الوطنية السورية ومأزق التعايش العربي الكردي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

6 نوفمبر/تشرين الثاني 2019
العربي الجديد
المؤلف: 

 

باتت الهوية الوطنية السورية، بعد أكثر من ثماني سنوات على اندلاع الثورة السورية، عُرضة للتآكل والاضمحلال، نتيجة تجاذبات وصراعات ورهانات مختلفة، أحدثت شروخاً وتمزّقات وانشطارات بين مكونات النسيج السوري، إلى درجة أن أسئلة كثيرة باتت تطاول هذه الهوية، والممكنات التي سيُعاد عليها بناء وطنية سورية جديدة، وماهية مكوناتها ومركباتها، وسوى ذلك كثير.

ولعل تجاذبات العلاقة العربية الكردية ومماحكاتها أثرت كثيراً على الوطنية السورية، بدءاً من الموقف من الثورة، وصولاً إلى الموقف من التوغل العسكري التركي في منطقة شرقي الفرات، عبر عملية نبع السلام، وقبلها غصن الزيتون، وما ثار بينهما من جدل كبير بين ناشطين وسياسيين سوريين كثر، وصل إلى درجة غير مسبوقة من التحريض والتخوين وإنكار الآخر وحقوقه، وتصنيفه في خاناتٍ جاهزة وانتقاصية، ونعته بمختلف الصفات السلبية. وتجسّد ذلك كله في مقالات ودراسات مكتوبة في وسائل الإعلام، وأخطرها حملته تعليقات وانطباعات وآراء، نشرت على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، ووصل الأمر إلى حدٍّ بدا وكأن حرباً أهلية مستعرة، نشبت بين الطرفين منذ سنوات عديدة، بينما يكشف واقع الحال على الأرض أن لا شيء يحدث من قبيل ذلك، بل إن غالبية السوريين العظمى في كل المناطق في الداخل وبلدان الشتات، تمارس حياتها بعيداً عن التجاذبات والصراعات والتشرذمات، في محاولتها العيش من جديد.
وبالافتراق عن المؤدلجين والمتحزبين من مختلف الأطراف الذين لا يشكلون سوى نسبة متواضعة جداً، فإن السوريين في الداخل يتدبرون أمور معيشتهم، محاولين الحياة مرة ثانية، سواء الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام والمليشيات المتعددة والروس والإيرانيين، أم في مناطق سيطرة سلطات الأمر الواقع في مختلف أجزاء سورية. أما السوريون في بلاد الهجرة والشتات، فهم أيضاً يحاولون تدبّر أمور معيشتهم قدر المستطاع. ولم تحدث في جميع مناطق وبلدان وجود السوريين واقعة واحدة لها صلة بالثأر من الآخر، لا من السوريين العرب، ولا من السوريين الأكراد، باستثناء حالات محدودة من التعبير عن الحساسية والكراهية، ولا يبنى عليها تمايز أو خوف أو رهاب من المستقبل.
لست في معرض تجميل الصورة، أو تزييف الواقع والوقائع، إذ إن شروخاً وتصدعات طاولت الهوية السورية التي لم تكن صلبة في أي يوم، وكشفت الثورة الغطاء عنها، لتظهر أزمتها وهشاشتها. ولعل ما وصلنا إليه اليوم، بعد أكثر من ثماني سنوات من انطلاق الثورة، جعل الكلام عن الوطنية السورية نوعاً من الترف الفكري لدى بعضهم، ولكنها ليست كذلك عند سوريين كثيرين.
باتت القضية السورية لعبة تدار بين ساسة الدول الفاعلة وأجهزتها، الدول التي يتجاوز عددها الخمسة، بينما غُيب السوريون، بفعل عوامل ذاتية وموضوعية، عن التأثير في مجريات الأمور. وباتت الأحزاب والقوى السياسية والعسكرية للعرب والأكراد وسواهما مجرّد أدوات بيد أجهزة الدول الخائضة في الدم السوري وساستها، الأمر الذي جعلهم خارج اللعبة، وخارج دائرة صنع القرار أو التأثير فيه، وبالتالي كانت مواقف القوى السياسية والعسكرية للمعارضة السورية مرتبكة ومحيرة، باستثناء من يراهنون على تركيا، ومن كانوا يراهنون على الولايات المتحدة الأميركية.
وليس جديداً القول إن المسألة الكردية هي أحد الأبعاد الأكثر إشكالية في مسألة الهوية السورية التي عرّتها الثورة السورية، حيث منحت الثورة لكل مكونات المجتمع السوري، أو كما يقال لكل أقلياته الدينية والإثنية، مثلما منحت لأغلبيته أيضاً، الفرصة المناسبة التي لا تتكرر كثيراً، كي تبني هوية جامعة، وتنال ما تريد، وتحقق مطامحها وأهدافها، لأنها أعلنت سقوط جدران الخوف، وانطلاق لحظة الانعتاق من الاستبداد المقيم، وخطّت طريق الحرية والخلاص، ورفض الإذلال، واسترجاع الكرامة المهدورة. وهي فرصةٌ لا تلوح كثيراً، لأنها نادرة الحدوث.
كانت الهوية السورية، طوال سنوات الاستبداد، مطموسة ومكبوتة، ويعتريها التغلّب الطائفي لعائلة آل الأسد الذي يدّعي تمثيل العلويين والدفاع عن سائر الأقليات. وبوصفها هوية مأزومة، وتكمن فيها قابلية متزايدة للانفجار، لم تكن تملك ما يفيد بأنها تعبّر عن تكوينات المجتمع السوري، المعروف بتعدد بناه ومكوناته وتفاعلاته، وتسوده علاقات وتشابكات متعدّدة، وانتماءات اثنية وثقافية ودينية مذهبية ولغوية وجهوية متعدّدة.
التحدي المطروح على جميع السوريين، عرباً وأكراداً، ومسلمين ومسيحيين، وسنة وعلويين وشيعة ودروزا وإسماعيليين وسواهم، يتجسّد في كيفية إعادة بناء الوطنية السورية، لا تغلّب فيها، وليست بديلاً عن التعدد المجتمعي، ولا تعبيراً عن العصبيات، ولا عن غلبة أي مكون من مكوناته.
وكان الانخراط في الثورة السورية مناسبة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية على أسس جديدة من التعاقد الاجتماعي. وقد سطّرت شعارات وهتافات شباب وشابات الثورة في مرحلتها السلمية، الأحرف الأولى، أو اللبنات الأولية، نحو إشادة وطنية سورية، تنهض على قيم الحرية والمواطنة والمساواة وسواها، في التربة السورية، ولكن ما حدث بعد أن أُخرِجت الثورة عن مسارها السلمي هو مزيد من التشظي والتفتيت.
ولم تتمكّن القوى السياسية والعسكرية التي ادعت تمثيل الثورة من نسج خيوط وطنية سورية، بل أنتجت خطابات انقسام سياسي واجتماعي، كما لم تنتج حالةً من التجانس والاستقلالية، حيث لم تتوافق على برنامج سياسي سوري، بل أسهمت في تعميق الانقسام والتشظي، فكانت الهوية السورية ضحية عمليات إعادة إنتاج بطرق عنيفة وقسرية.
وينطبق هذا الحال على السوريين العرب، كما على السوريين الأكراد وسواهم، بالنظر إلى مراهنة القوى والتشكيلات السياسية السورية، العربية والكردية، على قوى الخارج، والاستقواء بها، للخلاص وتحقيق الأهداف، حيث راهنت تشكيلات المعارضة السورية، بدءاً من المجلس الوطني وصولاً إلى ائتلاف قوى الثورة والمعارضة والهيئة العليا للمفاوضات، على قوى الخارج، ممثلة في دول الخليج وتركيا ودول الغرب، وارتهنت إليها، وباتت أسيرة أجنداتها ومخططاتها. كذلك فعلت القوى والأحزاب السياسية الكردية في سورية، التي راهنت على قوى الخارج، سواء على قيادة جبال قنديل، أو على قيادة إقليم كردستان العراق، حيث وضع المجلس الوطني الكردي كل ما يملك في سلته، فيما وقف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية الذي شكله حزب العمال الكردستاني التركي بالتنسيق مع النظام الأسدي في البداية، وبعدها تحالف مع الولايات المتحدة الأميركية التي استخدمته في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ثم تخلت عنه، رفعت الغطاء عنه وعن أجنحته العسكرية والمدنية أمام التوغل التركي، وراح سياسيون وناشطون يتحدثون عن الخيانة والطعنة في الظهر، ويضيفونها إلى سرديةٍ تاريخيةٍ فيها كثير من المظلومية.
وفيما تعامى الائتلاف الوطني السوري، وأشباهه وحواشيه، عن المسألة الوطنية، لصالح بقائه، ولو مجرد صورة معترف بها دولياً، تستخدم عند الحاجة، فإن الأحزاب السياسية الكردية التي عرفت الانقسام ما بين أجندات قنديل وأربيل تمادت في إنتاج هوية كردية بعيدة كل البعد عن الهوية السورية، لتعمّق التشظي والتفتت الذي عرفته الهوية السورية، وظهرت إلى العلن مصطلحات مثل "روج آفا" (غرب كردستان)، وشعب غرب كردستان، وإدارة ذاتية وبرلمان وحكومة وعلم وسوى ذلك. وقد وظّفت القوى والتشكيلات السياسية التي تدّعي تمثيل أكراد سورية، من أجل، ذلك رساميل مادية ورمزية، بغية إيجاد نموذج هوية كردية، تمكّنها من السيطرة على الأكراد في مناطق الجزيرة السورية وسواها من المناطق داخل سورية، والسيطرة كذلك على السوريين الأكراد خارج سورية أيضاً.
في المقابل، ظهرت الهيئات الشرعية التي فرضتها بالقوة سلطات الأمر الواقع، ممثلة بالفصائل الإسلامية، المعتدلة منها والمتطرّفة التي لا تقر بالوطنية السورية، ولا تعترف بالثورة السورية، بل فرضت شعاراتها وراياتها ورموزها وطرق عيشها على سكان المناطق الواقعة تحت سيطرتها. واجترحت كل هذه التوظيفات، لتحقيق أهداف سياسية انفصالية جذرية، تعرّضت فيها المسألة الوطنية إلى عمليات إعادة إنتاج عنيفة من القوى السياسية والعسكرية المتناحرة.
كانت الثورة السورية فرصة ضائعة بالفعل، لاحت أمام السوريين جميعاً لبناء هوية وطنية سورية بامتياز، وقد شارك في بداياتها شباب وشابات من مختلف الأطياف والانتماءات فيها، حيث عمّت التظاهرات الاحتجاجية مختلف المدن والبلدات السورية، بدءاً من درعا جنوباً وصولاً إلى القامشلي شمالاً، ومن اللاذقية شرقاً وصولاً إلى البوكمال شرقاً. وأظهر شباب وشابات الأكراد مختلف رموز هويتهم، من أزياء وأغان ورقصات وأهازيج، كانت محرمة وممنوعة عليهم في عهود الاستبداد الأسدي، ولم يمثل تأكيد رموز الأكراد وسردياتهم أي إشكال لدى الشباب والشابات السوريين العرب، بل إنهم سموا إحدى جُمع المظاهرات باسم "آزادي (حرية)، ورفعوا شعارات تتضامن مع مظاهرات أهلهم وإخوتهم في القامشلي والحسكة وعامودا والمالكية/ ديريك ورأس العين والدرباسية وعين العرب/ كوباني وسواها، وظهر المناضل الراحل مشعل تمو زعيم تيار المستقبل، والذي يتهم باغتياله حزب الاتحاد الديمقراطي، بوصفه زعيماً سورياً بامتياز، كما ظهر اتحاد شباب الكرد بوصفه تنسيقية الثورة الفاعلة التي تنظم التظاهرات الاحتجاجية ضد النظام في مختلف مناطق الجزيرة السورية التي باتت تُعرف باسم مناطق شرقي الفرات.
وكان موقف الأحزاب والقوى السياسية الكردية سلبياً وملتبساً من الثورة السورية، باستثناء تيار المستقبل، الأمر الذي أحدث انقساماً واضحاً في الموقف من الثورة. ولعبت تلك الأحزاب   دوراً كبيراً في تعميق سردية المظلومية، وفي إظهار التمايز الكردي عن العربي، حتى في التظاهرات، من خلال رفع العلم الكردي وأعلامها، وتوظيف الرموز الكردية، لتعزيز الشعور القومي، وإبعاده عن الشعور الوطني السوري. ولجأ النظام الأسدي إلى تشجيع ذلك، من أجل إعادة إنتاج هوية كردية بالتضاد مع الهوية الوطنية السورية، وجرّها إلى التصادم معها، وفق مفهوم "نحن" مقابل "هم". وأسهمت أحزاب كردية في ذلك، خصوصا حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي حظي بدعم النظام الأسدي مادياً وعسكرياً، إلى درجة أنه سهل له تكوين مليشيات "وحدات حماية الشعب"، كي تبسط سيطرتها على المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية العالية في مناطق الجزيرة السورية، وتكوين شبه كيان منفصل عن الجسد السوري.
لم تع الأحزاب الكردية حقيقة أن حراك الثورة الاحتجاجي السلمي الذي يندرج في حقل السياسة كان رداً على سنوات طويلة من التغييب والإقصاء والتهميش لجميع السوريين، وموجهاً ضد الشعارات الإيديولوجية المزيفة للسلطة التي كانت تقفز على الوطنية السورية إلى قومية متخيلة، حيث كانت تنادي بوحدة الأمة العربية، فيما تمارس أجهزتها وأذرعها الأخطبوطية تقسيماً مذهبياً ومناطقياً وإثنياً، وتعمل على إلحاق سورية، وطناً وشعباً، بمشروع نظام الملالي الإيراني، وما يخططون له في المنطقة.
وقد ساهم موقف الأحزاب الكردية، ومعها مواقف مختلف كيانات المعارضة السورية، في ضرب الإجماع السوري حول الثورة، ومنعه من أن يجسد إجماعاً وطنياً عاماً. إضافة إلى ممارسات النظام الأسدي التفتيتية والتقسيمية التي فعلت فعلها لدى قطاعات من الطيف السوري، فضلاً عن تدخلات القوى الإقليمية والدولية التي لا تنظر إلى سورية إلا بوصفها موقعاً جيوسياسياً هاماً بالنسبة إليها، يستوجب الصراع والسيطرة عليه.
وارتضت أغلب الأحزاب الكردية الانسياق وراء ما طمح إليه النظام السوري في إبعاد الشارع الكردي عن الثورة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل استخدم بعضها لقمع الناشطين الأكراد وملاحقتهم وتهجيرهم.
وقام النظام الأسدي بخطوات وإجراءات، أراد منها أن يظهر وكأنه المدافع عن القضية الكردية، وأنه لم يقمعهم في يوم من الأيام، الأمر الذي اعتبر بمثابة رشوة مفضوحة للحركة السياسية الكردية وللشارع السياسي الكردي، غايتها إبعاد الشباب الأكراد عن الثورة. وأهم الخطوات التي قام بها النظام هي إصدار المرسوم الجمهوري الذي حمل الرقم 49، في الثامن من إبريل/ نيسان 2011، الذي يقضي بمنح الجنسية العربية السورية لأجانب محافظة الحسكة، وقصد بهم المواطنين الأكراد الذين حُرموا منها، نتيجة الإحصاء السكاني الاستثنائي الذي جرى في  المحافظة في عام 1962. وبعد هذا المرسوم بعشرة أيام، أصدر الأسد مرسوماً آخر، حمل الرقم 41، عدّل فيه مرسوماً سابقاً أصدره في عام 2004، كان يقضي بوضع حظر شامل على التصرفات العقارية في المناطق الحدودية السورية.
ولعل أول متحقق لمحاولات تقسيم سورية حدث في شمال شرقي سورية، مع تشكيل كانتونات الإدارة الذاتية التي فرضها حزب الاتحاد الديمقراطي، حين أرسى دعائم ما يشبه دويلة لشعب، له مجلس، دعاه "مجلس شعب غربي كردستان"، وشكل قوات عسكرية، دعاها "قوات حماية الشعب"، وشكّل أيضاً شرطة معروفة باسم "أساييش"، لعبت دوراً كبيراً في ملاحقة وقمع الناشطين الأكراد المختلفين مع ما يطرحه الحزب وتوجهاته وممارساته، التي تمخضت أيضاً عن اجتراح إقليم، له عاصمة وحكومة ودستور ونظام تعليمي خاص، وفق أجندة هذا الحزب وتوجهاته.
ركز حزب الاتحاد الديمقراطي، والمنظمات الخارجة منه، على إعادة تشكيل هوية كردية، تضمن له سيطرته على مناطق شاسعة من الجزيرة السورية، ومناطق في غربي الفرات، مثل منبج وتل رفعت وسواهما، حيث نشر خرائط متخيلة لدولة شعب غربي كردستان، تمتد من الحدود العراقية وصولاً إلى البحر المتوسط، ووضع في مختلف أماكن وجوده صور الزعيم التركي الكردي عبد الله أوجلان. وكان للأكراد الأتراك الدور القيادي في الحزب، وفي جناحه العسكري، وفي حكم المناطق الواقعة تحت سيطرته. وعمل هذا الحزب ذو الإيديولوجيا الماركسية على نشر مفاهيم ومصطلحات زائفة، تعتبر مناطق سورية، يتعايش فيها الأكراد إلى جانب العرب والتركمان والآشوريين وسواهم، جزءاً من كردستان الكبرى، وبوصفها أرضاً تاريخية للأكراد، أي "مناطق كردستانية" و"أرض تاريخية للأكراد"، وباتت الخرائط المتخيلة لكردستان الكبرى تضم أجزاء كبيرة من سورية، وراح يسوّق أن وجود العرب فيها يعدّ احتلالاً لأرض كردية، يمتد إلى العهد الإسلامي، الأمر الذي أراد منه تبرير سيطرة مليشيات وحدات حماية الشعب عليها، باعتباره تحريراً لأرض كردية من محتل عربي. والأخطر على الوطنية السورية هو نشر دعايات هذا الحزب الديماغوجي، تصور التعايش العربي التركي نوعاً من الاستحالة، لأن العرب السوريين بداة ورعاة، ولا يعرفون الحضارة، وبالتالي لا بد من الانفصال عنهم، ورغم كل ذلك قدم هذا الحزب مشروع الإدارة الذاتية، كمرحلة أولى للتعايش مع من تبقّى من عرب سوريين، تليها مرحلة توحيد الأقاليم الكردية في المنطقة في دولة كردستان الكبرى، التي يسعى إلى تحقيقها.
ولعل من المفارقات أن يطبق حزب الاتحاد الديمقراطي الإدارة التي يصفها بالذاتية بالقوة التي تملكها مليشيات الوحدات التي يسميها وحدات حماية الشعب، مع أنها تشكلت وتسلّحت في البداية بالتنسيق مع نظام الأسد، ثم تحالفت مع الأميركيين الذين تخلّوا عنها أمام التوغل التركي، فعادت مرة أخرى إلى نظام الأسد بتدبير روسي، وذلك يعني نهاية مشروعها، وخسارتها معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها، بانتظار اندماجها مع جيش النظام الأسدي.
والحاصل أن الثورة السورية، خصوصا في مرحلتها السلمية، قد شكلت فرصة نادرة الحدوث لبناء وطنية سورية جامعة حول مطالب شبابها وشاباتها المشروعة، الذين عبّروا في شعاراتهم عن وطنية سورية، تنهض مقامات تشييدها على الحرية والكرامة والمواطنة والمساواة. وقد فوّتت هذه الفرصة معظم القوى السياسية، العربية والكردية وسواهما، بل إن الأخطر من ذلك هو أن أغلب هذه القوى والتشكيلات، ساهمت في تمزيق الهوية السورية، من خلال زيادة حدة نبراتها الأيديولوجية والقومية، التي أفقدت السوريين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم القدرة على تقديم تصوّر جديد لقضيتهم، مقابل المزيد من التمزّق الاجتماعي وسد آفاق الحياة والحرية والتحرر، الأمر الذي ألقى بظلال كثيفة على إمكانية التعايش في بلد لم تكن تنقصه التمزقات الاجتماعية والسياسية.
وكان حَريّا بالقوى والتشكيلات السياسية أن تجمع السوريين في مواجهة أفظع أنواع العدوان على حياة السوريين وعوالمهم، تلك التي خاضها نظام الأسد منذ 15 مارس/ آذار 2011 ضدهم، بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم، وأن تدرك أن مواجهة عدوانية نظام آل الأسد كانت الشرط اللازم لكل محاولة تحرر وخلاص من الاستبداد، وبناء وطنية جديدة لسورية جديدة، وشعب جديد. ومن دون الانحياز إلى توق السوريين إلى الحياة بحرية وكرامة، من المستحيل بناء أي إدارة أو كيان، لأنها، ببساطة، يجب أن تضمن لهم ما يطمحون إليه، وما يستحقونه من الحياة.