الوضع في سورية يسوء ... وهذه هي الأسباب

صورة ميليسا فليمنغ

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/2/2015
The Guardian

(ترجمة السورية)

إني أذكر بوضوح محادثتي مع اللاجئين عندما كان الصراع في سورية في عامه الأول، كان لا يزال عدد اللاجئين في الدول المجاورة أقل من مليون شخص. قمت بزيارتي الأولى إلى وادي البقاع اللبناني، حيث كان الآلاف يحاولون المحافظة على مظاهر الحياة الطبيعية في مخيماتهم البالية. كان العديد يعانون من الصدمة بشكل واضح، وسرعان ما تحولت ابتسامات الترحيب إلى عبوس ينم عن انزعاج، وكانت مقلهم تدمع عندما يتعمق الحوار. كان العنف قد أودى ببيوتهم، وقتل أو شوه أصدقاءهم وعائلاتهم، ولكن العديد منهم كانوا واثقين بأن الحرب ستنتهي قريباً، وأن حياتهم في المخيم كانت مؤقتة وحسب.

اليوم، يكاد الصراع أن يبدأ عامه الخامس. هنالك 3,8 مليون لاجئ، وأصبح المزاج أكثر قتامة. العديد لا يرون أي فرصة لعودتهم إلى الوطن في المستقبل القريب، ولا يملكون فرصاً جيدة ليعيدوا بناء حياتهم في المنفى. داخل سورية، لا يكاد يرى الأشخاص الذين أحدثهم مستقبلاً يتجاوز نجاتهم لليوم التالي.

بينما نكرس نحن ناشطو الإغاثة أنفسنا لمساعدة الناجين في سورية على التعافي، فإننا نشاركهم يأسهم المتزايد. لقد وثّقنا صدماتهم الواحدة تلو الأخرى، بينما تفاقمت الأرقام لتصبح ملاييناً. لقد تفاوضنا وعملنا بالنيابة عنهم للحصول على أرض للجوء والعناية الطبية والطعام والمدارس، وقد شاهدنا كيف أصبح الحصول على الأساسيات أصعب وأصعب، لقد بكينا معهم حينما توفي أبناؤهم من الأمراض الشديدة لغياب العلاج، لكن خلال كل ذلك احتفظنا بأمل بالمستقبل، ولكن اليوم، يصبح الحفاظ على ذلك الأمل أصعب كل يوم، وهذه هي الأسباب:

  • لا وجود لحل سياسي للصراع في الأفق...

إن الحل الوحيد للكارثة الإنسانية في سورية هو إنهاء الصراع، لكن لسوء الحظ تبدو تلك النهاية بعيدة للغاية. إن القتال في سورية يستمر بالنشوب والتحول، على الرغم من المحاولات المستمرة لتحقيق السلام، بما فيها المحادثات في موسكو وعرض وقف إطلاق النار في حلب، إلا أن الأطراف المتحاربة، والدول التي تملك النفوذ لإيقافها، لازالت منقسمة.  إن القتال يغذي صراعات إقليمية أخرى مما يزيد من سوء الأمور، وقد قال أنطونيو غوتيريس، المفوض السامي لشؤون اللاجئين، في خطاب حديث وجهه للجمعية العامة للأمم المتحدة، ببعض السخط: "في غياب الإرادة السياسية والحكمة المطلوبة للوقاية الفاعلة من الأزمات الجديدة، لن يستطيع المجتمع الدولي سوى التفاعل معها، والرثاء للمعاناة التي تسببها، ومحاولة تأمين مبالغ أكبر وأكبر من الأموال المطلوبة لتغطي التكلفة الناتجة عنها... لا أحد يربح حروب اليوم، إن الجميع يخسر".

  •  المعاناة داخل سورية تصبح أسوأ...

إن أكثر من 12 مليون شخص داخل سورية بحاجة للمساعدات للبقاء على قيد الحياة. إن ذلك العدد يمثل نصف سكان البلاد، وقد أجبر حوالي 8 ملايين على مغادرة بيوتهم، واضطروا للتشارك بغرف مع عائلات أخرى، أو للتخييم في مبانٍ مهجورة غير مخدمة، وهم يرجون ألا ينتشر القتال لمناطق استقرارهم الجديدة. تقول التقديرات بأن نحو 4,8 مليون سوري يعيشون في مناطق من الصعب بلوغها بما فيهم 241,000 عالقون في مناطق محاصرة، تنقطع عنهم المساعدات الإنسانية والموارد الطبية ويعجزون عن الهرب. ملايين الأطفال يعانون من الصدمات النفسية واعتلال الصحة. ربع مدارس سورية تعرضت للضرر والتدمير أو تحولت إلى ملاجئ. أكثر من نصف مشافي سورية تعرضت للتدمير أو الضرر الشديد الذي يمنع عملها. ترزح أجزاء من البلاد تحت قصف مستمر وترتكب الجماعات الإرهابية فظائع شنيعة.

  • لا مكان للهرب بينما تغلق البلاد المجاورة حدودها...

مع مواجهتها لمخاوف أمنية متزايدة وشعورها بالضغط نتيجة الأعداد الكبيرة، اتخذت الدول المجاورة لسورية إجراءات لتقليل تدفق اللاجئين، فقد قامت لبنان والأردن والعراق بفرض قيود أكثر صرامة لدخولها، والحدود التركية وضعت نظاماً لضمان السماح بدخول الحالات الإنسانية فقط. إن هذه التطورات تزيد من صعوبة تمكن من لا يملك صلات أو أذون سفر صالحة من الهرب، وقد شهدنا تناقصاً ملحوظاً بأعداد اللاجئين. لقد قابلت امرأة في حمص تسكن في مقطورة، دخل زوجها مؤخراً إلى لبنان، ولكنها تخلفت عنه هي والأطفال لأنها سمعت عن القيود الجديدة. "إن ذهبت إلى الحدود" حسبما أخبرتني، "لن يسمحوا لي بالمرور".

  • العداء يتزايد تجاه اللاجئين في الدول المستضيفة...

يكتشف من يستطيع المرور أن المجتمعات المستضيفة قد بلغت حدود استيعابها. لقد أصبحت الأيام التي كان فيها السكان يفتحون بيوتهم مباشرة للاجئين ويشاركونهم بما لديهم من الماضي، فلم يعد هنالك ببساطة ملاجئ كافية للجميع، بما أن أغلبية اللاجئين - 85% - يعيشون في المجتمعات المحلية خارج المخيمات. إن اللاجئين السوريين والفلسطينيين يشكلون 25% من التعداد السكاني في لبنان، إن هذا يعد رقماً استثنائياً، لا يوجد مثيل له في أي مكان آخر على الأرض. إن السكان هناك يشعرون بالغضب مما يشهدونه من أخذ اللاجئين لوظائفهم بمرتبات متدنية، مما يسبب زيادة نسبة بطالة المحليين، بالإضافة إلى التقارير الإعلامية المضللة التي تربط اللاجئين بالإرهابيين.

ما لم نفعل المزيد لمساعدة الدول المستضيفة للاجئين على تدعيم اقتصادها وخدمتها، فمن المرجح أن يسوء هذا العداء. إن لبنان والأردن ودول مستضيفة أخرى بحاجة ماسة لتطوير بنيتها التحتية المحلية ودعم أنظمتها الخاصة بالصحة والتعليم والماء. لقد تضمنت مناشدتنا التي قمنا بها في شهر كانون الأول لعام 2014 طلب 2 بليون دولار لهذه المجتمعات، ولكننا قلقون من أن هذه الأموال لن تكفي، وسيكون لهذا عواقب مريعة بالنسبة للاجئين، وبالنسبة لاستقرار الدول المضيفة.

  • العدائية تزداد أيضاً في أوروبا...

بينما تفيض دول سورية المجاورة، على دول أخرى مشاركتها العبء، لكن في العديد من الدول الأوروبية عدائية متزايدة تجاه اللاجئين، وإن الحركات المعادية للهجرة تزداد قوة. إن ألمانيا والسويد تستقبلان حالياً نصف اللاجئين السوريين في دول الاتحاد الأوروبي، وإن المعارضة المحلية تزداد. بعد مجازر باريس، هنالك خطر أيضاً من أن يتم اعتبار المسلمين مصدراً للتهديد، وإن الاتجاه يميل نحو تقليل قبول اللاجئين، لا نحو زيادته، وإننا نشهد تزايد "الرفض" على الحدود، وهذا ما يعد انتهاكاً للقانون الدولي.

خلال مؤتمر لتبرعات مفوضية اللاجئين في شهر كانون الأول، وافقت الحكومات على قبول 100,000 لاجئ سوري، ولكن هذا لا زال يترك أكثر من 200,000 ممن هم في حاجة مؤقتة. على الأقل 10% من اللاجئين السوريين الذين يقيمون في الدول المجاورة يعتبرون ضعفاء بشكل خاص، بما فيهم ضحايا الاغتصاب والتعذيب، والنساء والأطفال الوحيدون، ومن يعانون من مشاكل طبية حادة. لكننا نخشى أنه وفي ظل هذا الجو العدائي أن لا تلقى دعواتنا للقادة الأوروبيين للمشاركة برفع هذا العبء آذاناً صاغية.

  • عمليات الإنقاذ في البحر يتم إيقافها...

لغياب الطرق المشروعة إلى أوروبا، يركب آلاف السوريين البحار. العديد يدفعون مدخراتهم كلها لمهربين عديمي الضمير يدفعونهم نحو طرق خطرة برية وبحرية. في العام الفائت، فر حوالي 220,000 لاجئ في قوارب غير آمنة عبر البحر الأبيض المتوسط، وذلك يبلغ ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق الذي حصل خلال الحرب الأهلية الليبية في عام 2011. الآلاف منهم لم يصلوا، غرقوا بشكل مرعب عندما انهارت قواربهم الفائضة البالية. أولئك ممن استطاعوا النجاة يقصون قصصاً مرعبة عن رحلاتهم المضنية في الليل، وعن المسؤولين الفاسدين وعن سوء المعاملة. مع ذلك فإن استجابة أوروبا لهذه المأساة المتنامية لم يكن بتصعيد جهودها للإنقاذ، ولكن بإيقافها. عملية إيطاليا المدعوة "ماير نوستروم" (بحرنا)، والتي أنقذت أكثر من 170,000 شخص من البحر، يتم إيقافها، ولا توجد خطط لاستبدالها، نتيجة لذلك فقد يموت العديد من الأشخاص. في الحادي عشر من شهر شباط، غرق 300 مهاجر ولاجئ إفريقي على الأقل من أربع قوارب صغيرة. بعضهم تجمدوا حتى الموت بعد أن تم إنقاذهم، بينما ابتلعت الأمواج البقية.

  • تمويل المنظمات الإنسانية يتناقص...

إن أعداد السوريين الذين تحت رعاية مفوضية اللاجئين اليوم تزيد عن أعداد من هم تحت رعايتها من أي جنسية أخرى على الأرض. إن اللاجئين والنازحين السوريين قد أنفقوا مدخراتهم، ويلجأ العديد منهم إلى التسول وعمالة الأطفال للحصول على قوت يومهم. إنهم بحاجة ماسة للمساعدة. مع ذلك وفي نهاية عام 2014، لم يتم تقديم سوى 54% فقط من الأموال المطلوبة لمساعدة اللاجئين خارج سورية، وبالنسبة لمن في داخل سورية، تلقت المنظمات الإنسانية أقل من ذلك حتى.

في شهر كانون الأول، قامت الأمم المتحدة بأكبر حملة لها لطلب التبرعات، للحصول على 8,4 بليون دولار. إن تم توفيرها كاملة، سيسمح هذا لعاملي الإغاثة بتغطية الحاجات الأساسية للاجئين، مع مساعدة الدول المضيفة على تحسين خدماتها وبنيتها التحتية. سيكون هناك مؤتمر للتمويل في 31 آذار في الكويت، وإننا نأمل أن يتم تقديم تبرعات كبيرة هناك، خصوصاً من المتبرعين الخليجيين. نظراً للميزانيات الإغاثية المحدودة، فإننا نأمل أن يتم تحويل تمويل أكبر لتطوير البلدان المضيفة للاجئين، حتى إن لم يكونوا مؤهلين لتلقي التبرعات بشكل معتاد.

داخل سورية، يكافح عاملو الإغاثة للوصول إلى الأشخاص المحتاجين وسط بيئة عمل قد تكون عدائية وخطيرة للغاية. يجب أن يتم الحصول على تمويل بقيمة 3 بلايين دولار هذا العام أو أن مئات الآلاف من السوريين ممن هم في حاجة ملحة للمساعدة لن يحصلوا على شيء منها.

  • أكثر من 50% من اللاجئين السوريين خارج المدارس...

أكثر من 2,3 ملايين طفل داخل سورية ليسو داخل المدارس، وبين اللاجئين تسوء الأرقام أكثر مع عدم تلقي نصف الأطفال تقريباً للتعليم. في لبنان، يفوق عدد اللاجئين الذين في عمر الدراسة الاستيعاب الكامل لمدارس البلاد العامة، و20% فقط من الأطفال السوريين مسجلون فيها. بالإمكان إيجاد أعداد مشابهة بين اللاجئين القاطنين خارج المخيمات في تركيا والأردن.

حينما يكون الأطفال خارج المدرسة، يمكن أن يتم استغلالهم في سوق العمالة، أو إجبارهم على الزواج المبكر، وفي داخل سورية يتم تجنيدهم للقتال. إن نقص التعليم يزيد من صعوبة جنيهم لما يكفي عندما يكبرون، أو عندما سيعودون إلى وطنهم لإعادة إعماره. لقد أطلقت وكالات الإغاثة والحكومات مؤخراً مبادرة تدعى "ليس جيلاً ضائعاً" لجلب المزيد من الأطفال إلى غرف الدراسة. لقد كان لهذا بعض النتائج، ولكن التحدي لازال هائلاً.

  • إن هنالك أعداداً متزايدة من النساء اللاجئات...

حوال 150,000 امرأة سورية في المنفى تدير اليوم بيتها وحدها، عائلة من كل أربع عائلات في مصر ولبنان والأردن. العديد من الرجال موتى أو مفقودون، أو ضائعون في صراع سورية. إنهن يُقمن في مجتمع يعامل النساء بازدراء، لا يُمكّنهن من إيجاد العمل، ويضع في طريقهن المصاعب في كل اتجاه، من قبل سائقي سيارات الأجرة والباصات ومالكي العقارات والرجال في المحال والمخازن أو في وسائل النقل العام أو حتى من قبل اللاجئين الآخرين عند توزيع المساعدات. مع وفاة المزيد من الرجال في الحرب، يتزايد عدد النساء اللواتي يضطرّن للتعايش مع الوضع، وما لم يتغير موقف المجتمعات منهن، فإن التعاسة التي تواجه عائلات اللاجئين ستزيد.

  • يتكون جيل من الأطفال فاقدون للجنسية...

فيما يترافق مع مأساة النساء العازبات، يحرم آلاف الأطفال من الحصول على جنسية، يحكم عليهم بحياة من فقد الجنسية، تحرمهم من إمكانية التوظف رسمياً، والحصول على التعليم والرعاية الصحية. في بعض البلدان، لا يستطيع كل ثلاثة من أربعة أطفال الحصول على شهادة للولادة، مما يزيد من صعوبة إثبات ارتباطهم بسورية، ويواجه العديد مخاطر إضافية لحالة فقد الجنسية لأنهم ولدوا لأمهات عزباوات حيث أن القانون السوري لا يعترف بحق الأم بتقديم جنسيتها لأطفالها. لقد ولد أكثر من 100,000 لاجئ سوري منذ عام 2011، وقد يصبح العديد منهم بلا جنسية. إن هذه قنبلة موقوتة سيكون لها تبعات خطيرة إن لم يتم التعامل معها بشكل ملائم.

من المزعج للغاية أن من يملكون النفوذ غير قادرين أو غير راغبين بإنهاء شر الحرب السورية، ومن المقلق مشاهدة اللامبالاة المتزايدة بمعاناة الضحايا. لكن هنالك دلالات تثير الأمل من استعداد وإنسانية المتبرعين الكرماء والأفراد الذين يريدون المساعدة، وكذلك الحركات التي تدعو لإحلال السلام.

 ميليسا فليمنغ :المسؤولة عن اتصالات المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين