الولايات المتحدة: تم تعذيب أوروبيين بآلة موت الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

Bloomberg View
المؤلف: 

(ترجمة السورية)

توصلت وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن 10 مواطنين أوروبيين قد تم تعذيبهم وقتلهم خلال اعتقالهم من قبل النظام السوري وأنه بالإمكان استخدام الأدلة على قتلهم من أجل محاكمة بشار الأسد بتهم جرائم الحرب في دول أوروبية عدة.

إن الزعم الجديد، الذي قام به ممثل وزارة الخارجية لشؤون جرائم الحرب، ستيفان راب، في مقابلة معي، يرتكز على التحليلات التي أنهاها حديثاً مكتب التحقيق الفيدرالي (FBI) لـ 27,000 صورة مهربة من سورية من قبل المصور العسكري السابق المعروف بـ"قيصر". تبدي الصور أدلة على تعذيب وقتل أكثر من 11,000 مدني معتقل. إلا أن مكتب التحقيق الفيدرالي استغرق أشهراً في مراجعته للصور ومقارنتها مع قاعدة البيانات القنصلية لصور مدنيين من دول حول العالم.

في الشهر الماضي، سلّم مكتب التحقيق الفيدرالي تقريره، الذي ضمّ مجموعة من الصور والتي وفق التحقيق، طابقت أفراداً كانوا بالفعل مذكورين في ملفات الحكومة الأمريكية، "لقد شملت المجموعة أفراداً عدة غير سوريين، ولكن لم يكن بينهم أمريكي الجنسية، وفقاً لمعلوماتنا"، حسبما أخبرني راب. "كان ضمن المجموعة من دول أوروبية".

قد تكون التبعات ضخمة للتحرك الدولي لملاحقة الأسد ولمسؤولين عسكريين سوريين مهمين آخرين قضائياً بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبينما من غير المرجح أن تقوم منظمات عالمية مثل الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية بالسعي لفتح قضايا ضد الأسد في فترة قريبة الأمد، بسبب معارضة حلفاء الأسد بما فيهم روسيا، تستطيع الدول التي كان مواطنوها ضمن ضحايا التعذيب والقتل أن ترفع القضايا القانونية ضد النظام.

امتنع راب عن ذكر أي من الجنسيات التي وجدت بين ملفات قيصر، ولكنه قال بأنه من الممكن أن يكون هنالك العديد من الأوربيين والمواطنين من حول العالم، بينما يستمر العمل على تحليل الصور. وأثناء ذلك، فإن السعي لبدء الملاحقة القضائية للأسد وللمقربين منه في الدول الأوروبية بإمكانها البدء.

"كنا نأمل الحصول على المئات من هذه الصور، ولكن هذا العدد بالإمكان العمل به"، كما قال راب.

بالنسبة لقيصر وفريق دعمه، فإن أملهم هو أن ترى الدول الأوروبية جرائم قتل مواطنيها كدليل إضافي على أن الغرب يجب عليه رفض أي اقتراح يسمح لنظام الأسد بالبقاء في السلطة أو لأن يكون حليفاً واقعياً مع الغرب ضد الجماعات المتطرفة مثل "الدولة الإسلامية".

"من المهم للغاية أن يتعامل المجتمع الدولي مع واقع أن الأوربيين قد تعرضوا للتعذيب حتى الموت من قبل نظام الأسد بالزخم ذاته وبالطريقة نفسها التي تعاملوا فيها مع واقع أن صحفيين أمريكيين تعرضا لقطع الرأس لدخولهم إلى سورية لتغطية معاناة الشعب السوري"، كما قال هذا معاذ مصطفى، المدير التنفيذي لقوة الطوارئ السورية (جماعة غير حكومية أمريكية تدير برامج وزارة الخارجية داخل سورية). عمل مصطفى مع قيصر وكان مترجمه عندما شهد أمام الكونغرس الأمريكي في شهر تموز.

خلال تلك الشهادة، حذّر قيصر من أن أكثر من 150,000 مدني لازالوا في سجون الأسد وأنهم يواجهون المصير ذاته كهؤلاء الذين أُجبر على تصوير وفاتهم. وفي تصريح لي، كشف قيصر أن لديه معلومات عن أن التعذيب والقتل الممنهج للمدنيين المعتقلين لدى النظام لازال مستمراً، بعد أكثر من عام على هربه.

"لقد قدمت طلبي للرئيس الأمريكي، ليحول دون تعرض الـ 150,000 شخص الذين لازالوا في السجن من معاناة المصير ذاته في سجون الأسد كأولئك الذين التقطت صورهم"، وقال: "بناءً على معلومات لازلت أتلقاها من داخل سورية، بإمكاني أن أقول للحكومة الأمريكية إن النظام لا يزال يمارس آليات القتل نفسها".

لقد كان قيصر مصوراً للشرطة العسكرية في الجيش السوري، وقد وُكّل عام 2011 بتوثيق قتلى المدنيين في معتقلات النظام، عبر تصوير آلاف الجثث التي تم تعذيبها بأقسى الطرق. وقد فرّ من سورية خوفاً على حياته في عام 2013 مع أكثر من 52,000 صورة لمدنيين معذبين ومقتولين، والتي خزنها على ذاكرات التخزين الصغيرة.

تبدي الصور دلائل على قتل أكثر من 11,000 مدني في دمشق من عام 2011 وحتى عام 2013 بأيدي النظام. وقال راب وباحثون آخرون بشؤون جرائم الحرب إن الطريقة الممنهجة لجرائم القتل التي نفذتها ووثقتها "آلة القتل" الخاصة بالنظام هي أسوأ ما قد شُوهد منذ عهد النازيين.

وبعد فراره إلى تركيا بمساعدة بعض أفراد المعارضة السورية، عقد قيصر اتفاقاً قام خلاله بتسليم أكثر من 27,000 صورة إلى الحكومة الأمريكية. وقد أعطى الشريحة كاملة لبلد أوروبي غير محدد ليتم حفظها. ثم تم نقله هو وعائلته إلى بلد أوروبي آخر وقُدم له راتب معيشي صغير.

قام مكتب التحقيق الفيدرالي بمساعدة وزارة الخارجية بتحليل الصور التي في حوزة الحكومة الأمريكية، ووُجد حوالي 5,400 صورة تشمل وجوهاً بالإمكان مقارنتها مع ملفات الصور الموجودة، حسبما قال راب. طابق 4,800 من هذه الصور ملفات موجودة بالفعل في قواعد بيانات جوازات السفر أو التأشيرات الأمريكية، وغالباً كانت المطابقات متعددة. ثم راجع محللو مكتب التحقيق الفيدرالي الصور ليجدوا أن المطابقات ذات درجة عالية من الموثوقية.

وقال راب إن هنالك المزيد والمزيد من المطابقات على الأغلب في ملف قيصر ولكن هنالك حدود لقدرة مكتب التحقيق الفيدرالي على التحليل، لأنه لم يكن هنالك العديد من المعلومات الشخصية مع الصور ولأن الأجساد غالباً كانت مشوهة.

وقال: "إن كان لديك صور أخرى للشخص نفسه، وإن كان لديك هوية لتتابع البحث وفقها، وإن كان لديك أي نوع آخر من المعلومات، وإن لم يكن الأمر وضع صورة بسيطة فقط لرأس جثة باردة مع صورة قديمة، لكنت ستجد على الأرجح مطابقات أخرى لم يستطع الحاسوب إيجادها".

وقد قدم لي مكتب التحقيق الفيدرالي تصريحاً بأنهم لم يخفوا أي دلائل تشير على أن الصور قد تم تعديلها بأي طريقة تغير محتواها. (وإن هذا أمر هام، لأن بعض المدافعين عن نظام الأسد ونقاد آخرين ادعوا أن صور قيصر قد تم التلاعب أو الاحتيال بها). لقد تم توضيح بعض النصوص في الصور، ولكن الدلائل على التعذيب والقتل كانت حقيقية.

وعندما وصل الأمر لتحديد هوية الأشخاص في الصور، حذّر مكتب التحقيق الفيدرالي أنه يجب القيام بالمزيد من التحليلات قبل أن يتم استخدام الصور لتحديد الأفراد بشكل قاطع.

وقال تصريح مكتب التحقيق الفيدرالي "باستخدام التقنيات المتوافرة، تم العمل على مطابقة صور الأفراد الظاهرة في الصور مع صور لأفراد معروفين. ولقد وجدنا مطابقات ضعيفة، لكنها لم تكن قوية لنقوم بتحديد الهوية، ونظراً لأولوية هذا التحقيق، فإن مكتب التحقيق الفيدرالي يعمل مع خبراء من حكومات متعددة ومنظمات خاصة في محاولة تطوير قدرات تحليل التي قد تؤدي لنتائج أكثر دقة".

وقال راب إن تصريح مكتب التحقيق الفيدرالي كان حذراً قدر الإمكان. "لقد كان تصرفهم هذا ملائماً. فلقد كان هنالك الكثير من التطابقات ولكن من الصعب جداً أن تكون متأكداً دون أمور أخرى كالبصمات".

ولقد دعا تصريح مكتب التحقيق الفيدرالي قيصر وفريقه لتسليم بقية الصور البالغ عددها الكلي 52,000 والمعلومات الدلالية التي تأتي معها. فعلى الرغم من أن فريق قيصر كان يعمل مع الحكومة الأمريكية، إلا أنهم رفضوا إلى الآن تقديم القسم الثاني من الصور إلى مكتب التحقيق الفيدرالي لأنهم يريدون منه أولاً أن يصدر تقريراً يصرح بشكل حاسم أكثر بأن الصور حقيقية وأصلية.

ولقد كان عمل قيصر وفريقه أيضاً في عمليات موازية على تحليل الصور وتقديم الأدلة إلى العامة بأنفسهم. ولكن جهودهم أعاقها نقص التمويل وما يصفونه بنقص الدعم الدولي. ولقد أفاد تقرير صحيفة The New York Times أنه وبعد أشهر من ظهور قيصر في واشنطن ولقائه مع أهم مسؤولي البيت الأبيض، لم يُبذل الكثير لمتابعة ما تكشفه صوره. ويعتقد الأشخاص الذين يساعدون قيصر أن إدارة أوباما كانت بطيئة في متابعة الأدلة، وأنهم يطلبون من الحكومة الأمريكية أن تقدم لمشروعهم بعض الدعم المالي.

"لقد تم تنفيذ كم كبير من العمل من قبل وزارة الخارجية ومكتب التحقيق الفيدرالي ونحن ممتنون له للغاية، ولكن كان هناك تأخير كبير"، قال هذا توبي كادمان المحامي الرئيس في فريق قيصر. "في كل يوم يموت المزيد من السوريين على إيدي الحكومة، ومن الضروري أن يتم تشكيل أقوى قضية ممكنة في أقصر إطار زمني ممكن".

يحضر قيصر، وداعموه، تقريراً للتحقيق حول الأدلة، وينوون رفع ذلك التقرير إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. كما يدرس الفريق أيضاً فتح تحقيقات على الصعيد المحلي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسبانيا.

يكاد قيصر نفسه يصبح مفلساً، فهو غير قادر على إيجاد عمل في بلده المضيف الجديد. ولقد تم تمويل رحلاته إلى البلاد الأجنبية للحديث عن الأدلة من قبل أصدقائه وداعميه. وقال: "أنا مثل أي سوري آخر، لاجئ من الحرب. وضعي أفضل من وضع أولئك الذين يعانون في الداخل".

ولقد وعد راب بأن وزارة الخارجية ستستمر بالسعي إلى تأكيد صحة الأدلة، وكشفها واستخدامها لمحاسبة الأسد وأعضاء نظامه.

وقال: "يوجد اهتمام عال المستوى بهذه المسألة، ولن ندعه يخفق، نأمل أن نكون ناجحين في إيجاد طرق لمساعدة قيصر وعلى تأمين عمل له ليعيل نفسه أينما كان. قيصر بأمان وسيحظى بحياة جديدة ويجب أن يفخر به أبناؤه وأحفاده".

ومع ذلك فإن الحكومة الأمريكية لازالت منقسمة بين أولئك الذين يريدون مواجهة الأسد الآن والذين يعتقدون أنه لازال ضرورياً للتفاوض على إنهاء الحرب الأهلية، وعلى ضمان ألا يحكم متطرفو "الدولة الإسلامية" سورية. تجبر أدلة قيصر أولئك الذين داخل الحكومة الأمريكية الذين يريدون حفظ نظام الأسد على مواجهة الكلفة المريعة لتلك الصفقة الخاسرة، التي تقاس بأرواح البشر البريئين.

وبينما أدرك الأمريكيون التعذيب السابق لعشرات الأشخاص الذين كانوا معتقلين من قبل الولايات المتحدة، فإن السؤال المشروع هنا هو إن كان الغرب سيتصرف لإيقاف جرائم قتل آلاف المعتقلين لدى الأسد. على الأوروبيين الآن مواجهة واقع أن مواطنيهم من بين أولئك المعتقلين.