المواطنة جوهرها، ويحوِّل المرء من مجرد مشارك إلى جزء بنيوي وفاعل، يتبادل معها التأثر والتأثير في عملية تفاعل مثمرة، شرطها الأول والأساس المساواة. فالشعور بالمساواة الفعلية بين المواطنين يوحدهم، ويزيد الفعل التضامني بينهم، ويؤدي إلى الاحترام المتبادل والتعاون والعمل المشترك بأريحية، ويؤسس للتحلي بروح عالية من السلمية والتواصل والتسامح.

تلعب المواطنة دوراً كبيراً في تحصين ساحة المواطن الفرد والمواطنين كجماعة ضد تدخل الدولة وتعسفها في حياتهم. وتعمل على توفير الحد اللازم من الحريات وحمايته، ومقاومة الانتهاكات التي تقوم بها الدولة وأجهزتها، وتعمل على ضمان ذلك وتوسيعه باستمرار. كما تعمل المواطنة على توليد آليات للعمل المشترك، والسعي نحو تحقيق المصالح العليا والخير العام لكل من المجتمع والدولة أي للوطن بأكمله. وتظهر المواطنة على مستويين: الأول في العلاقة بين الأفراد والدولة، والثاني في العلاقة بين الأفراد بعضهم ببعض. وتقوم على الأسس التالية:

  1. المشاركة بحرية وفعالية في الحقلين الثقافي والسياسي وفي أدوات الحكم ومؤسساته.
  2. المساواة التامة مع الآخرين في كل شيء، أمام القانون وفي الحقوق والواجبات بعيداً عن أي اعتبارات أو استثناءات أو خصوصية يمكن أن توجد.
  3. التمتع بمنظومة الحريات والحقوق المدنية والسياسية المختلفة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي يحفظها دستور ديمقراطي وسيادة القانون.

بتحقيق هذه الأسس يتحقق وجود المواطن، وانتماؤه لوطنه وولاؤه له، وتفاعله الإيجابي والبناء مع مواطنيه، والتزامه قاعدة الوطنية أرضاً وشعباً. من هنا نصل إلى استنتاج طبيعي محدد وواضح المعالم، وهو أن جميع المحددات والعوامل السابقة، تحيلنا إلى الديمقراطية كنظام للحياة وشكل لإدارة الدولة ومؤسساتها، يستطيع أن يبني المواطن الفرد، ويحوِّل الرعية إلى مواطنين. مفهوم المواطنة هو المبدأ الأساس الذي يقوم عليه النظام الديمقراطي. فلا ديمقراطية دون مواطنة، ولا مواطنة خارج النظام الديمقراطي. غير أنه في موازاة الحقوق التي ينالها المواطن، تترتب عليه واجبات تكون نتيجة منطقية وأمراً طبيعياً في ظل نظام ديمقراطي، يعترف بحقوق المواطنة ويوفرها للجميع. يأتي في مقدمها: دفع الضرائب للدولة والمساهمة في العمل والاقتصاد، وتنفيذ القوانين والعمل على احترامها وتطبيقها، والدفاع عن الوطن أرضاً وشعباً / دولة ومجتمعاً، في إطار ما يسمى خدمة العلم أو الجندية الإلزامية. 

إن إنجاز الانتماء الوطني للأفراد هو المحتوى الأساس للمواطنة، وفي الوقت نفسه الهدف المركزي الذي تريد أن تصل إليه. وهذا يتشكل بفعل التربية ومناخات الحرية المتاحة وفرص المشاركة الفعالة في الفضاء السياسي المفتوح أمام الجميع. ثم الشعور بالإنصاف والمساواة. المواطنة هي الشكل الأبهى في هذا العصر لوجود الإنسان كفرد وحضوره كجماعة.

تعليقات