الوحدة 910: عميل في الحزب العميل!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/1/2014
السورية نت

في منتصف ديسمبر الماضي تقريباً، ذكرت تقارير عدة أنّ حزب الله استطاع كشف عميل للموساد الإسرائيلي داخل صفوفه يدعى محمد شوربة، وأنّ التحقيقات معه بيّنت أنّه كان قد بدأ التواصل مع الموساد الإسرائيلي في العام 2007، وذلك خلال إحدى رحلاته الخارجية في إحدى الدول الآسيوية.

وفقاً للتقارير، فإن شوربة كان المسؤول الأمني عن حماية أمين عام الحزب حسن نصر الله، بعد حرب تموز، وأنّه شغل منصباً رفيعاً وحساساً في وحدة العمليات الخارجية التابعة لحزب الله، والمعروفة باسم الوحدة (910) المرتبطة بالأمن العسكري للحزب، والمسؤولة عن القيام بعمليات إرهابية خارجية ينفذها الحزب خارج الأراضي اللبنانية.

وذكرت المعلومات أنّ الخدمات التي قدّمها شوربة إلى الموساد الإسرائيلي أدّت إلى إحباط العديد من العمليات التي كان حزب الله يحضّر لتنفيذها في الخارج، كما أدّت في كثير من الحالات إلى اعتقال الخلايا التابعة لحزب الله أثناء عزمها تحضير أو تنفيذ المخططات الموكلة إليها في كل من مصر وتركيا وأذربيجان وتايلاند وقبرص، وآخرها حتى الآن في البيرو حيث تمّ توقيف محمد همدر في أكتوبر 2014 أثناء تحضيره للقيام بعملية إرهابية.

طبعاً، أثارت مثل هذه المعلومات صدمة عند كثيرين، لاسيما عندما يستطيع عميل بهذا المستوى البقاء لمدة تزيد عن 7 سنوات في هكذا حزب، وأن يتدرج في المناصب دون كشفه، وأن يصبح مسؤولاً عن أمن أمين عام الحزب، خاصّة أن الحزب المذكور كان قد تعوّد على إضفاء هالة المناعة والقدسية على أفراده، والألوهية على قياداته، وعلى طريقة عمله منذ مدّة طويلة، لدرجةٍ أدمن الناس معها على تصديق هذا الهراء. وبالرغم من ذلك فقد بقي هناك من استطاع التشكيك دوماً والطعن بدور الحزب ووظيفته، بل والقول إنّ قناع الحزب قد سقط كلّياً بعد العام 2006، وأنّه كشف عن كونه فرعاً من فروع الحرس الثوري الإيراني لا أكثر ولا أقل.

لكن الأهم من كل ذلك، لماذا التعجب من عمالة "شوربة" للموساد إذا كان الحزب بأكمله من رأسه وحتى أخمص قدميه عميلاً للمرشد الأعلى الإيراني؟ ولا نزيد على ما قاله حسن نصرالله قبل سنوات بأنّه "يفتخر أن يكون جندياً صغيراً في حزب ولاية الفقيه". هل هناك عمالة جيدة وأخرى سيئة؟ وهل العمالة لإيران حلال ولإسرائيل حرام؟ العمالة في التعريف والفعل والهدف واحدة ولا يمكن تجزئتها أو التمييز فيها أو تمييعها. وحتى الدول التي تجمعها علاقات ممتازة مع دول أخرى، لا يمكن للأولى أن تسمح للثانية بأن تتجسس عليها أو أن تشغّل لحسابها عملاء من مواطنيها لمصلحتها.

إن عمالة "شوربة" هي تحصيل لعمالة حزبه لإيران، وازدواجية "شوربة" تمثّل اليوم للأسف حالة عامة لدى العديد من الشيعة العرب الذين تركوا المرجعيات العربية وأصبحوا يقلّدون المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية وتوابعه في البلدان العربية. وعندما نتكلّم عن التقليد هنا، فلا يظنّن أحد منكم أنّه محصور في الجانب الديني، لأنّ هذا التفسير سيكون حينها اجتهاداً شخصياً، فالثابت عند المرشد ومقلّديه أن لا فصل بين الديني والسياسي. وحتى في الجانب العملي، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي الخامنئي لا يمثّل منصباً روحياً ودينياً فقط، وإنما منصباً سياسياً يمارسه عملياً بشكل كامل وبفعالية قصوى تجعل منه الحاكم الأعلى للبلاد. أكثر من ذلك، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية ووفقاً للدستور الإيراني يعتبر  القائد الأعلى للقوات المسلّحة في البلاد، وهذا يعني أنّك عندما تتبع المرشد فإنك تتبع حاكماً لدولة أخرى، وقائداً أعلى للقوات المسلحة فيها، ولنا أن نتساءل هنا كيف يمكن التعامل مع أفراد أو جماعات أو أحزاب تدين بالولاء للقائد الأعلى للقوات المسلّحة لدولة أخرى؟ كيف نتعامل مع أفراد ومجموعات وأحزاب بل وفي كثير من الأحيان رؤساء حكومات وجمهوريات وبرلمانات تتبع ضمنياً القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة أخرى؟! وإذا ما خيروا يا ترى بين مصلحة وطنهم والمصلحة التي يمثلها المرشد ، فأيّ المصلحتين سيختارون؟ أعتقد أنّ الجواب بات واضحاً للجميع، على الأقل في حالات لبنان وسوريا والعراق واليمن، وفي كثير من البلدان الأخرى التي لم تسقط بعد في حضن الإيراني.

ومن هذا المنطلق، يحق لنا أن نطرح التساؤل التالي: "لماذا تعتبر خدمات شوربة لإسرائيل عمالة ولا تعتبر خدمات مقلدي وتابعي المرشد الأعلى لإيران عمالة؟ ولماذا يكون التعامل مع الموساد جريمة ولا يكون التعامل مع الحرس الثوري جريمة؟". العمالة كوظيفة هي أمر واحد ولا يجب التمييز فيها كما ذكرت.

هناك من يتحجج بالقول إنّ تلك إسرائيل وهذه إيران ولا يجوز المقارنة. هذا القول مردود على نفسه، حتى على مستوى الدول، لا فرق بتاتاً بين إسرائيل وإيران، بل الراجح اليوم بسبب ما يجري في سوريا والعراق واليمن أنّ إيران هي عصابة أسوأ من إسرائيل، فإن كانت الأخيرة احتلت فلسطين واستوطنتها، فالأولى تحتل باعترافها هي حتى الآن كلاً من العراق وسوريا واليمن ولبنان، ومستوطنوها باتوا عصيّين عن التمييز فيها. وإذا كان الإسرائيليون يحتقرون العرب، فالعنصرية الإيرانية أكبر وأعظم حتى على عرب إيران، فما بالكم ببقية العرب، وإذا كانت إسرائيل تحفر تحت المقدّسات الإسلامية في فلسطين، فإن الإيراني قد دمّر مثيلاتها في البلدان المذكورة.

وأما القتل والتشريد بحق العرب، فقد فعل الإيراني خلال 4 سنوات في سوريا ما لم يفعله الصهيوني خلال نصف قرن في فلسطين،وحتى على مستوى عدد القتلى من الفلسطينيين حصراً، فإن النظام الإيراني تفوق في إجرامه على الصهاينة في قتل الفلسطينيين. إذ وفقاً لتقرير صادر عن مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، فإن 2580 لاجئ فلسطيني قضوا في سورية حتى تاريخ 21 ديسمبر 2014، يعني أكثر مما قتل الصهاينة من الفلسطينيين في العدوان الأخير على ‫غزة.

ما نريد الوصول إليه في المحصلة هو: ما الفرق هنا بين العمالة المطلقة وبين عمالة من هذا النوع (لإيران)؟ ولماذا يتم تجريم الأولى قانوناً ويتم تجاهل الثانية؟ فالأَولى أخذ الثانية بعين الاعتبار، لأن كثيراً من العملاء في الحالة الأُولى يقومون بذلك نتيجة الحاجة أو العوز أو نتيجة الابتزاز، فيما يقوم أصحاب الحالة الثانية بذلك مجاناً وطوعاً واقتناعاً منهم! كما أنّ مخاطر الثانية تتجاوز بأشواط مخاطر الأولى. فلنتصور أنّ لدينا في العالم العربي (وبالفعل لدينا) من هؤلاء في الجيش والمؤسسات الأمنيّة والقطاع العام والإعلام، وفي الحكومة والبرلمان والمؤسسات الدينية والتربوية، لمن برأيكم يعملون؟ ومن يوالون وعمّن يدافعون؟