الهيئة العليا للمفاوضات .. هل ستكون الملاذ؟

صورة إبراهيم سارة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/ 01/ 2016
السورية نت

 

انهارت الجمهورية الفرنسية الرابعة بعد قصف قرية "ساقية سيدي يوسف" الجزائرية بقنابل الطائرات الفرنسية، تمرد الجيش وبدا أنه يتجه للأسوأ. سارع الشعب الخائف للبحث عن "مخلص"، وكان ديغول من جديد. ولكنه اشترط عليهم أن يقبلوا به ديكتاتوراً! ففعلوا! عدلوا الدستور ومنحوا الحكومة حق ممارسة السلطة التأسيسية، وأصبح بإمكان الرئيس أن يباشر إلى تعديل الدستور عن طريق الاستفتاء الشعبي، بموافقة البرلمان، أو دونها!

وفي الظروف الاستثنائية -التي يقدرها الرئيس- يمكنه أن يحل محل الحكومة والبرلمان وسائر السلطات العامة. كيف قبل الفرنسيون بكل ذلك وهم أول من أرسى مبادئ حقوق الإنسان؟

في عام '1929' مر الألمان بتجربة مرة من نوع آخر، وذلك حين عصفت الأزمة المالية بمعظم دول العالم المتحضر، شعر الألمان بالقلق والخوف، فظهر "هتلر" من جديد، الشخصية التي رفضوها في انتخابات سابقة، واختاروها هذه المرة حين احتاجوا لملاذ.
عندنا -أو قربنا- شعر العرب بالخذلان والانكسار بعد هزيمة '1948' وزاد في الطنبور نغماً إهانات الانكليز وحصارهم وتهديدهم للحكومة والقصر، فقرر "الضباط الأحرار"  الانقلاب، وجعله الشعب "ثورة" حين التف حولهم وحول زعيمهم الشاب الذي يشبه تمثال البرونز، ألهم "عبدالناصر" شعبه وشعوب المنطقة، فقدسوه وجعلوه نبياً.
وبعد أن ظن العالم أن زمن التقديس والقديسين ولى، وأن ثقافة "المخلص" تقوضها العولمة والتحضر وثورة الاتصالات وغيرها، حدث أن انهار مبنى التجارة العالمي وسقطت بسقوطه قلوب الأمريكان، ولم يختلف أداء شعب القرن العشرين المختار! ظهر "بوش الابن" ليبشرهم أن "المسيح" لديه الحل! فهو يزوره ويعظه ويهديه -في المنام-، تبعه الشعب وصدقه ودعمه وخون من قال: "لا".  كانوا كما كان من سبقهم بحاجة إلى ملاذ.
 

حين تتعرض الأمم والشعوب إلى أزمات تاريخية تهدد وجودها، فإنها تتصرف كالأطفال وتبحث عن ظهر قوي تستند إليه لتسلمه زمامها، وهي تفعل ذلك بتوجيه من وجدانها أكثر من عقلها، فتختار من يقنعها بأنه الأقرب لها ولآلامها، ويشعرها أنه يمتلك الحقيقة والحل، ويلهمها بمظهره وخطابه وسلوكه، ويذكرها بتاريخها وانتصاراتها، ويعدها أنه سيعيدها إلى أيام عزها.
وسواء كان الاختيار خاطئاً كما كان هتلر وبوش، أو مصيباً كغاندي وديغول، وسواء وافقنا على فكرة "الملاذ" أم لم تعجبنا، فهي من طبائع الأشياء، سنة من سنن الشعوب لا يمكننا إلغاؤها.
 

أدرك الرومان تلك السنة فأوجدوا مصطلح "ديكتاتور" في الدستور الروماني الجمهوري الأول، حيث يبادر الموظفون العامون المنتخبون دستورياً في حالات الطوارئ إلى التوقف عن ممارسة سلطتهم -مؤقتاً- وطوعاً، ويعينون "ديكتاتوراً" ذا سلطات أوتوقراطية ليحل محلهم إبان الطوارئ -محاولة لقوننة الحاجة إلى "ملاذ" وحصر مهمته بمدة معينة لاحتواء اختيارات الشعب الوجدانية-.

في آذار '2011' انطلقت ثورة الشعب السوري لتبدأ إحدى أخطر الأزمات التاريخية التي مرت بها البلاد... وكرد فعل لحكم "الديكتاتور" الذي استمر قرابة خمسين سنة، قرر الذين اجتمعوا لتشكيل أول جسم سياسي معارض، أن يحصروا إدارتهم بمدة قصيرة جداً، واجتهدوا في وضع القيود التي تحميهم من "ديكتاتور معارض"، فرح المعارضون وحاضنتهم الشعبية، وهللوا لانتصارهم في حصر مدة رئاسة المجلس الوطني بستة أشهر وتدويرها وقيودها، ولكن الشعب كان بحاجة إلى "ملاذ".

لم ينجح أحد من رموز المعارضة المثقفة في إقناع الشعب بأنه "مخلص"، فلا الفيسبوك كان كافياً، ولا المقالات الصحفية والمقابلات التلفزيونية كذلك، ﻷن الشعب بحث عمن يعيش همه ومعاناته، يجوع مثله، يتعرض للقصف، يضع له حلولاً حقيقية تقرأ الأرض وتتعامل مع الواقع.
ثم ظهرت "داعش والنصرة" وفعلتا ما يفعله "ملاذ"، قالتا: "نحن نملك الحل، نحن نملك الحقيقة"، نحن معكم، نعيش معكم، نقاتل، نموت، نعمل لنعيد أيام العز الأولى، نلبس لباس أيام العز، نربي ذقوننا كما فعل رجال أيام العز، وننتصر كما انتصروا، ونقيم دولة الخلافة الأولى. رغم أن الحركتين اللتين تعبران عن المرجعية نفسها، كانتا غريبتين عن الثقافة السورية وعن طبيعة التركيبة السورية، إلا أنهما نجحتا في الانتشار بشكل يدعو للتفكر!! ولا أعتقد أنهما كانتا قادرتين على ذلك لولا خلو الساحة من "ملاذ" يحمل هموم السوريين، ويقنعهم أنه يمتلك الحقيقة.
 

تبدو هيئة تفاوض الرياض بمن تمثلهم اليوم أمام فرصة تاريخية لتقديم أوراق اعتمادها كملاذ حقيقي للسوريين:
* عندما يهددونك فترفض، يعرف الشعب أنه أصبح مصدر قوتك.
* عندما تصر أن يكون معك المقاتلون في الميدان، فأنت تقترب من حاضنتك ولا تتبرأ منها.
* عندما ترفض تصنيف المقاتلين الذين يضحون بأرواحهم لدفع الظلم "كإرهابيين"، فقط لأنهم يرفعون راية الإسلام، وتضعهم في وفدك المفاوض، فأنت تلامس قيم شعبك، ومبادئه، ومعتقده.
* عندما تبدأ بالاعتياد على قول "لا" ، فهو تدريب جيد عل  رفض ما لا ينتمي لهوية شعبك.

أرجوكم، تلقفوا هذه الفرصة ولا تفوتوها... فيرتمي الشعب في أحضان "هتلر".

 

تعليقات