انتخابات إسطنبول:ليست إنتصاراً للمعارضة

صورة عائشة كربات
المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25 يونيو/حزيران 2019
المُدن
المؤلف: 

نتيجة انتخاب الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول هي مجرد دليل على الإخلاص العميق للشعب التركي للديموقراطية ولكنها ليست انتصاراً للمعارضة، على الأقل حتى الآن، وبرغم أنها قد تكون بداية انهيار حزب "العدالة والتنمية" الحاكم.

صحيح أن أهالي إسطنبول أحبوا جهود مرشح المعارضة أكرم أمام أوغلو الهائلة للتواصل مع كل مواطن. ذكرهم هذا برئيس بلدية آخر كان يحكم مدينتهم النابضة بالحياة إسطنبول ذات مرة، جنباً إلى جنب مع سكانها: رجب طيب أردوغان.

لكن السبب الحقيقي لنتائج انتخابات الإعادة ليس مشاعر أهالي إسطنبول تجاه إمام أوغلو، ولكن قرار مجلس الانتخابات العليا إعادة الانتخابات. هذا ما جعل سكان المدينة غاضبين للغاية ودفع ببعضهم إلى تغيير مرشحهم لمنصب رئيس البلدية.

للديموقراطية في تركيا الكثير من أوجه القصور منذ البداية؛ كانت هناك عدة انقلابات ومحاولات انقلاب، أياً كان النظام، عانينا دائماً من عدم وجود توازن في الأرصدة، وضعف المجتمع المدني والقضاء غير المستقل ووسائل الإعلام التي تسعى إلى تحقيق المصلحة الذاتية، ولكن منذ بداية النظام التعددي في عام 1945، أحب المواطنون الأتراك فكرة صندوق الاقتراع وأخذوه على محمل الجد في كل وقت. كانت نسبة المشاركة في الانتخابات مرتفعة للغاية في تركيا بسبب هذا التفاني. هذه هي القضية الأكثر قداسة للديموقراطية التركية، ولكن بمحاولة غير مرئية، أجبرت الحكومة المجلس الأعلى للانتخابات على اتخاذ قرار بإعادة الانتخابات.

إن نتائج انتخابات الأحد هي بشكل أساسي عقوبة على محاولة خطف صندوق الاقتراع، أكثر من كونها أي شيء آخر.

ثانياً، عندما بدأ رجب طيب أردوغان إدارة إسطنبول في عام 1994 كرئيس للبلدية، كانت هناك جماهير حول المدن الكبرى، بسبب ثورة التصنيع. واجه هؤلاء المهاجرون الجدد صعوبات في التكيف مع ثقافة المدينة والحياة التي شعروا أنهم مستبعدون منها. قام أردوغان بتحويلهم، ونقلهم من الأطراف إلى الوسط. كانت هذه في الواقع مهمة حزب "العدالة والتنمية" التي تم إنجازها بطريقة ناجحة للغاية. الجماهير تكيفت مع حياة المدينة، لكن حزب "العدالة والتنمية" لم يكن قادراً على تجديد نفسه وفقًا للعقد الاجتماعي الجديد الذي أنشأه بنفسه. تتطلب حياة المدينة فرصاً جديدة ومزيداً من الترفيه والمزيد من الحرية والفردية، لكن "العدالة والتنمية" كان قاصراً عن الاستجابة لهذه المطالب.

ثالثاً، لقد اختار معظم الأكراد الذين يعيشون في إسطنبول؛ المتدينين أو القوميين، التصويت لصالح المعارضة، ليس لأن المعارضة كانت تعنى بهم، بل لأنهم فقدوا كل آمالهم في حزب "العدالة والتنمية". محاولة الحكومة في اللحظة الأخيرة تمهيد الطريق لبيان زعيم حزب "العمال" الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان، الذي حث الأكراد على البقاء محايدين في الانتخابات، جاءت بنتائج عكسية. أدت هذه المحاولة بالناخبين القوميين الأتراك إلى وضع مسافة مع حزب "العدالة والتنمية" لأنه أعطى الانطباع بأنه مستعد لفعل كل شيء للفوز في الانتخابات. 
إضافة إلى ذلك، فضل الأكراد الاستماع إلى حزبهم القانوني، حزب "الشعب" الديمقراطي وليس حزب "العمال" الكردستاني المسلح. الحزبان ليسا منظمتين مختلفتين تماماً بالطبع، لكن مطالب الأكراد بالسياسة والقانون هي أكثر من أي وقت مضى، وهي علامة أخرى مهمة لمستقبل تركيا وبالطبع بالنسبة للمنطقة.

حسناً، إنها أيضًا حقيقة أن المعارضة، على الرغم من الانقسامات العميقة في ما بينها، تمكنت من حشد قواتها وأنصارها. الاحتفالات الجماهيرية في شوارع إسطنبول تظهر الإمكانات هناك؛ المعارضة خرجت من الزجاجة الآن وقد يكون من الصعب دفعها للخلف.

ومع ذلك، هناك العديد من المشاكل الضخمة العاجلة التي تقترب بسرعة من تركيا مع وجود إمكانية كبيرة لتحقيق الضرر؛ العقوبات الأميركية المحتملة بسبب شراء صواريخ روسية الصنع من طراز "إس-400"، والكفاح من أجل الموارد الطبيعية لشرق المتوسط وسوريا وعدم الاستقرار في المنطقة بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي. قال أردوغان الذي يتعين عليه مواجهة هذه المشاكل، بعد تهنئته لإمام أوغلو: "سنواصل معالجة جميع قضايا تركيا الداخلية والخارجية بعناية".

الكرة في ملعبه الآن. هل سيستمر في فعل ما يفعله؟، هل سيجري تغييرات شكلية في حزبه وحكومته أم سيحاول أن يوضح للناس أنه تلقى الدروس؟، والأهم من ذلك، هل سيكون قادراً على تحديد مهمة جديدة لحزبه؟. إذا لم يكن كذلك، فإن الانهيار الحقيقي لحزبه بدأ بالفعل.