اليمن في قبضة العنف والفوضى .. من المسؤول وماذا بعد؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/10/2014
العربي 21

كان يوم الخميس داميا إلى حد كبير في اليمن الذي لم يعد سعيدا، وربما لم يكن كذلك طيلة ثلاثة عقود في ظل حكم المخلوع، لكن اليوم المذكور لن يكون اليوم الأكثر دموية كما يبدو، إذ من دون حدوث معجزة تؤدي إلى شكل من أشكال التوافق على مسار سياسي يرضي غالبية اليمنيين، فإن أياما أخرى أكثر دموية ستكون بانتظارهم خلال الشهور المقبلة.

قلنا من قبل إن ما فعله الحوثيون بسيطرتهم (بروحية الاحتلال) على العاصمة اليمنية صنعاء سيكرر السيناريو العراقي مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين قبل ذلك، والتوحيد والجهاد في البداية)، إذ سيمنح حاضنة شعبية قوية لخيار السلاح والعنف الذي تمثله القاعدة هناك (أعلن عن تنظيم جديد تابع للدولة يهدد الحوثيين بالذبح)، مع فارق بالغ الأهمية يتمثل في أن اليمن بلد مدجج بالسلاح، ولديه عشرات الآلاف من الرجال المدربين على استخدامه، أما الذي لا يقل أهمية فهو أن الثقل الشعبي للحوثيين في اليمن لا يُقارن بالثقل الشعبي للشيعة في العراق.

وفيما كان بوسع إيران أن تستوعب الوضع في العراق عبر الدفع نحو استيعاب العرب السنّة بدل سياسات الإقصاء والتهميش التي انتهجها حلفاؤها هناك ضد هذه الفئة بعد انحيازها للعملية السياسية وتخليها عن مسار العنف (مهّد ذلك لنشوء ما يعرف بالصحوات التي كان لها الدور الأبرز في تحجيم تنظيم الدولة)، فقد ذهبت (أي إيران) نحو تأييد سياسات المالكي الرعناء التي أدت، بخاصة بعد قمع احتجاج العرب السنّة السلمي، إلى العودة لخيار السلاح، ومنح حاضنة شعبية للتنظيم، وصولا إلى السيناريو الذي يعرفه الجميع بالسيطرة على الموصل وما يزيد عن ثلث مساحة العراق.

لا حاجة إلى التذكير أيضا بسياسة إيران في سوريا التي وضعت العلويين في أتون محرقة لم تبق بيتا من بيوتهم دون عزاء، وذلك من دون أفق حقيقي لانتصار يعيد الوضع إلى ما كان عليه، وهو المسار الذي أدى بالغالبية الشيعية العربية إلى تأييد ذلك المسار وصولا إلى حشد مذهبي لم يعرفه تاريخ المنطقة منذ الصراع الصفوي العثماني قبل خمسة قرون.

في اليمن، ما كان للإهانة التي وجهها الحوثيون للغالبية اليمنية بسيطرتهم بتلك الطريقة المهينة على صنعاء أن تمر من دون ردود فعل لم تتأخر كثيرا، بخاصة أن القاعدة وجدته هدية من السماء تعيد لها الحاضنة الشعبية التي فقدتها عمليا بعد تعويل الناس على مسار استكمال الثورة ولو بشكل متدرج، رغم إدراك الجميع لحقيقة أن المبادرة الخليجية التي أبقت المخلوع سرطانا ينهش في جسد اليمن لم تكن تريد للثورة أن تنجح، هي التي تعتبر أولويتها السياسية محاربة ربيع العرب والثورات وما يسمى الإسلام السياسي، بخاصة الإخوان المسلمين.

وفي وقت يدرك الحوثيون أن سيطرتهم على اليمن ليست أمرا سهلا، فإنهم يفكرون في خيار تشجيع الجنوب على الانفصال (الثقل الأكبر للسنّة الشوافع) ومساعدته في ذلك، طبعا إذا لم ينجحوا في تأمين تحالف مع الجنوبيين عبر علي سالم البيض الذي كان ضيفا على حزب الله منذ سنوات، وحلقة الوصل بين إيران، وبين ما يعرف بالحراك الجنوبي الذي جاء بعضه نتاج مظالم تاريخية، مع ميل تقليدي للانفصال في زمن انفجار الهويات، بما فيها المناطقية.

ما ينبغي قوله هنا هو أن حكاية الثورة اليمنية التي يتحدث عنها الحوثيون ومن ورائهم إيران تبدو مثيرة للازدراء بعد تحالفهم مع المخلوع الذي ثار الشعب ضده، لكن الذي لا يقل إثارة للازداء هو حديثهم عن التوافق، وقد جاء رفضهم لترشيح (بن مبارك) ليؤكد أنهم في صدد التحكم بكل مخرجات العملية السياسية على نحو يشبه نموذج حزب الله في لبنان، بل ربما بطريقة أسوأ، ما سيعزز خيار العنف ضدهم.

هو تدافع داخلي يمني من خلال السياسة والحشود والسلاح والمتفجرات، لا يختلف عن التدافع في عموم المنطقة، بل هو جزء لا يتجزأ منه، ما يعني أن نهايته القريبة ليست متوقعة، ليس فقط لأن رد الإهانة الحوثية للغالبية سيستغرق وقتا، بل أيضا لأن العرب الذين أرادوا ما جرى إضعافا للحوثيين وللتجمع اليمني للإصلاح (خصمهم السياسي المحسوب على الإخوان) في آن، ما لبثوا أن حصلوا على نفوذ إيران في خاصرتهم الأهم، وهو ما لن يمرروه على الأرجح، وسيحاولون استدراك الأمر بطريقة أو بأخرى، وإن بقيت أولويتهم المعروفة حاضرة بقوة.

مرة أخرى نعود إلى القول إن إيران قد وضعت الحوثيين في أتون محرقة لهم واستنزافا لها (أعني إيران) من حيث أرادت ترميم نفوذها بعد اهتزاز الوضع في العراق وفي سوريا، ما يعني أن المعركة ستتواصل حتى زمن لا يُعرف مداه، وبأثمان باهظة على اليمن وعلى عموم المنطقة، لكن نهايتها لن تكون في صالح إيران بكل تأكيد.