الوضع العربي.. قمة الظهران وتفاعلات الأزمة السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/4/2018
الجزيرة نت

يكفي المرء التأمل بحسرة في تفاعلات الأزمة السورية؛ إذ سرعان ما يصل إلى حقيقة مأساة الوضع العربي الذي لم يعد مأزوما بعجز القادة عن أي فعل إيجابي فحسب، بل بغياب تام عن المسرح إقليميا قبل أن يكون دوليا.

فالجامعة العربية أصبحت هيكلا بلا معنى أو مضمون، ولا تُحِسّ منها فعلا أَو تسمع لها ركزًا، وجاءت نتائج قمةالظهران بالسعودية في 15 أبريل/نيسان الحالي لتكرّس حالة العجز العربي منذ نشأتها قبل نحو سبعين عاما. وقد جاء عقد القمة بمدينة الظهران -عوضا عن العاصمة الرياض- خوفا من صواريخ الحوثيين تأكيد لهذا العجز.    

ولم تقم القمة بأي فعل معتبر تجاه الضربة العسكرية التي نفذتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في سورياقُبيل يوم من انعقادها. بل إن السعودية التي تستضيف القمة استبقت أعمالها بقولها إنها منحت "دعمها الكامل" للضربات الأميركية. ولذا جاءت القمة كحدث عابر تمخض عن قرارات إنشائية متماهية مع وجهة نظر الدولة المضيفة.

وتمثل تخلي القادة العرب عن مسؤولياتهم -عدا عن مباركة السعودية للضربة الأميركية- في دعوة ملك الأردن عبد الله الثاني (كان آخر زعيم عربي يزور واشنطن خلال أبريل/نيسان الجاري) الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الوضع في سوريا، واصفا إياه بالمعقد بعد فشل الدبلوماسية في معالجة الحرب في سوريا.

سوريا وعراك الأفيال
لم يفرز الغياب أو الهروب العربي من المسرح السوري تموضع الكبار موسكو وواشنطن هناك فحسب، بل أيضا تموضع اللاعبين الصغار مثل طهران وأنقرة؛ فزاد الطين بلة وغدا حال المواطنين السوريين كحال الحشائش التي تقضي عليها الأفيال وهي تتقاتل دون أن تلقي لها بالا.    

وبينما يذوق السوريون الأمرّين من أطراف الصراعالمختلفة؛ ظلت هذه الأطراف تتبادل الاتهامات ويحمّل بعضها بعضا وزر ما يلاقيه الشعب السوري جراء هذا الصراع المحتدم على أرضهم.
وعقب الضربة الصاروخية الأخيرة التي قامت بها ثلاث دول أعضاء بمجلس الأمن الدولي في سوريا بدون تفويض من المجلس؛ أدانت روسيا "العمل العدواني" للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، ووصفته بأنه انتهاك صارخ للمبادئ الأساسية في القانون الدولي.

والواقع أن الكبار يتبادلون الاتهامات والتهديدات ثم يتفقون على اقتسام الكعكة السورية وبقاء نظام بشار الأسد، بينما تتفاقم معاناة الشعب وسط عجز عربي كامل لم يسبق له مثيل.

ولم يتحرك الضمير العالمي -الذي يبدو لا وجود له إلا في خيالات جامحة أو في عالم يوتوبيا- لأكثر من سبع سنوات عجاف مرت على الأزمة السورية. لكن الضمير الأميركي ينتفض اليوم لضحايا السلاح الكيميائي الذي ظل يستخدمه نظام بشار الأسد ضد شعبه منذ سنوات.

ووفقا لـمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية؛ فقد بلغ عدد قتلى الأزمة السورية نحو نصف مليون سوري حتى عام 2016. وتذكر إحصائيات أخرى أن الأزمة أفرزت ستة ملايين نازح، وخمسة ملايين طالب لجوء. وتم تدمير نحو خمسة ملايين منزل بشكل كامل، إضافة إلى نصف مليون منشأة حكومية. وكان في البلاد عام 2010 نحو 100 ألف منشأة صناعية دُمّرت 50% منها.

وفي حالة تصادم الكبار -الذين أصبحوا بلا وجه حق قيّمين على حماية الأمن الدولي عبر مجلس الأمن- تقف المنظمة الدولية عاجزة ومتفرجة، إلا من دعوات خجولة وإعراب رتيب عن القلق.

وقبيل الضربة الصاروخية الأخيرة؛ دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش "كل الدول الأعضاء إلى ضبط النفس في هذه الظروف الخطرة، وتجنب كل الأعمال التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد للوضع وتزيد من معاناة الشعب السوري".

ولا يبدو أن المساومات بين الكبار في سوريا مقتصرة على المصالح الإستراتيجية، لكن حتى التصرفات الشخصية غير السوية داخلة في هذه المساومات؛ إذ يقول المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) الأميركي جيمس كومي إن الروس قاموا بتصوير ترمب أثناء تورطه مع مومسات في فندق بموسكو عام 2013.

ورغم الوضع العربي المأزوم بالمعضلة السورية؛ فقد كانت القمة العربية الأخيرة رقم 29 حدثا عابرا، وفاصلا قصيرا قبل أن يواصل القادة العرب مشاهدة الفوضى والتداعي العربي المستمر، حتى إن جدول أعمال القمة (18 بندا) لم يتضمن ملف الأزمة الخليجية أو الضربات الغربية الأخيرة في سوريا.

لقد تعمَّدت السعودية -وهي الدولة المضيفة للقمة- استبعاد واحد من أهم الملفات، وهو الأزمة الخليجية وما ترتب عليها من حصار قطر، وذلك خرق واضح للميثاق الذي يدعو إلى أولوية حل خلافات الأعضاء قبل استفحالها، وفض المنازعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية مثل الوساطة والتحكيم.

تناقضات المسرح العربي
يبدو أن التناقض أضحى سمة الفعل العربي؛ فمن المدهش أن تستضيف السعودية القمة العربية وفي ذات الوقت تغلق حدودها برا وبحرا وجوا أمام الوفد القطري، الذي حضر للمشاركة على مستوى مندوب قطر لدى الجامعة العربية عبر الأردن.

ومع سبق الإصرار؛ تعمدت دول الحصار تكرار شروطها المجحفة لرفع الحصار قُبيل عقد القمة، وبدا وكأن المقصود أن مشاركة قطر الكاملة في القمة مربوطة بإذعانها لشروط فك الحصار، وهكذا أصبحت الجامعة العربية آلية من آليات دول الحصار وجزءا من المشكلة بدلا من أن يكون بيدها الحل.
وهذه الشروط ترفضها قطر باعتبارها تدخلا صريحا في شأنها الداخلي، وهو ما تؤيده توصيات القمة التي تقول إحداها: "نرفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وندين المحاولات العدوانية الرامية إلى زعزعة الأمن وبث النعرات الطائفية وتأجيج الصراعات المذهبية، لما تمثله من انتهاك لمبادئ حسن الجوار ولقواعد العلاقات الدولية ولمبادئ القانون الدولي ولميثاق منظمة الأمم المتحدة".

ولعل الموقف من أزمة الخليج فضح الموقف الدعائي المتمثل في تسمية القمة بـ"قمة القدس"، ويتسق ذلك مع حالة الإنشاء والتمنيات التي تسم كل القمم العربية دون أن تتبع ذلك أفعال على أرض الواقع. فقد جاء في إحدى توصيات القمة ما نصه: "التأكيد على مركزية قضية فلسطين بالنسبة للأمة العربية جمعاء، وعلى الهوية العربية للقدسالشرقية المحتلة، عاصمة دولة فلسطين".

فلماذا مصطلح "القدس الشرقية"؛ فالقدس هي القدس بشرقها وغربها؟! لكنْ تكريساً لواقع الاحتلال الإسرائيلي يُطلق مصطلح "القدس الشرقية" على ذلك الجزء من المدينة الذي لم تحتله إسرائيل عام 1948 واحتلته عام 1967، وكان يشكل وقتئذ ما نسبته 16% من مساحة مدينة القدس. أي أن القمة تخلت بإرادتها عن نسبة 84% من مساحة المدينة التي أطلق عليه لاحقا اسم القدس الغربية.

وفي حين أيدت دول مثل السعودية والأردن الضربة الأميركية الأخيرة على سوريا بمشاركة فرنسا وبريطانيا؛ تقول توصية أخرى من توصيات القمة ما نصه: "نشدد على ضرورة إيجاد حل سياسي ينهي الأزمة السورية، بما يحقق طموحات الشعب السوري الذي يئن تحت وطأة العدوان، وبما يحفظ وحدة سوريا، ويحمي سيادتها واستقلالها، وينهي وجود جميع الجماعات الارهابية فيها، استنادا الى مخرجات جنيف 1".

مع حالة الغياب العربي عن دائرة الفعل السياسي بسوريا؛ هل يمكن أن تصحو الأمة العربية وتكتشف أنه مع كل ما يبدو ظاهريا من خلافات أميركية روسية بشأن سوريا، فإن هناك اتفاقا بينهما -إضافة إلى إسرائيل وإيران- على تفريغ سوريا من سكانها العرب السنة، عبر سياسة القتل والتهجير المتواصلة منذ سبع سنوات.

ربما كانت رسالة الضربات الصاروخية لنظام الأسد أن يقتل ما يشاء من شعبه، ولكن عليه ألا يستخدم السلاح الكيميائي لأن ذلك يهز ضمير الشعوب الغربية ممثلا في منظمات حقوق الانسان.

وإلى حين استعادة العرب الملفات المخطوفة، واتفاقهم على سياسة تخدم الإستراتيجية العربية وتعيد السلام إلى سوريا وليبيا واليمن؛ سيتغنى الشارع العربي بأبيات محمود درويش:
ستنتهي الحرب.. ويتصافح القادة
وتبقى تلك العجوز تنتظر ولدها الشهيد
وتلك الفتاة تنتظر حبيبها
وأولئك الأطفال ينتظرون والدهم البطل
لا أعلم من باع الوطن.. ولكنني رأيت من دفع الثمن

تعليقات