الهويّات القاتلة ... الطائفة والدولة

صورة سمير حمدي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/ 06/ 2014
العربي الجديد
المؤلف: 

ربّما كان الانهيار المتسارع لجيش نوري المالكي في العراق قد أثار قدراً من الدهشة، سواء من حيث عجزه عن الصمود، أو من جهة غياب الروح القتالية لديه، غير أن ما جرى لم يكن سوى عَرَض أو مظهر لمشكل أعمق، يعانيه العراق، تماماً كما جواره السوريّ، أي أزمة الشعور بالانتماء، ومنطق الهوية المتشظية.

منذ الاجتياح الأميركي بغداد، كان واضحاً أن الورقة الاستعمارية القديمة، القائمة على التفرقة من أجل الهيمنة، تم استخدامها ببراعة، حيث حُمِّل صدام حسين وحزب البعث كل كوارث العراق. وفي الوقت نفسه، القيام بعملية ربط خبيثة بينه وبين انتمائه الطائفي، باعتباره حاكماً سنّياً، اضطهد جانباً من شعبه، سواء لسبب مذهبي (الشيعة)، أو قومي (الأكراد). وإذا كانت الحقائق التاريخية تكشف أن "بعث" صدام، وعلى الرغم من بذور الاستبداد الكامنة فيه، لم يكن طائفياً، كما أراد خصومه أن يصوروه، وهو ما ستثبته ممارسات الذين تولوا السلطة من بعده. وبداية من منطق المحاصصة الطائفية للسلطة التي بدأت مع دستور بول بريمر، فإن الممارسات السلطوية لحزب الدعوة، بعد وصوله إلى الحكم في نسختيه (إبراهيم الجعفري ثم نوري المالكي)، لم تقدّم سوى نموذج دمويّ إقصائيّ عنيف، حيث بدأ منطق الطائفة يحلّ محلَّ منطق الدولة، سواء من حيث الممارسة أو الخطاب، مما سيستثير، بدوره، نعرة طائفية مقابلة، خصوصاً لدى جهاتٍ أُبعِدَت، وهُضمت حقوق المواطنة التي كان يفترض أن تتمتع بها.

دفع سنّة العراق ثمن سقوط نظام صدام حسين مضاعفاً، أولاً من جهة المواجهة الشاملة التي تم خوضها ضدّ قوات الاحتلال، والتي أدّت إلى تعرض مناطقهم لحالة تدمير منهجيّ، منظّم من الناحية العسكرية. وتعرّضوا، ثانياً، إلى نمط من الإقصاء السياسي المنظم، خصوصاً أن حضورهم في مواقع السلطة المركزية أصبح غير ذي فاعلية، أو تأثير، وهو أمر سيكون مؤثراً بوضوح، خصوصاً بعد تنظيم الاعتصامات في مدن الأنبار، وهي التي سيفضّها نظام المالكي بعنفٍ، على الرغم من سلميّتها، وستؤدّي إلى دعم ردود أفعال قويةٍ تجبر المواطنين العراقيين على حمل السلاح، ومواجهة قوات السلطة المركزية، مما فتح المجال، أيضاً، لعودة قوية لتنظيم الدولة الإسلامية، ليتصدر المشهد من جديد، على الرغم مما تعرض له قبلاً من تحجيم على يد "الصحوات".
 

ويمكن تفكيك البنية السياسية للنظام السياسيّ الهشّ القائم في العراق، على النحو التالي:
ـ أولاً: عجز حكّام العراق عن تطوير خطابهم من منطق حزبي طائفي (كما طوّره حزب الدعوة سنواتِ الاضطهاد) إلى منطق دولة المواطنة التي تجمع، ولا تفرق، وهو أمر يمكن تبيّنه في أشكال الممارسات الطائفية، بإدماج المليشيات الشيعية في مؤسسات الدولة، من دون إعادة تأهيلها، أو نمط الخطاب الرسميّ الذي بلغ حدَّ حديث رئيس الوزراء، نوري المالكي، عن حرب بين أنصار (الحسين) وأنصار (يزيد)، وهو خطاب يستحضر شحناتٍ طائفيّة، لا يمكن إنكارها، ولا تليق بمن يفترض أن يكون رجل دولة.
ـ ثانياً: شكّل الخطاب الطائفيّ للماسكين بزمام الحكومة المركزية دافعاً إلى ضخّ مزيد من الدماء الحيوية في تنظيمات سنيّة، ترفع شعاراتٍ لا تخلو من طائفيّة، ووجدت مبرراً لممارساتها، من خلال الفضّ الدموي للاعتصامات السلميّة في الأنبار.
ـ ثالثاً: تم استغلال العامل الطائفيّ، ليتحول إلى هوية ضيقة (فتاوى بعض مراجع الشيعة وخطاب تنظيم داعش مثلاً)، تنتج الكراهية تجاه الآخر المختلف طائفياً، على الرغم من الوحدة المفترضة وطنياً، والتي تدعو إلى نوع من التعايش المفروض، باعتبار أن منطق الإلغاء والإقصاء لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من العنف والدماء.

وتحولت الاختلافات المذهبية والتعدد الطائفي والعرقي إلى مولّد للعنف، ومع قدر مناسب من التحريض، يمكن أن يصبح وعيٌ متعمّق منذ النشأة، بهوية ضيقة مع جماعة من الناس، سلاحاً قوياً يوجَّه ضد جماعة أخرى، تتم شيطنتها في مرحلة أولى، استعداداً لتصفيتها، أو إلغاء فاعليتها وتأثيرها في المشهد السياسيّ والمجتمعيّ. والواقع إن نزاعات وأعمال عنف وحشية كثيرة، في العالم، تتغذّى على وهم هوية متفردة، لا اختيار فيها، وفنّ بناء الكراهية يأخذ شكل إثارة القوى الكامنة لهوية طائفية، مزعومة السيادة والهيمنة، تحجب كل الانتماءات الأخرى. وعندما تُعطَى هذه الهوية شكلاً ملائماً ذا نزعة عدوانية، يمكن أن تهزم أي تعاطف إنساني، أو مشاعر للشفقة الفطرية، قد تكون موجودة في نفوس البشر بشكل طبيعي، والنتيجة يمكن أن تكون عنفاً أعمى مصنوعاً داخل الوطن، أو إرهاباً مراوغاً ومدبّراً من أنظمة سياسية أو دول كبرى.

هذه الأشكال العنيفة لتجليات الهوية المغلقة، نلاحظ مفاعيلها في بقاع شتّى من العالم (نموذج بورما، أو أفريقيا الوسطى، مثلاً) كما نلاحظه يتمدّد في الحالتين، السورية والعراقية، في غياب الدولة الجامعة المستوعبة كلَّ أشكال الاختلاف والتنوع، مما يعود، في عمقه، إلى فشل نموذج الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال، خصوصاً في ظل خضوعها لأنماط حكم جبرية استبدادية، أسّست للفكر الواحد ولمنطق الطاغية المهيمن غير القابل للمحاسبة أو النقد، الأمر الذي أدّى، عند انهيار هذا النظام أو ضعفه، إلى تفجّر كلّ الهويات الكامنة بموروثها القديم، بصورته القروسطية المظلمة، والأشد عدوانيةً ورفضاً للآخر المختلف. وربما من المفيد أن نذكر، هنا، أن الدول الأوروبية ذاتها شهدت صراعاتٍ عنيفة من هذا النوع، غير أن دول أوروبا، كما يقول تودوروف "تعلمت كيف تتسامح، بعد أن خاضت حروباً في ما بينها طوال قرون، سادها الحقدُ والازدراء المتبادل"، غير أنّ حلّ المشكل لم يكن قائماً على منطق إلغاء التعدد "فلم تتلاشَ الاختلافات، كما بسحر ساحر، لكنّها لم تعد مصدراً للعداوة، بل صار يمكن تثمين وجودها بحدّ ذاته" (تودوروف).

الحلّ الممكن لصراع الهويات، يكمن في الدولة الحديثة التي تتأسس على قيم المواطنة والتعدد، وتحل المشاكل بفرض فكرة التسامح، ليس بمعناها الأخلاقي فحسب، وإنما بوصفها اعترافاً كاملاً بحق الآخر المختلف في ممارسة عقائده، والتعبير عن أفكاره، لأن ترك الناس، وما هم عليه من عاداتهم واعتقاداتهم وتوجهاتهم، ليس منّةً نجود بها عليهم، وإنما هو واجب، ناتج عن احترام الذات الإنسانية، وما أحوج المنطقة العربية المضطربة هذه الأيام، لمثل هذا النمط من التدبير والتفكير.